اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الإعلام الأميركي يكشف حصيلة خسائر الجيش الأميركي في الحرب مع إيران

مقالات

روما تحت النار: لبنان يفاوض و
مقالات

روما تحت النار: لبنان يفاوض و"إسرائيل" ترسم الوقائع

105

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

ثمة مشهد عبثي يكاد يختصر المأزق اللبناني كله: "إسرائيل" تقصف وتدمِّر وتفرض وقائع جديدة على الأرض، ولبنان يذهب إلى طاولة المفاوضات ليسألها عن حدود ما تسمح له به.

المشكلة ليست في أن تذهب بيروت إلى روما، فالتفاوض، في النهاية، جزء من وظيفة الدولة، والدبلوماسية تبقى أفضل من الحرب المفتوحة. المشكلة في موقع لبنان على طاولة التفاوض: هل يدخلها بوصفه دولةً صاحبةَ حقوق، أم بوصفه طرفًا مطلوبًا منه أن يثبت حسن سلوكه، فيما الطرف الآخر يواصل إطلاق النار؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق كل شيء.

"إسرائيل" تفاوض بالنار

في الجنوب، لا تبدو "إسرائيل" كأنها تتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره اتفاقًا متبادلًا، بل كمرحلة انتقالية تسمح لها بإعادة صياغة شروطها الأمنية والسياسية.

القصف مستمر، والدمار يتوسع، والقرى التي يفترض أن يعود إليها أهلها تتحول إلى مساحات مهدمة. والأخطر أن الاعتداءات لا تترك حتى الجيش اللبناني، الذي يفترض أن يكون عنوان الدولة وسيادتها.

وحين يتعرض الجيش اللبناني للخطر أثناء قيامه بمهمة انتشار داخل أرض لبنانية، فإن المسألة لا تعود مجرد حادث أمني، إنها إهانة لفكرة الدولة نفسها.

فالجيش الذي يُطلب منه الانتشار جنوبًا لا يمكن أن يُطلب منه، في الوقت نفسه، أن يعمل تحت رحمة الجيش "الإسرائيلي"، أو أن يكون انتشاره مرهونًا بمزاج القوة المحتلة.

زوطر الغربية ليست تفصيلًا

ما حدث في زوطر الغربية يستحق التوقف عنده طويلًا. هذه ليست منطقةً كانت "إسرائيل" تحتلها ثم سلَّمتها للجيش اللبناني، ومع ذلك، قُدِّم انتشار الجيش فيها كاختبار أول لما يسمى المناطق التجريبية.

وهنا السؤال البديهي:

لماذا يتحول انتشار الدولة اللبنانية على أرضها إلى تجربة تحتاج إلى موافقة "إسرائيلية" أو إلى اختبار أمني "إسرائيلي"؟

الجيش اللبناني لا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك من "تل أبيب" لكي ينتشر في زوطر أو غيرها.

إن كان الهدف هو تعزيز سلطة الدولة، فلتنتشر الدولة.

أما أن ينتشر الجيش اللبناني، فيما تواصل "إسرائيل" إطلاق النار واحتلال مواقع داخل الأراضي اللبنانية، فهذه ليست استعادةً للسيادة؛ هذه سيادة منقوصة يجري تدريب اللبنانيين على قبولها بالتدريج.

"إسرائيل" تقولها صراحة: لن ننسحب لأن لبنان يطلب

الأخطر أن "إسرائيل" لم تترك مجالًا كبيرًا للتأويل.

حين قال ترامب إنه يعتقد أن "إسرائيل" ستنسحب من جنوب لبنان، جاء الرد "الإسرائيلي" سريعًا بأن "إسرائيل" لا تحتاج إلى إذن للبقاء، وأن استمرار وجودها مرتبط بما تسميه التهديدات الأمنية.

هنا يجب أن تتوقف بيروت.

لأن المعنى السياسي لهذه المعادلة واضح: لبنان يتفاوض على الانسحاب، و"إسرائيل" تتفاوض على شروط البقاء. وهذا فرق هائل.

الدولة اللبنانية يفترض أن تدخل روما لتبحث في تنفيذ اتفاق، وانسحاب، ووقف اعتداءات، لا لتفاوض على حق "إسرائيل" في البقاء داخل أرض لبنانية.

أين هي ورقة لبنان؟

قد يقول البعض: وماذا يستطيع لبنان أن يفعل؟ صحيح أن لبنان لا يستطيع فرض الانسحاب "الإسرائيلي" عسكريًا. لكن هذا لا يعني أنه بلا أوراق.

الورقة الأولى هي المعاملة بالمثل.

إذا كان انتشار الجيش اللبناني خطوة مطلوبة لبناء الثقة، فإن وقف الاعتداءات "الإسرائيلية" يجب أن يكون الخطوة المقابلة.

وإذا كان المطلوب توسيع انتشار الجيش اللبناني، فإن المقابل يجب أن يكون انسحابًا "إسرائيليًا" متزامنًا.

وإذا كان المطلوب تثبيت الأمن على الحدود، فلا يمكن أن يكون الأمن اللبناني مشروطًا ببقاء قوات "إسرائيلية" داخل الأراضي اللبنانية.

أما أن ينفذ لبنان الخطوة الأولى ثم ينتظر أن تقرر "إسرائيل" متى وكيف تنفذ خطوتها، فهذه ليست مفاوضات، هذا تسليم تدريجي لأوراق التفاوض.

والأسوأ هو الرهان على واشنطن

هنا تبدو إحدى أكثر الثغرات وضوحًا في الأداء اللبناني.

لقد راهنت بيروت على الدور الأميركي، وعلى أن يستطيع ترامب إقناع نتنياهو بالانسحاب.

لكن ما الذي حدث؟

ترامب يقول شيئًا، و"إسرائيل" تقول شيئًا آخر.

وهذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها هذه الازدواجية.

المشكلة ليست في الولايات المتحدة وحدها، بل في الاستراتيجية اللبنانية التي تفترض أن الضغط الأميركي على "إسرائيل" سيُترجم حكمًا إلى انسحاب "إسرائيلي".

لا شيء يضمن ذلك.

والأدهى أن نتنياهو، بعد اجتماعه بترامب، يستطيع أن يخرج ليقول إن الانسحاب لم يكن مطلبًا أميركيًا ملزمًا له.

فما قيمة الرهان على ضمانة لم تتحول إلى التزام؟

لبنان يذهب إلى روما... ولكن ماذا سيقول؟

إذا كانت بيروت ستذهب إلى روما لتطلب من "إسرائيل" الانسحاب، فعليها أن تقول شيئًا آخر أيضًا:

لن نقدم خطوةً جديدةً مجانية.

هذه الجملة وحدها يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة.

لا مزيد من المناطق التجريبية بلا مقابل.

لا انتشار إضافيًّا بلا وقف إطلاق نار.

لا ترتيبات أمنية جديدة، فيما القرى تُدمَّر.

لا تفاوض تحت القصف.

ولا يمكن أن يتحول الجيش اللبناني إلى الطرف الوحيد المطلوب منه تنفيذ الالتزامات، فيما تحتفظ "إسرائيل" بحرية الحركة والضرب والاحتلال.

أما أن ينتشر الجيش اللبناني في منطقة، بينما يحتفظ الجيش "الإسرائيلي" بمواقع أخرى، فهذه ليست معادلة سيادة.

هذه معادلة وصاية أمنية "إسرائيلية" على الجنوب.

المناطق التجريبية قد تتحول إلى فخ

أخطر ما في هذا المسار أن يبدأ الأمر بمنطقة واحدة، ثم منطقة ثانية، ثم ثالثة.

وفي كل مرة يقال للبنان: أثبتوا قدرتكم على الانتشار، ثم نبحث في الخطوة التالية.

وهكذا يصبح الانسحاب "الإسرائيلي" ليس حقًا يجب تنفيذه، وإنما جائزة مشروطة يحصل عليها لبنان بعد اجتياز امتحان جديد.

وهذا قلبٌ للمعادلة.

فالمنطق الطبيعي يقول:

انسحاب "إسرائيلي"، ثم انتشار الجيش اللبناني، ثم تثبيت الأمن.

أما المنطق الذي قد يُفرض اليوم فهو:

انتشار الجيش اللبناني، ثم اختبار جديد، ثم شرط "إسرائيلي" جديد، ثم تفاوض جديد، ثم بقاء "إسرائيلي" جديد.

وبهذه الطريقة يمكن أن يتحول المؤقت إلى دائم، وهذا هو الهدف أصلًا منذ البداية.

الدولة لا تُبنى بالخضوع

ليس المطلوب من السلطة اللبنانية أن تعلن الحرب على "إسرائيل"، ولا المطلوب أن تنسحب من المفاوضات، بل المطلوب أن تعرف كيف تفاوض.

الدولة القوية ليست الدولة التي ترفض التفاوض، بل التي تعرف متى تقول نعم ومتى تقول لا.

والمفاوض اللبناني لا يحتاج إلى قوة عسكرية تعادل قوة "إسرائيل" حتى يملك موقفًا تفاوضيًا.

يكفي أن يمتلك إرادة عدم تقديم التنازل قبل الحصول على المقابل.

فإذا كان المطلوب من لبنان أن ينتشر، فليكن هناك انسحاب "إسرائيلي". وإذا كان المطلوب من لبنان أن يضبط الجنوب، فليتوقف القصف. وإذا كان المطلوب بناء الثقة، فلتبدأ "إسرائيل" بتنفيذ ما عليها. وإذا كان المطلوب دولةً ذات سيادة، فلتتوقف "إسرائيل" عن التصرف وكأنها صاحبة القرار في جنوب لبنان.

روما يجب أن تكون نقطة انعطاف

الذهاب إلى روما ليس عيبًا، الذهاب إليها بلا أوراق هو العيب. والعار هو أن يتحول القصف إلى أداة ضغط تجعل لبنان يقدم التنازل تلو الآخر كي تتوقف النار.

لقد أثبتت التجربة أن "إسرائيل" لا تتعامل مع الفراغ السياسي على أنه فراغ، بل تملؤه بالوقائع العسكرية. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تواصل بيروت انتظار الضغط الأميركي، فيما تواصل "إسرائيل" بناء واقع جديد في الجنوب.

فإذا كانت واشنطن تريد بالفعل انسحاب "إسرائيل"، فلتضع هذا المطلب على الطاولة بوضوح، ولتربطه بآلية تنفيذ وجدول زمني.

وإذا كانت "إسرائيل" تريد أن ترى الدولة اللبنانية منتشرة في الجنوب، فلتكن الدولة اللبنانية هي صاحبة السيادة الوحيدة هناك.

أما أن يبقى لبنان مطالبًا بإثبات حسن النية، فيما لا تتوقف "إسرائيل" عن القصف والتدمير وفرض الشروط، فمعناه ببساطة أن المفاوضات لم تعد تبحث عن حل، بل تبحث عن صيغة قانونية لواقع تفرضه القوة.

وهنا يجب أن تنتبه بيروت:

لا تسمحوا بأن يصبح الجنوب منطقةً تجريبيةً لسيادةٍ مجزأة، ولا تجعلوا روما غرفة انتظار لبقاء الاحتلال. فلبنان لا يحتاج إلى مفاوضات أكثر.

لبنان يحتاج إلى مفاوضاتٍ متكافئة، وإلى طرفٍ لبناني يقول بوضوح: ما نقدمه من خطوات سيقابله انسحاب، وما نلتزم به سيقابله التزام، وما عدا ذلك ليس اتفاقًا بل إملاء.

أخيرًا أقول: "إسرائيل" لن تعطي لبنان أي شيء، واتفاق الإطار ينهار من تلقاء نفسه دون أي مجهود من رافضيه ومنتقديه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة