اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "الشرق الأوسط" بين حرب الاستنزاف وإعادة ترتيب التوازنات

خاص العهد

من حولا إلى المرفأ.. نيترات أمونيوم جديدة تُعيد
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

من حولا إلى المرفأ.. نيترات أمونيوم جديدة تُعيد "إسرائيل" و"القوات" إلى دائرة الاتهام

115

عشية الذكرى السنوية السادسة لانفجار مرفأ بيروت، والذي وقع في الرابع من آب 2020، يعود هذا الملف إلى واجهة المشهد اللبناني من زاوية جديدة، تحمل في طياتها أسئلة لا تقل خطورة عن تلك التي طُرحت منذ اليوم الأول للكارثة. بعد ست سنوات، ما يزال التحقيق مفتوحًا، والفاعل مجهولًا، ولم يصدر حتى الآن قرار اتهامي يطوي واحدة من أكبر المآسي التي عرفها لبنان الحديث.

هذه الذكرى تتزامن وتطور لافت في جنوب لبنان، بعدما أعلنت قوات "اليونيفيل" ضبط أربعة أطنان من نيترات الأمونيوم في بلدة حولا الجنوبية موضوعة في براميل تحمل كتابات باللغة العبرية، في منطقة ما تزال تحت سيطرة العدو "الإسرائيلي"، ويستخدمها في عملياته العسكرية. الأهمية التي يكتسبها هذا الاكتشاف لا تنبع من حجم الكمية وحسب، أيضًا كون المادة المضبوطة هي نفسها التي ارتبط اسمها بانفجار مرفأ بيروت، وبالخصائص ذاتها التي أنتجت شكل الانفجار والسحابة التي بقيت محفورة في ذاكرة اللبنانيين.

هذا التطور يعيد إلى الأذهان وقائع أخرى لم يُستكمل البحث فيها، وفي مقدمتها ضبط الجيش اللبناني كميات كبيرة من نيترات الأمونيوم، خلال مداهمة المزرعة العائدة لشقيق القيادي في "القوات اللبنانية" إبراهيم الصقر، إلى جانب كميات من المازوت مخزنة داخل خزانات مطمورة تحت الأرض. يومها، كان منتقدون قد ذكّروا مرارًا بأن "القوات اللبنانية" نفسها كانت تؤكد أن نيترات الأمونيوم ليست مادة زراعية، هي تدخل في الاستخدامات العسكرية وصناعة المتفجرات، لا في صناعة الأسمدة الكيميائية.

بناءً على ما تقدم؛ تبرز سلسلة من الأسئلة التي لم تجد إجابات حتى اليوم: لماذا وُجدت هذه المادة في ذلك المكان تحديدًا؟ هل ترتبط بالنيترات التي هُرّبت من مرفأ بيروت؟ من الجهة التي كانت ستستخدمها؟ كيف أمكن الاستمرار في تخزين مادة بهذه الخطورة إلى جانب مئات الليترات من المحروقات داخل منطقة سكنية، على الرغم من الكارثة التي شهدها المرفأ؟

في السياق نفسه، تعود قضية المصور جان بجاني لتفرض نفسها من جديد؛ والذي اغتيل في 21 كانون الأول 2020 على يد مجهولين، بالقرب من منزله وأمام أعين زوجه وأولاده الذين غادروا لبنان لاحقًا، بعدما قطعت زوجه كل صلة لها بالبلاد ورفضت الحديث عن القضية. لكن ما أثار الاستغراب يومها لم يكن الاغتيال وحده، أيضًا مصادرة الأجهزة الأمنية، بعد أقل من ساعة على مقتله، الأقراص الصلبة والأفلام المصورة كلها الموجودة في منزله، قبل أن يبدأ التحقيق بالجريمة.

لاحقًا، اكتشفت زوجه أن تلك المصادرة لم تستند إلى قرار قضائي، الأمر الذي أثار علامات استفهام إضافية، لا سيّما أن بجاني كان يحمل ترخيصًا سنويًا يتيح له تصوير نشاطات الجيش اللبناني والتصوير على الحدود وفي المرفأ وداخل الثكنات العسكرية. مع مرور السنوات، بقي السؤال نفسه بلا جواب: أين وصل التحقيق في اغتياله؟ الإجابة العملية، حتى الآن، هي أن القضية دخلت دائرة النسيان، كما لو أنها لم تكن.

انطلاقًا من هذه الوقائع، تقدّم المحامي معن الأسعد باستدعاء أمام المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، طالب فيه بأن تكون المعلومات المستجدة المتعلقة بضبط نيترات الأمونيوم في حولا جزءًا لا يتجزأ من ملف التحقيق.

يؤكد الأسعد، في حديث لموقع "العهد" الإخباري، أن القضية ما تزال قيد التحقيق أمام المحقق العدلي، والذي عُيّن بقرار من مجلس الوزراء للنظر في جريمة تُعد من أخطر الجرائم التي تعرض لها الأمن اللبناني الداخلي والخارجي. كما يشير إلى أن التحقيق، بُني منذ بدايته، على فرضية وجود 2750 طنًا من نيترات الأمونيوم داخل العنبر الرقم 12 في مرفأ بيروت، وأن الانفجار الذي وقع هناك شكّل الأساس الذي انطلقت منه التحقيقات كلها لمعرفة مصدر هذه المواد والجهة التي استوردتها والمسؤول عن بقائها داخل المرفأ.

كما يرى الأسعد أن إعلان "اليونيفيل" ضبط أربعة أطنان من نيترات الأمونيوم، في بلدة حولا، يفرض على المحقق العدلي التحرك فورًا، لأن هذه المعلومات قد تكون ذات صلة مباشرة بالتحقيق القائم. كذلك يشير إلى أن المادة المضبوطة تحمل كتابات باللغة العبرية، وكشفها بعد مدة من ضبطها، يطرح بدوره أسئلة عن توقيت هذا الكشف.

يضيف الأسعد أن أي قاضٍ يحقق، في جريمة مماثلة، هو ملزم قانونًا بالتحقق من أي واقعة جديدة تحمل عناصر تشابه مع الجريمة الأصلية، تمامًا كما يحصل في الجرائم الجنائية عندما تُقارن الأسلحة أو المقذوفات أو الأدلة الفنية بين حادثتين متشابهتين. انطلاقًا من هذا المبدأ، طالب الأسعد القاضي البيطار بإجراء كشف فني على المواد المضبوطة في حولا وتحليلها وتحديد بلد المنشأ والمصنع المنتج والكثافة الكيميائية ومقارنتها بالمواد التي انفجرت في مرفأ بيروت؛ لأن هذه الخطوة وحدها كفيلة بتأكيد وجود أي علاقة أو نفيها بصورة علمية. هذا بحسب رأي الأسعد، والذي يشدد على أن القاضي العدلي يمتلك الصلاحيات القانونية التي تخوله مخاطبة الجهات الدولية، منها قوات "اليونيفيل" والهيئات الأممية المختصة، للحصول على العينات وإجراء الفحوص المخبرية اللازمة، مؤكدًا أن تجاهل هذه المعطيات يعني إهمال فرضية تستحق التحقيق.

في معرض حديثه عن المستفيد من الجريمة، يرى الأسعد أن القاعدة الجنائية الأساسية تفرض البحث أولًا عمن أفاد من وقوعها، سواء على مستوى المنفعة السياسية أم الأمنية أم الاقتصادية. انطلاقًا من هذا المنطق، يرى أن العدو "الإسرائيلي" يبقى المستفيد الأكبر من انفجار مرفأ بيروت، لأنه نجح في تعميق الانقسام الداخلي اللبناني وإعادة إنتاج الاصطفافات الطائفية، هذا فضلًا عن أن مرفأ بيروت كان يمثل منافسًا استراتيجيًا للموانئ "الإسرائيلية" على شاطئ البحر المتوسط.

"القوات اللبنانية"

أما في ما يتعلق بضبط نيترات الأمونيوم، في المزرعة التابعة لشقيق إبراهيم الصقر، فيؤكد الأسعد أن أي كمية من هذه المادة تُضبط داخل لبنان كان ينبغي أن تُؤخذ منها عينات فورًا لإجراء المقارنة العلمية بينها وبين المواد التي انفجرت في المرفأ. يشير في هذا الصدد إلى أن تحديد بلد المنشأ ونسب التركيب الكيميائي يشكّل عنصرًا أساسيًا في أي تحقيق علمي جدي، وهذا لم يُعلن عن حصوله حتى الآن.

مقتل جان بجاني

يذهب الأسعد أبعد من ذلك؛ حين يتحدث عن قضية المصور جان بجاني، فبرأيه أن اغتياله لا يمكن فصله عن ملف انفجار المرفأ، وما كان بحوزته من صور أو معلومات يحتمل أن يكون جزءًا من مسار كشف الحقيقة. الأمر الذي يجعل جريمة قتله جزءًا لا يتجزأ من التحقيق العدلي، ويستوجب إدراجها ضمن الوقائع التي ينبغي التثبت منها، سواء انتهت إلى إثبات أي صلة أم نفيها بصورة قاطعة.

كما يحذّر الأسعد من أن أي قرار يصدر في قضية المرفأ لن يحظى بثقة اللبنانيين ما لم يستند إلى تحقيق علمي شفاف، بعيدًا عن أي معايير أو محاذير سياسية أو ضغوط خارجية. كما يذكّر بأن المجتمع الدولي نفسه لم يتعاون مع المحقق العدلي في ملفات أساسية، ما يثير علامات استفهام عن مدى توافر الإرادة الحقيقية للوصول إلى الحقيقة كاملة.

يختم الأسعد مؤكدّا أن القضاء اللبناني يقف، اليوم، أمام اختبار تاريخي، فمسؤولية المحقق العدلي لا تقتصر على إصدار قرار، أيضًا على بناء ملف يستند إلى الأدلة العلمية والقانونية التي لا تترك مجالًا للتشكيك. إذ إن الحقيقة، مهما كانت، لا تُبنى على الفرضيات وحدها، إنما على التحقيق الشامل الذي لا يستثني أي احتمال، ولا يتجاهل أي دليل، ولا يُسقط أي واقعة يمكن أن تقود إلى كشف المسؤول الحقيقي عن واحدة من أكثر الجرائم إيلامًا في تاريخ لبنان.

الكلمات المفتاحية
مشاركة