إيران
اهتمّت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الاثنين 29 حزيران 2026 بتحليل أوضاع المنطقة في ظل تفاهم هشّ أقرب إلى الانهيار واعادة انفجار الأوضاع، بموازاة استعداد كل الاطراف لجولة جديدة، ولاسيّما في الكيان الصهيوني.
في مسلخ السلام: لماذا لم يعد الحديث عن السلام يُشترى في عالم الحرب؟
بداية مع صحيفة "وطن أمروز" التي كتبت "بعد انهيار النظام ثنائي القطب، طرح أكثر منظري الليبرالية الديمقراطية تفاؤلاً فكرة نهاية التاريخ، وزعموا أن الحرب ستصبح أداة سياسية مع توسع الروابط الاقتصادية والمؤسسات الدولية. واعتبروا السلام الحالة الطبيعية والحرب خطأً بنيوياً. وقد وجدت هذه الفكرة أيضاً شكلاً نظرياً في الأدبيات الليبرالية للعلاقات الدولية؛ فمع ازدياد التبعية الاقتصادية، وتوسع المؤسسات الدولية، وتطور الديمقراطية والسوق العالمية، تصبح الحرب تدريجياً ذات منطق سياسي. لكن الواقع، ولا سيما بعد الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، ثم العدوان الإسرائيلي والأمريكي على إيران، أظهر أن هذه الفكرة كانت مفرطة في التفاؤل ووهمية، وأن الحديث عن السلام، في عالم لا يزال يدور حول القوة والمنافسة والتكنولوجيا العسكرية والمصالح المهيمنة، دون دعم القوة، ليس إلا أمنية أخلاقية. وما نشهده اليوم هو دحض تجريبي لهذه الفكرة. الحقيقة المُرّة هي أنه في ظلّ البنية الحالية للنظام الدولي، لم تُستأصل الحرب، بل أصبحت شريان الحياة للرأسمالية المُتقدّمة. ويستند فهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية لهذا الوضع العالمي إلى فهم عميق للاقتصاد السياسي للحرب، حيث لا يُمثّل السلام الليبرالي سوى قناع للهيمنة".
وبحسب الصحيفة، في هذا العصر، لم تُستأصل الحرب من السياسة، بل تغيّر شكلها وحدودها وأدواتها فقط. إن أداة الدبلوماسية في العالم عاجزة عن تنظيم علاقات القوة بين الدول، ونتيجةً لذلك، بات من الواضح أن ساحة المعركة ستتحول إلى مختبر للسياسة. إن مسألة الحرب هي مسألة إرادة سياسية، وعمق اجتماعي، وقدرة على التسامح، واستجابة فعّالة، وهيكل ردع، ولذا انتقلت من مستوى التكنولوجيا إلى مستوى المعنى والإرادة.
وأضافت "في نظريات الأمن الحديثة، ظهرت مفاهيم مثل الحرب الرمادية والحرب الهجينة لتفسير هذا الوضع. العقوبات الاقتصادية، واغتيال العلماء، والتخريب الصناعي، والهجمات الإلكترونية، والعمليات المعرفية، والحرب الإعلامية، والحصار المالي، والتهديدات العسكرية، ودعم القوى الوكيلة، والهجمات المحدودة، كلها جزء من طيف الحرب. لذلك، انهار الحد الفاصل بين السلام والحرب من أساسه، ومن الواضح أن فكرة السلمية في العالم، على الأقل بشكلها الحالي، فقدت مصداقيتها ولم تعد قادرة على تفسير العالم".
الصحيفة أشارت الى أن "السلمية الأخلاقية، التي تعني رفض العدوان والقتل والهيمنة، هي بلا شكّ أمر نبيل وإنساني، لكنّ السلمية على المستوى السياسي غالبًا ما تعني عمليًا تجاهل بنية العنف والجريمة وإعادة إنتاجهما في النظام الدولي، ولذا تبدو ساذجة للغاية. ففي الوقت الذي تتحدث فيه القوى المهيمنة عن السلام، تزيد ميزانياتها العسكرية، وتموّل شركات الأسلحة، وتبني جيلًا جديدًا من الأسلحة، وتخطط لحروب مستقبلية، وتجري دراسات علمية معمقة على أصغر مكونات أسلحتها؛ دراسات حول كيفية تقليل نسبة الخطأ في الأسلحة بحيث يمكن استهداف البشر ومكونات حياتهم بدقة أكبر! لذا، لا يزال خطاب الحرب قائمًا، لأنه لا يزال يعمل في حسابات القوة والربح والأمن والهيمنة".
ووفق الصحيفة، الاقتصاد السياسي للأسلحة، أحد أهم أسباب استمرار الحرب. وراء الحرب شبكة من الصناعات والشركات والمختبرات وعقود الدفاع وجماعات الضغط السياسية ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث.
وطبقًا للصحيفة، فكرة انتهاء عصر الحروب الكبرى متجذرة في اعتقاد ساذج بأن التكنولوجيا يجب أن تُسهّل حياة الإنسان، لكن في ظل الهيمنة الغربية، أصبحت التكنولوجيا أداةً لإدامة عدم المساواة في القوة. وقد أظهرت الحروب الأخيرة، لا سيما في غرب آسيا، أن التفوق التكنولوجي العسكري لا يضمن بالضرورة النصر. كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أول دولة في عالم ما بعد الحرب الباردة تُدرك أن السلمية في مواجهة قوى الشر العالمية انتحار استراتيجي، وليست فضيلةً وأخلاقاً كما يُروجون! ففي منطق الجمهورية الإسلامية، القوة الدفاعية هي درع الحضارة. وإذا كانت إيران تُقاوم الهيمنة الأمريكية اليوم، فذلك لأن السلام لا يكون ذا قيمة إلا عندما يُدرك الطرف الآخر التكلفة الباهظة للحرب. إن حرب اليوم هي حرب إرادات تبلورت في صورة منافسة بين التكنولوجيا المحلية والتكنولوجيا المستوردة. من خلال توطين صناعة الصواريخ والطائرات المسيّرة، نجحت إيران في زعزعة احتكار سوق الأسلحة في المنطقة، ووضعت حدًا لـ"الاقتصاد السياسي القائم على الخوف" الذي فرضه الغرب، والذي ينطلق من مبدأ أن السلام العادل لا يدوم دون قوة دفاعية. إن السلام الذي يطالب الدول بإلقاء أسلحتها، بينما يلتزم الصمت حيال ترسانات القوى العظمى وقواعدها العسكرية ومعاهداتها الأمنية وصناعاتها العسكرية، ليس إلا نظامًا للهيمنة".
قراءة في عبارة القائد: على الأصول كان لدي رأي آخر
صحيفة "همشهري" كتبت بدورها "يمكن دراسة معنى عبارة قائد الثورة حول مذكرة التفاهم "على الأصول كان لدي رأي آخر" من زوايا متعددة: فهي لم تكن معارضة لمبدأ المفاوضات، بل نقدًا لمنهجها وإطارها، اللذين اعتُبرا في بعض الأحيان، من وجهة نظر النقاد، غير محترمين وقائمين على نهج من أعلى إلى أسفل؛ وهو نهج حذرت منه القيادة وعارضته في مناسبات عديدة".
وتابعت "قد تشير هذه العبارة إلى عدم ثقة بالجانب الأمريكي؛ لا سيما بالنظر إلى تجربة الاتفاق النووي، الذي افتقر، من وجهة نظر النقاد، إلى ضمانات كافية للتنفيذ، وأتاح إمكانية عدم الامتثال أو الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة من الاتفاق. من منظور هذا التحليل، يُظهر التاريخ الطويل لتفاعلات الولايات المتحدة ومفاوضاتها مع مختلف الدول، قبل الثورة الإسلامية وبعدها، أن الولايات المتحدة ليست شريكًا موثوقًا به في إبرام اتفاقيات مستدامة في كثير من الحالات، ولا يُتوقع منها سلوك مختلف تجاه إيران".
من هذا المنظور، تضيف الصحيفة، لو تمكن مسؤولو البلاد من إدارة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بما يقلل الضغوط الداخلية، لكان من الممكن مواصلة مسار المواجهة مع الكيان الصهيوني حتى تحقيق الأهداف المنشودة، إلا أن القيود الاقتصادية حدّت من هذه القدرة. ووفقًا لهذا التحليل، كان من المفترض، في الحالة المثالية، أن تستمر المواجهة حتى يتكبد العدو خسائر فادحة ورادعة، فلا يجرؤ على الهجوم مجددًا. مع ذلك، يعتقد بعض المحللين أن أي اتفاق أو مفاوضات قد يتيح للعدو فرصة لإعادة تنظيم صفوفه والاستعداد لمزيد من العمليات.
الصحيفة أشارت الى أنه "يمكن أن تعني عبارة "على الأصول" أيضًا أن تجربة إعادة التفاوض، رغم تكاليفها المحتملة على الشعب الإيراني، مطروحة مجددًا على جدول الأعمال؛ لأن شريحة من المجتمع وبعض المسؤولين ما زالوا يعتقدون بضرورة تجربة هذا المسار، حتى وإن كانت تجربة مشابهة للاتفاق النووي الإيراني ونتائجه لا تزال حاضرة في الذاكرة العامة".
ووفقًا للصحيفة، قد تشير هذه العبارة من منظور آخر إلى ضرورة إدارة الرأي العام العالمي. ففي وسائل الإعلام الدولية، يُلمح أحيانًا إلى أن إيران تعارض السلام والحوار. لذا، قد يكون اللجوء إلى المفاوضات محاولةً لإثبات سلمية إيران وتحييد هذه الرواية؛ مع أن لهذا النهج تكاليفه واعتباراته الخاصة.
وخلصت الى أن "هذا قد يعني أيضاً أن البلاد بحاجة إلى إعادة بناء قدراتها، ومراجعة استراتيجياتها، وتجديد قواتها في ظل الوضع الراهن. وفي هذا السياق، قد يُتيح التوصل إلى اتفاق أو تخفيف حدة التوتر فرصةً لاستعادة القدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وعليه، يمكن تفسير المفاوضات لا كغاية نهائية، بل كوسيلة لكسب الوقت وتعزيز الجاهزية في المستقبل".
خوف الجلاد من مقتله
صحيفة "رسالت" من جهتها قالت " ما تزال التطورات في النظام العالمي الجديد، الذي يتمحور حول غرب آسيا، تتسارع وتيرتها، إذ يصاحب أي تطور في هذه المنطقة تداعيات وعواقب عالمية. وبينما يركز العالم على الاتفاق الإيراني الأمريكي وتأثيراته على إنهاء الحرب في جميع أنحاء غرب آسيا، بما في ذلك لبنان، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية لفتح مضيق هرمز تحت الإدارة الإيرانية، يواصل النظام الصهيوني انتهاك وقف إطلاق النار والعدوان في المنطقة، ساعياً إلى تحويله إلى إجراء طبيعي والتنصل من مبدأ إنهاء الحرب على جميع الجبهات. وتكتمل هذه الخطة بادعاء الولايات المتحدة استئناف محادثات بيروت وتل أبيب في واشنطن. ورغم أن هذا الإجراء يبدو استعراضاً للقوة من جانب قادة الكيان الصهيوني، ولا سيما نتنياهو، إلا أن نظرة واقعية تشير إلى وضع حرج يواجهه هذا النظام على الصعيدين الداخلي والدولي، لدرجة أن حلفاءه الغربيين، تحت تأثير إنجازات المقاومة والصحوة العالمية، باتوا يواجهون هذا الوضع حتماً. عمليةٌ، وإن كانت خطوةً إيجابية، إلا أنها تتطلب إجراءاتٍ عالميةً عمليةً لمعاقبة النظام الصهيوني وردعه عن مواصلة احتلاله وجرائمه، وإلا سيُفعّل النظام أسلحة مقاومته".
وأضافت "أعلن النظام الصهيوني عن إجراء انتخاباتٍ مبكرةٍ بالقوة، في حين أن مهمة هيكل النظام واضحةٌ قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، حيث تشير الدلائل إلى أن نتنياهو وحزب الليكود الحاكم لا يملكان أي فرصةٍ للبقاء في السلطة. ووفقًا لاستطلاعات الرأي، سيذهب 69 مقعدًا من أصل 120 إلى معارضي نتنياهو، مما سينهي فعليًا حياتهم السياسية. في غضون ذلك، وعلى الصعيد الكلي، أدى استمرار التحريض على الحرب، إلى جانب الفشل في تنفيذ الأهداف المعلنة، إلى انقسامٍ وتشرذمٍ في البنية الاجتماعية لهذا النظام، مما أسفر عن احتجاجات الحريديم ضد الخدمة العسكرية، بالإضافة إلى مسيراتٍ مناهضةٍ للحرب، ونشر إحصاءاتٍ حول التكاليف الباهظة للتحريض على الحرب على اقتصاد هذا النظام، وغير ذلك، مما خلق جوًا متوترًا داخله".
الصحيفة لفتت الى أنه "على الرغم من أن النظام الصهيوني، بجماعات ضغطه الكبيرة وهيمنته على الفضاء الإعلامي، تمكن من الانتقال من العزلة الإقليمية إلى نهج عابر للأطراف، إلا أنه منذ طوفان الأقصى، ازداد الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية، حيث اضطرت الدول والحكومات، إلى جانب الدول، إلى الوقوف في وجه النظام الصهيوني. وقد دعمت الدول الغربية، من أوروبا إلى الولايات المتحدة، النظام الصهيوني في جميع المجالات خلال عقوده غير الشرعية، لكنها اتخذت في هذه الأيام مواقف نقدية، بل وعقابية في بعض الحالات، ضده، ليس بدافع إنساني، بل بدافع الإكراه.
وختمت "ما يحدث في المنطقة والعالم اليوم، أي العزلة الشديدة للكيان الصهيوني والتدخل القسري للغرب لمعارضته، ليس نتاجًا للدبلوماسية والتسوية، بل هو نتيجة تحركات جبهة المقاومة. مقاومة أحبطت مخطط الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لشرق أوسط جديد بتقسيم الدول وإجبارها على الاستسلام، وأرست توازنًا جديدًا. لقد مهدت إنجازات إيران في حرب رمضان، بما في ذلك إدارتها الذكية لمضيق هرمز، فضلاً عن جهود حزب الله المكثفة لإضعاف العدو ودعم المقاومة اليمنية والعراقية، الطريق لهذا الإنجاز العظيم، وهي عملية أظهرت أن السبيل الوحيد أمام المنطقة لتحقيق الاستقرار في المقاومة هو الاعتماد على الدبلوماسية المقتدرة والتخلي عن عملية التسوية".