خاص العهد
إنه الثالث والعشرين من أيلول عام 2024، خرجت الأم من بين الغبار والصمت، بعد أن هدأت أصوات الغارات. كانت خطواتها متعثّرة، وعيناها لا تبحثان إلا عن وجوه صغيرة تعرفها أكثر من أي شيء في هذا العالم. في لحظة واحدة تحوّل المكان إلى ظلام ونار. اختفى كل شيء من حولها، ولم يبقَ في عقلها سوى سؤال واحد: أين أولادي؟
وجدت ابنتها الأولى غارقة بالألم، ورأت ابنها الأكبر بين الخوف والدمار، وزوجها يحاول أن يبقى صامدًا رغم هول ما حدث. أما رضيعها الصغير الذي لم يمضِ على ولادته سوى تسعة أيام، فكان ساكنًا بين ذراعيها، فاقدًا للوعي. في تلك اللحظة كان العالم كله ينهار حولها، لكنها لم تكن ترى إلا وجهًا واحدًا تبحث عنه وسط الركام "مريم".
صارت تنادي بصوت مرتجف: "مريم... مريم..." لم تكن تسمع سوى صدى صوتها يعود إليها من بين الجدران المهدمة. كانت تزيح ما استطاعت بيديها، تنظر هنا وهناك، كأنها تخشى أن تتوقف عن النداء فيضيع أثر ابنتها إلى الأبد. وبينما كانت تبحث، وتهمس باسمها مرة أخرى "مريم... يا مريم، أين أنتِ؟"، لم تقل مريم في تلك اللحظة سوى كلمة واحدة، كلمة بقيت عالقة في قلب أمها: "بابا...".
ومنذ ذلك اليوم، ظلّ صوتها يلاحق الأم؛ ليس ككلمة عابرة، بل كآخر أثر تركته ابنتها في هذا العالم. مريم ليست رقمًا يُحصى، بل روحًا تركت أثرًا لا يمحوه الزمن.
الشهداء ليسوا أرقامًا تُكتب ثم تُنسى، فلكلّ اسم حكاية، ولكلّ وجه ضحكة، ولكلّ قلب حلم لم يكتمل. وهذا هو المعنى الذي تحمله مبادرة "حبات القلوب"، أن تبقى ذاكرة الأطفال الشهداء حيّة، وأن تُروى قصصهم لا كأعداد، بل كأرواح كانت بيننا، لها أسماء وأحلام وذكريات.
مريم طفلة كان لها صوت وضحكة وحضن تحبه، كانت ابنة وأختًا وحياةً كاملة اختُصرت في لحظة، تقول والدة الشهيدة مريم قاسم قاسم؛ الحاجة نغم حمود لموقع "العهد"، مضيفة: "أولادنا ليسوا أرقامًا تُحصى، فلكلّ طفل منهم اسم وحلم كان من حقه أن يعيشه. لقد حُرموا من أبسط حقوقهم؛ حقهم في الحياة، في الأمان، وفي أن يكبروا بين أهلهم".
وتتابع: "من خلال مبادرة حبات القلوب، سنحمل صوتهم، وأتمنى أن تصل حكاياتنا إلى كل العالم. أنا لا أطلب سوى حق ابنتي؛ حقها في أن تُعرف قصتها، وأن تبقى ذكراها حيّة في الدنيا قبل الآخرة، وأنا اليوم أربي إخوتها على أن يحملوا محبتها في قلوبهم، وأن يحفظوا ذكراها وأثرها، وأن يعرفوا أن دماء الأبرياء لا يجب أن تُنسى، وأن لكل إنسان حقًا في العدالة والكرامة".
من الأسماء والصور إلى الذاكرة الخالدة
عن مبادرة حبات القلوب، تتحدث جودي البابا، منسقة العلاقات العامة في المبادرة، لموقع "العهد"، قائلة: "حبات القلوب هي مبادرة مستقلة تطوعية أطلقناها لتوثيق هويات الأطفال الشهداء والجرحى إثر العدوان "الإسرائيلي" على لبنان منذ عام 2023، ولحفظ أسمائهم وصورهم وقصصهم في أرشيف إنساني دائم، نسعى من خلاله لمواجهة عدو يهدف إلى محو تاريخنا وتجريد شعبنا من الإنسانية". والمشروع هو ثمرة عمل تطوعي نفّذه طلاب جامعيون بالتعاون مع ناشطين. وقد استند الفريق إلى بيانات وزارة الصحة، واستكملها بمعلومات جُمعت من منصات إلكترونية ومصادر ميدانية وعلاقات مباشرة مع الأهالي.
وتضيف: "أطفالنا ليسوا أرقامًا، فلكل طفل اسمه ووجهه وقصته، ونحن نواجه السردية التي تحاول اختزال الضحايا في إحصاءات، كما نريد أن يبقى العالم أمام شهادة حيّة على ما تعرض له الأطفال في لبنان".
تؤكد البابا لـ "العهد"، أن اختيار اسم حبات القلوب جاء لأن الأطفال هم حبات القلوب فعلًا، فهم أغلى ما في العائلة والمجتمع. ويحمل الاسم معنى الحنان والفقد والتمسك بالذكرى في آن واحد، فكل طفل بالنسبة إلينا ليس ملفًا أو رقمًا، بل قطعة من قلب أم وأب وأسرة ووطن، موضحةً أن المبادرة تسعى على المدى القريب إلى بناء سجل موثق وشامل للشهداء الأطفال، وإتاحة منصة موثوقة للعائلات والناجين للإسهام في التوثيق، وعلى المدى البعيد إلى تحويل هذا التوثيق إلى مرجع تاريخي وقضية رأي عام.
البابا توضح أن المنصة الأساسية هي موقع "habbat.org"، حيث تم سيتم إنشاء مكتبة رقمية لكل طفل تضم ما يتوافر من معلومات وصور وشهادات ومواد أرشيفية، كما ستكون هناك نسخة باللغة الإنجليزية للوصول إلى الجمهور الأجنبي.
وتشير في هذا السياق إلى أن المبادرة تعتمد على التحقق من المعلومات قبل نشرها، ومراجعتها مع المصادر الموثوقة، والتواصل المباشر مع عائلات الأطفال كلما أمكن ذلك. كما تم فتح باب التصحيح والاستكمال عبر الموقع والبريد الإلكتروني ورقم الهاتف، لأن التوثيق عملية مستمرة تُحدَّث وتُدقَّق باستمرار.
وتشدد على أن الموقع يقدم سجلًا رقميًا للأطفال الشهداء، مع أسمائهم وصورهم وقصصهم، إضافة إلى شهادات الناجين وأفراد العائلات، ونوافذ للمشاركة المجتمعية عبر إرسال المقالات والكتابات عن ذكرى الأطفال. كما يقدم إحصائيات وتقارير عن منزلتهم في مقاومة شاملة ضد الاحتلال، داعية إلى الإبلاغ عن أي طفل غير مدرج في السجل، وتصحيح المعلومات الخطأ، ومشاركة الشهادات الشخصية والذكريات التي تحفظ هوية الطفل وحكايته.
بحسب البابا، أهم ما تحتاجه المبادرة اليوم هو تعاون العائلات والمجتمع لاستكمال التوثيق، والدور الأساسي اليوم هو التوثيق وحفظ الذاكرة الإنسانية للأطفال، لكي تستفيد المبادرات الحقوقية والإعلامية من هذا العمل في أي جهود قانونية مستقبلية تسعى إلى تحقيق العدالة ومحاسبة العدو على الجرائم المرتكبة بحق الأبرياء.
أما عن التحديات التي تواجهها المبادرة، وفقًا للبابا، فإنها تتمثّل في الوصول إلى معلومات مكتملة وصحيحة في ظل آثار الحرب والتهجير والفقد وانتشار الأخبار الخطأ، إضافة إلى صعوبة التواصل مع العائلات التي ما زالت تعيش جراحها، مشيرة إلى أن جمع المواد الأرشيفية المتفرقة والتحقق منها وحفظها بصورة احترافية يتطلب جهدًا تطوعيًا كبيرًا ومستمرًا.
المبادرة تحمل أيضًا بُعدًا قضائيًا وسياسيًا؛ إذ تهدف إلى دعم مسار توثيق الجرائم "الإسرائيلية" وتعزيز الجهود الرامية إلى إدانة الاحتلال في المحافل الدولية، فاستمرار عرض هذه الجرائم أمام الرأي العام يسهم في إضعاف الرواية "الإسرائيلية" ويزيد من الضغوط السياسية عليها، قائلة: "كما نسعى إلى استكمال التقرير الرقمي ليكون مرجع رسمي وحقوقي للدراسات والتقارير، وسوف نبدأ باتخاذ الإجراءات للترخيص القانوني لتأسيس جمعية رسمية تسهل التواصل مع الجهات الحكومية".
وترى ختامًا أن "هذا العمل واجبٌ أخلاقي ووطني، خاصة وسط مواقف الدولة اللبنانية الأخيرة، في إطار "اتفاق الإطار" مع "إسرائيل"؛ لأن حماية الذاكرة جزء من حماية الحقيقة نفسها".
أسماء وصور وأحلام لا تُنسى
"العهد" التقى عوائل الأطفال الشهداء الذين عبّروا عن امتنانههم العميق لمبادرة "حبّات القلوب" التي حملت على عاتقها حفظ أسماء الأطفال الشهداء، وصون حكاياتهم وآثارهم الإنسانية، مؤكدين أن هذه المبادرة أعادت لأبنائهم حقهم في أن يُعرَفوا كما كانوا: أطفالًا لهم أحلام، وملامح، وضحكات، وحكايات، لا مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات الحرب.
تقول مريم حمدان، والدة الشهيدة الطفلة مرام قاسم حمدان، وشقيقة الشهيد القائد الكشفي علي محمد حمدان، وعمّة الشهيدة الرضيعة فاطمة الزهراء أحمد حمدان، إن مبادرة "حبّات القلوب" لامست وجدانها منذ اللحظة الأولى؛ لأنها لم تكتفِ بعرض صور الأطفال الشهداء أو توثيق قصصهم، بل أعادت لكل طفل اسمه، ووجهه، وحلمه الذي اختطفه العدو الصهيوني، مؤكدة أن كل طفل شهيد كان يحمل مستقبلًا صغيرًا وحياةً كان ينتظر أن يعيشها بين أحبائه.
وتضيف أن أكثر ما كان يثقل قلبها بعد استشهاد ابنتها مرام قاسم حمدان، ذات الأعوام الأربعة، هو الخوف من أن تذوب تفاصيل حياتها القصيرة في زحام الأيام، فهي الطفلة التي كانت تملأ البيت بالحياة، وتنثر الحب في كل زاوية بابتسامتها البريئة، مؤكدة أن المبادرة منحت العائلات مساحة لتروي قصص أطفالها كما عاشتها، ولتحفظ ذكراهم كما يستحقون، مؤكدة أن صون هذه الحكايات هو حفاظ على حياة كاملة عاشها هؤلاء الأطفال، وليس مجرد توثيق للحظة استشهادهم.
توجه شكرها للمبادرة على تخليد قصة شقيقها الشهيد القائد الكشفي علي محمد حمدان الذي ارتقى في السادسة عشرة من عمره مع والدته الشهيدة غادة إبراهيم شقير، مشيرة إلى أن المبادرة حفظت سيرته منذ ولادته وحتى لحظة استشهاده، وقدّمته كما عرفه الجميع: فتىً عاش للعطاء، والإيثار، وخدمة الناس.
وتتحدث أيضًا عن ابنة أخيها الشهيدة الرضيعة فاطمة الزهراء أحمد حمدان التي استشهدت وهي في النصف الأول من عامها الثاني، مع والدتها الشهيدة آية حسين حمدان، مؤكدة أن حكايتها، رغم قصرها، تستحق أن تبقى حيّة في الذاكرة، وأن تُروى للأجيال حتى لا يغيب أثرها عن التاريخ.
من جهتها، تعبّر صفاء خليل حطاب؛ عمة الشهداء خليل محمد حطاب، وبتول محمد حطاب، وعلي الرضا محمد حطاب، عن شكرها العميق لمبادرة "حبّات القلوب"، مؤكدة أن الأطفال الشهداء هم بحق "حبّات القلوب"، فهم ليسوا أرقامًا تُحصى، بل أرواحًا طاهرة تركت في قلوب عائلاتها ومجتمعاتها أثرًا لا يزول. وأشارت إلى أن أبناء شقيقها كانوا مثالًا للأخلاق والإيثار وحب الخير وخدمة الناس، وأن المبادرة ستُبقي ذكراهم حيّة، وتمنح قصصهم الإنسانية مكانها الذي تستحقه.
بدوره، يقول أبو علي زيعور، والد الشهيدين جهاد وفاطمة، إن مبادرة "حبّات القلوب" أعادت للأطفال الشهداء أسماءهم ووجوههم وأحلامهم، وقدّمتهم للعالم كما كانوا، لا كما تختزلهم الأرقام. ويوضح أن ابنه جهاد البالغ من العمر ثلاث سنوات، وابنته فاطمة، ذات الأشهر السبعة، كانا طفلين تمتلئ حياتهما بالأحلام الصغيرة والابتسامات البريئة، وكانت العائلة تنسج معهما مستقبلًا يومًا بعد يوم، مشيرًا إلى أن قيمة المبادرة تكمن في تعريف الناس بهؤلاء الأطفال وبالظروف التي سُلبت فيها حياتهم، لأن وراء كل شهيد قصة، واسمًا، وصورة، وذكريات تستحق أن تُحفظ، مؤكدًا أن توثيق هذه الحكايات ليس مجرد أرشفة، بل هو حق للعائلات ورسالة تحفظ أبناءهم في ذاكرة العالم.