اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

مقالات

الانتحار في جيش الاحتلال.. هل يقود إلى انهياره؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

الانتحار في جيش الاحتلال.. هل يقود إلى انهياره؟

91

صحافية لبنانية

ظاهرة الانتحار في جيش الاحتلال تبدو لافتة وتحتاج الى التوقّف عندها. الأعداد على مرّ السنوات تتزايد والأسباب كذلك، لكنّ العنوان الجامع لها هو الاكتئاب الذي يوصل الجندي إلى قرار إنهاء حياته. 

لماذا يُقدم عسكري، ترى فيه قيادته العمود الفقري لعملياتها الميدانية، على قتل نفسه؟ وهل هذا مؤشر على تراجع مستوى الحافزية لدى أفراد المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية"؟ والأهمّ، هل يواجه الاحتلال عاملًا بنيويًا خطيرًا يُنذر بتآكل قدرته على خوض الحروب، ويترك انعكاسات مباشرة على كفاءة قواته ونتائج عملياته العسكرية في المستقبل؟

نسب الانتحار إلى ارتفاع

ينطلق بحثنا اليوم من الأرقام التي أُعلن عنها في الكيان الصهيوني في السنوات الأخيرة. 14 حالة انتحار سُجّلت في عام 2022، و17 حالة عام 2023 بحسب أرقام الكنيست، و 21 حالة في عام 2024، و22 حالة في عام 2025 (12 جندي خدمة إلزامية، وجندي خدمة دائمة واحد، و9 جنود احتياط طبقًا لبيانات الجيش). 

وفقًا لبيانات جيش الاحتلال التي عُرضت في الكنيست عام 2025:

* نحو 50% من الحالات في عام 2025 كانت لمقاتلين.
*  نحو 85% من الحالات نُفّذت باستخدام سلاح.
* نحو 75% من الحالات لم يكن هناك علاج أو متابعة سابقة لدى ضابط الصحة النفسية ("كابان"). 


279 محاولة انتحار بين أفراد جيش الاحتلال


كذلك أظهر تقرير مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست الذي نُشر في نهاية عام 2025، أنه بين كانون الثاني/يناير 2024 وتموز/يوليو 2025 تمّ توثيق 279 محاولة انتحار بين أفراد جيش الاحتلال. 

16 حالة انتحار منذ بداية 2026!

على صعيد العام الجاري، وإنْ لم تخرج المؤسسة العسكرية "الاسرائيلية" برقم نهائي حتى الآن، إلّا أن الأرقام المنشورة حتى اليوم تُشير إلى تسجيل 16 حالة انتحار منذ بداية السنة، على ما جاء في صحيفة "هآرتس". 

المعطيات تؤكد إذًا الارتفاع الإضافي في عدد حالات الانتحار في المؤسسة الأمنية والعسكرية، وهي ظاهرة بدأت مع اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. ففي العقد الذي سبق الحرب، كان متوسط عدد المنتحرين في الجيش 12 شخصًا سنويًا، بينما تشير بيانات الجيش إلى أنه منذ 7 تشرين أول/أكتوبر 2023 وحتى نهاية ذلك العام، انتحر سبعة جنود في الخدمة الفعلية، وفي عام 2024 أقدم 21 جنديًا على الانتحار، وفي العام الماضي بلغ عدد المنتحرين 22، وهو الرقم الأعلى خلال السنوات الـ 15 الأخيرة.

إشكالية من انتحر دون أن يكون في الخدمة

بيانات الجيش تقدم صورة جزئية فقط بشأن حجم الظاهرة، لأنها لا تشمل الجنود الذين أقدموا على الانتحار عندما لم يكونوا في الخدمة الفعلية. وعلى مر السنين امتنع الجيش عن التطرق إلى الظاهرة، بحجة أن الجنود الذين أنهوا خدمتهم ليسوا ضمن مسؤوليته، إلّا أن سلسلة من التقارير الإعلامية حول جنود شاركوا في الحرب وأقدموا على الانتحار بعد خلع الزي العسكري، أجبرت الجيش على تغيير سياسته، ولو بشكل محدود. 

وفي نهاية عام 2025 وافق الجيش على الإفادة بأن فحصه أظهر وجود 15 حالة من هذا النوع حتى ذلك الوقت، فيما أفادت "هآرتس" بوجود ما لا يقل عن تسع حالات إضافية منذ ذلك الحين.

مطالبة بتقديم الدعم للجنود 

تبريرات وزارة الحرب تُرجع زيادة نسبة المنتحرين إلى الارتفاع الكبير في عدد جنود الاحتياط النشطين منذ اندلاع حرب غزة وما تلاها.

عضو الكنيست عوفر كسيف الذي طُلِب تقرير المنتحرين من مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست، نزولًا عند رغبته، قال بوضوح، إن ما أسماه وباء الانتحار الذي يبدو أنه سيتفاقم الآن مع نهاية الحرب، يتطلّب إنشاء منظومات دعم حقيقية للجنود والنساء في الخدمة، وقبل كل شيء إنهاء الحروب وتحقيق سلام حقيقي. الحكومة التي تُرسل جنودها إلى الحرب والأسر ثم تتخلّى عنهم، هي التي تعمل ضدهم، لا من يناضل ضد الحروب".

 

 

 

 

الصحة النفسية في الجيش عنوان المرحلة

تأتي هذه المعطيات في الوقت الذي يزداد الاهتمام بموضوع الصحة النفسية في جيش الاحتلال، وهذا ما دفع رئيس أركان العدو إيال زمير إلى القول، إن "قضية الصحة النفسية تشغلني كثيرًا. هناك اليوم الآلاف ممّن يتلقون العلاج، وعلى القادة أن يكونوا يقظين لذلك، وأن يشخّصوا حجم الظاهرة في وحداتهم، وأن يعالجوا الأشخاص. لا تخجلوا من تقديم العلاج – فمئات تلقّوا العلاج المناسب وأنقذوا حياتهم".

الظاهرة ممتدّة منذ ما قبل 2023 وهذه أسبابها..

في البحث عن أسباب انتحار كلّ هؤلاء، تبرز خلاصة لمركز الأبحاث في جامعة بن غوريون" نُشرت عام 2018، وانتهجت أسلوب التشريح النفسي، وهو من أكثر المناهج اعتمادًا في دراسة الانتحار.

 جميع حالات انتحار الجنود الذكور (69 حالة) في الجيش "الإسرائيلي" بين 2009 و2013، حُلّلت بالاعتماد على ملفات الطب النفسي، وتحقيقات الجيش، ومقابلات مع المحيطين بالجنود.

وتوصّل القائمون على الدراسة إلى أن الاكتئاب كان عاملًا رئيسًا في نسبة كبيرة من الحالات، وإلى أن انخفاض الاندفاعية لها دور مباشر بقرار الانتحار.

في دراسة سابقة صادرة عن مركز "غيها" للصحة النفسية وكلية "ساكلر" للطب في جامعة "تل أبيب"، نُشرت عام 2013، يتضح أيضًا أن هناك ثلاث مجموعات مرتبطة بظاهرة الانتحار في جيش الاحتلال:

* جنود حاولوا الانتحار.
* جنود يتلقون علاجًا نفسيًا دون محاولة انتحار.
* جنود لا يتلقون علاجًا نفسيًا.

طبقًا لما ورد في الدراسة، يتبيّن أن الدوافع التي شجّعت جنود الاحتلال على اتخاذ قرار الانتحار في تلك المرحلة هي:

* انخفاض القدرة على التكيّف مع الضغوط.
* مستويات أعلى من التوتر النفسي. 
* انخفاض الدعم الاجتماعي.
* انخفاض القدرة على حلّ المشاكل.

الاضطرابات النفسية

وفي معطيات أقرب زمنيًا إلى المرحلة الراهنة، تبرز نتائج تحقيق أجرته وكالة "أسوشيتد برس" عام 2025 تُشير إلى أن أكثر من 11 ألف جندي صهيوني شُخّصوا بإصابات نفسية مرتبطة بالحرب، في حين سُجلت زيادة ملحوظة في حالات الانتحار ومحاولات الانتحار مقارنة بسنوات ما قبل الحرب.

التقرير أكد أن هذه الظاهرة مرتبطة مباشرة باستمرار الحرب وتكرار استدعاء قوات الاحتياط.

وكالة "رويترز" نشرت في بداية هذا العام، استنادًا إلى بيانات وزارة الحرب ومسؤولين صهاينة، أن هناك زيادة تقارب 40% في حالات اضطراب ما بعد الصدمة في صفوف جيش العدو منذ أواخر 2023، فيما تتعرّض منظومة العلاج النفسي فيه لضغط كبير بسبب ارتفاع أعداد المصابين نفسيًا.

انهيار داخلي للجيش

الوضع النفسي المتدهور في جيش الاحتلال يتقاطع مع تحذير علني عبّر عنه رئيس الأركان إيال زمير في آذار الماضي أمام المجلس الوزاري المصغّر، حين عرض 10 إشارات حمر تهدّد الجيش الذي قد يصل إلى حد الانهيار الداخلي.

زمير أكد وقتها أن الجيش يواجه أزمة متفاقمة على مستوى الجاهزية والاستعداد، مشيرًا إلى أن الجيش بحاجة فورية إلى سنّ قانون للتجنيد، وقانون ينظّم خدمة الاحتياط، إلى جانب تمديد مدة الخدمة الإلزامية"، محذرًا من أنه "في المستقبل القريب، لن يكون الجيش مستعدًا لتنفيذ مهامه في الأوقات الاعتيادية، كما أن منظومة الاحتياط لن تصمد". 

ولفت كذلك، إلى أن هذه التحديات قد تؤثر بشكل مباشر في قدرة الجيش على التعامل مع التطورات الأمنية، في ظل استمرار الضغوط على قواته، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على قوات الاحتياط.


بناءً على ما تقدّم، من تقارير الجيش ولجان الكنيست والتحقيقات الصحافية والتصريحات العلنية للمسؤولين العسكريين، يظهر أن الجيش الذي يستعرض دائمًا قدراته وتفوّقه العسكري بين دول المنطقة، بات أمام تهديد وجودي يمكن إيجازه بالآتي: 

* مشكلة الاحتياط - العمود الفقري للجيش ومدى القدرة على تحميله أعباء إضافية.
* تآكل صورة الجيش داخل مجتمع العدو.
* تأثير الأزمة النفسية في القدرة القتالية.
* الاحتراق النفسي للجنود الصهاينة الذي بات يوصلهم حتمًا إلى الانتحار.

تحدّي الاستدامة البشرية

وعليه، يواجه جيش الاحتلال تحديًا مختلفًا هذه المرة: الاستدامة البشرية والنفسية. الجيش الذي يعتمد في عقيدته العملياتية على الجاهزية العالية والقدرة على تحمّل الاستنزاف، يحتاج قبل كل شيء إلى مورد بشري يتمتع بدرجة مرتفعة من الثقة والدافعية والانتماء، إلّا أن ارتفاع مؤشرات الانهيار النفسي، وتزايد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار، واتساع دائرة المصابين باضطرابات ما بعد الصدمة، كل هذه الأمور تشير إلى وجود كلفة داخلية متراكمة للحرب قد تتحوّل تدريجيًا إلى عامل مؤثر في كفاءة المؤسسة العسكرية نفسها.

من هنا، فإن المؤشر الأكثر خطورة لا يرتبط فقط بعدد الجنود الذين ينهون حياتهم، بل بما يكشفه هذا العدد عن تآكل قدرة المؤسسة على الحفاظ على تماسك أفرادها بعد تعرضهم المتكرر للضغط القتالي. فالجندي الذي يعود من الميدان وهو يعاني من صدمات نفسية غير معالجة، أو يشعر بأن المؤسسة التي أرسلته إلى الحرب لم تعد قادرة على احتوائه، يتحوّل من عنصر قوة إلى تحدٍ إضافي أمام الجيش.

استنزاف إستراتيجي 

في المحصّلة، لا تكمن خطورة الظاهرة في كونها أزمة صحية نفسية فقط، بل في كونها قد تتحوّل إلى عامل استنزاف إستراتيجي طويل الأمد. فالحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بقدرة المؤسسة على الحفاظ على قوة بشرية متماسكة ومستعدة للقتال. وإذا استمرت المؤشرات الحالية في التصاعد، فإن جيش الاحتلال قد يواجه مستقبلًا تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على جاهزيته العملياتية من جهة، والحفاظ على قدرة جنوده على تحمّل أعباء هذه الجاهزية من جهة أخرى. 

هذا التناقض بين الحاجة إلى مزيد من القتال، وبين تراجع قدرة العنصر البشري على تحمّل كلفته، قد يصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في شكل الحروب التي يخوضها الاحتلال ونتائجها في السنوات المقبلة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة