اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي العدوان الصهيوني على غزة.. قصف ونسف وإصابات

مقالات مختارة

نواف سلام يختصر العدالة بإلغاء الأحكام
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

نواف سلام يختصر العدالة بإلغاء الأحكام

53

عمر نشابة - صحيفة الأخبار 
أقرّ مجلس النواب اللبناني أمس قانون العفو العام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية. وسبق الإقرار موقف حاسم لرئيس الحكومة القاضي نواف سلام، الذي أعلن أمام المجلس أن موقف حكومته من القانون هو: «العدالة، فالعدالة، فالعدالة». لكن تكرار كلمة العدالة ثلاث مرات لا يجعل من العفو عدالة، ولا يحوّل تسوية سياسية وطائفية إلى مشروع لإصلاح القضاء.

لم يسأل أي من النواب الحاضرين أمس كيف يمكن لرئيس سابق لمحكمة العدل الدولية أن يختزل معالجة مظالم قضائية بإلغاء العقوبات، من دون معالجة الأسباب التي أنتجت تلك المظالم؟

العفو العام من اختصاص السلطة التشريعية، ولا يمكن وصفه، من الناحية الدستورية الصرف، بأنه الغاء لصلاحية القضاء. غير أنه يبقى تدخلاً استثنائياً في نتائج العمل القضائي، لأنه يمحو الصفة الجرمية عن أفعال معينة أو يسقط العقوبات والملاحقات الناشئة عنها. وفي المقابل، تنص المادة 20 من الدستور اللبناني على أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم، وأن القضاة مستقلون في إجراء وظيفتهم. من هنا، لا تكمن المشكلة في وجود صلاحية العفو في النظام اللبناني، بل في استخدامها بديلاً من العدالة، أو وسيلة لمحو نتائج الأحكام بالجملة، من دون مراجعة الملفات فردياً، ومن دون تحديد مكامن الخلل في التحقيقات والمحاكمات، ومن دون محاسبة من تسبب بتلك الاختلالات.

إذا كانت المحاكمات ظالمة، فلماذا لا تُعاد؟
قد يكون بين المحكومين والموقوفين من تعرّض للظلم. وقد تكون بعض المحاكمات، ولا سيما أمام المحكمة العسكرية، قد افتقرت إلى بعض ضمانات المحاكمة العادلة. كما أن التوقيف الاحتياطي المفرط وبطء المحاكمات والاكتظاظ الخانق في السجون تشكل جميعها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.

لكن إذا كان سلام مقتنعاً بأن أحكاماً صدرت نتيجة محاكمات ظالمة، فإن الطريق إلى العدالة لا يكون بإلغاء الأحكام بقانون عفو عام، بل بإنشاء آلية قضائية مستقلة لمراجعة الملفات وإعادة محاكمة كل من حُرم ضمانات الدفاع أو ثبت تعرضه للتعذيب أو انتُزعت منه إفادات بصورة غير قانونية أو حوكم أمام محكمة لا تتوافر فيها شروط الاستقلال والحياد والكفاءة.
إعادة المحاكمة تكشف الحقيقة وتحدد المسؤوليات وتنصف المظلوم وتحفظ حقوق الضحايا. أما العفو فيطوي الملف من دون أن يخبرنا من ظَلم ومن ظُلم، ومن ارتكب الجريمة ومن أدين خطأ، ومن يتحمل مسؤولية التحقيقات المخالفة للقانون.

العفو لا يبرّئ المحكوم بجريمة (لا يمكن العفو عن شخص بريء)، بل يقرر أن الدولة لم تعد تريد تنفيذ العقوبة بحقه. والفارق بين الأمرين جوهري. فمن يطالب بالعدالة لمن يعتقد أنهم أُدينوا ظلماً، يجب أن يطالب بإظهار براءتهم أمام القضاء، لا العفو عنهم بقرار سياسي او طائفي حتى لو كان قراراً جامعاً.

العفو لا يصلح السجون
تستخدم السلطة اكتظاظ السجون ذريعة للعفو، فيما تُظهر هذه الذريعة حجم تقاعسها. فالسجون اللبنانية لم تكتظ فجأة، والتوقيف الاحتياطي لم يتحول إلى عقوبة بديلة من الحكم خلال الأشهر الأخيرة. هذه أزمة مزمنة تعرفها الحكومات ووزارات العدل والداخلية منذ سنوات طويلة. ولم تطلق حكومة سلام خطة وطنية متكاملة لإصلاح السجون، ولم تعمل على تحديث قانون تنظيم السجون (المرسوم 14310 الذي صدر عام 1949) ولم تنشئ نظاماً فعالاً لتصنيف السجناء وتقييم حاجاتهم ومخاطرهم، ولم تطور بصورة جدية برامج التأهيل النفسي والاجتماعي والتعليمي والمهني، ولم تضع سياسة واضحة لمتابعة المفرج عنهم وإعادة دمجهم في المجتمع.

إذا كان سلام مقتنعاً بأن أحكاماً صدرت نتيجة محاكمات ظالمة فإن الطريق إلى العدالة لا يكون بإلغاء الأحكام بقانون عفو عام

إخراج آلاف الأشخاص من السجون قد يخفف الاكتظاظ مؤقتاً، لكنه لا يصلح السجون. وبعد مدة قصيرة، ستعود القواويش (الزنزانات) إلى الامتلاء ما دامت أسباب الأزمة قائمة: بطء التحقيق والمحاكمة، الإفراط في التوقيف الاحتياطي، ضعف المساعدة القانونية، نقص عدد القضاة والموظفين، تدهور أبنية المحاكم، ونقص حاد في متطلبات البدائل الفعالة من الاحتجاز.

الأخطر أن العفو، إذا لم يترافق مع تقييم فردي وبرامج تأهيل ومتابعة، لا يقدم ضمانات جدية لعدم تكرار الجرائم. وهو بذلك لا يعرّض المجتمع وحده للخطر، بل يترك أيضاً المفرج عنهم من دون مساعدة حقيقية على إعادة بناء حياتهم.

من نقد الطائفية إلى تمثيل الطائفة
لطالما قدّم نواف سلام نفسه ناقداً للنظام الطائفي ولتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لتوزيع الحصص بين زعماء الطوائف. غير أن حماسته الاستثنائية للعفو، في سياق سياسي يتمحور بصورة أساسية حول ملف «الموقوفين الإسلاميين»، تثير سؤالاً مشروعاً عما إذا كان رئيس الحكومة قد انتقل من نقد النظام الطائفي إلى المشاركة في ممارساته.

ولا يفترض تحويل معاناة أي موقوف أو سجين إلى مسؤولية جماعية لطائفته. لكن سلام بدا في هذه المعركة حريصاً على تثبيت موقعه داخل بيئته الطائفية من خلال رفع راية مطلب شعبوي لم يسبقه أي مشروع جدي لإصلاح القضاء. وهنا تكمن المفارقة: الرجل الذي انتُظر منه أن يحمل ثقافة القانون الدولي واستقلال القضاء إلى رئاسة الحكومة، حمل إلى البرلمان شعاراً سياسياً فضفاضاً عنوانه «العدالة»، من دون أن يقدم تعريفاً لهذه العدالة أو مؤسسات قادرة على تحقيقها.

العفو في المراحل الانتقالية
قد يكون قانون العفو ضرورياً في ظروف استثنائية: بعد انتهاء حرب أهلية، أو سقوط نظام استبدادي، أو ضمن مسار عدالة انتقالية ومصالحة وطنية. لكنه في تلك الحالات لا يكون مجرد فتح لأبواب السجون، بل جزءاً من مشروع يشمل كشف الحقيقة، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار. أما لبنان اليوم، فلا يشهد مرحلة انتقالية، ولا تنفذ حكومته مشروعاً للعدالة الانتقالية. لا توجد هيئة لكشف الحقيقة، ولا خطة لجبر الضرر، ولا إصلاح جذري للقضاء أو المحكمة العسكرية، ولا استراتيجية لإصلاح السجون، ولا ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات والمحاكمات المعيبة.

فأي صفحة يريد الرئيس سلام أن يطويها؟ وكيف تُطوى صفحة لم تُقرأ أصلاً، ولم تُكشف حقائقها، ولم يُحاسب المسؤولون عما كُتب فيها؟
إذا كانت هناك أحكام ظالمة، فلتُفتح الملفات ولتُعد المحاكمات. وإذا كانت السجون غير إنسانية، فلتُصلح. وإذا كان القضاء عاجزاً أو خاضعاً للتدخل السياسي، فلتُضمن استقلاليته وتُحاسب الجهات التي عطلت عمله.
أما العفو بلا حقيقة وبلا إصلاح وبلا ضمانات لحقوق الضحايا والمجتمع، فليس عدالة. إنه محو سياسي لنتائج عمل قضاء لا تملك السلطة الإرادة لإصلاحه.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة