إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الأحد (16 آب/أغسطس 2026) بتحليل الأوضاع الداخلية في إيران، ولا سيما التحديات متعددة المستويات التي تواجهها الجمهورية الإسلامية، في ظل حرب مركبة ذات أبعاد مختلفة.
وركزت الصحف على أن طبيعة المرحلة الراهنة تستدعي تغييرات على مستوى السلوك الدبلوماسي والاقتصادي، بما يتلاءم مع المتغيرات والتحديات القائمة، مشيرةً إلى إمكانية الاستفادة من التعيينات الأخيرة لعدد من القادة في أجهزة مهمة للدولة، والتي أجراها القائد السيد مجتبى الخامنئي، في قراءة توجهات المرحلة المقبلة.
الدبلوماسية في ساحة الحرب
بداية، كتبت صحيفة وطن أمروز: "تمر إيران حاليًا بواحدة من أصعب مراحل سياستها الخارجية المعاصرة. فاليوم، تجاوزت المواجهة مع الولايات المتحدة مستوى الضغط السياسي والعقوبات والصراع غير المباشر، لتتحول إلى مواجهة مباشرة وحرب وجهاً لوجه.
وأوضحت الصحيفة أنّ مسار الأحداث يُظهر في الأشهر الأخيرة، ووصول مفاوضات وقف إطلاق النار إلى طريق مسدود، بوضوح أن هذا الوضع لا يمكن اعتباره أزمة مؤقتة. لم يعد الأمر مقتصرًا على إدارة أزمة مؤقتة، بل على إعادة صياغة السياسة الخارجية في بيئة تختلف قواعدها عما كانت عليه قبل الحرب.
وتابعت الصحيفة "أكثر من أي وقت مضى، تُغير الحرب تصورات الحكومات للوضع قبل أن تُغير الحدود أو الميزانيات العسكرية أو تكوين القوات. فإدراك الدولة لقوتها، وقدرات العدو، وقيمة الحلفاء، ومصداقية المؤسسات الدولية، وحتى معنى المصالح الوطنية، قد يتغير جذريًا في أعقاب الحرب. ولهذا السبب، كانت العديد من الحروب في التاريخ نقطة انطلاق لمراجعات مؤسسية وفكرية جوهرية. بعض هذه التغييرات اختيارية ويمكن تحديد توقيتها ونطاقها، بينما يصبح بعضها الآخر ضرورات تاريخية، وتجاهلها عادةً ما يُكبّد تكلفةً تفوق التغيير نفسه بكثير".
وبحسب الصحيفة تواجه وزارة الخارجية اليوم مثل هذه الضرورة. في الظروف العادية، يمكن للجهاز الدبلوماسي أن يتحرك بوتيرة أبطأ، بلغة قانونية أكثر، وبحسابات أكثر تدرجًا، ولكن في أوقات الحرب والتحول، يجب أن تصبح السياسة الخارجية جزءًا من آلية بناء القوة الوطنية. في هذا السياق، تواجه وزارة الخارجية ضرورة إعادة النظر في فلسفة عمل هذه المؤسسة.
ولفتت إلى أن الواقعية، بدلًا من المثالية، هي أول تغيير يجب أن يحدث على مستوى خطاب السياسة الخارجية. اليوم، تحتاج إيران إلى فهم أكثر دقة لمنطق القوة بدلًا من التفاؤل بشأن النظام الدولي. تنطلق الواقعية في العلاقات الدولية من افتراض أنه في النظام العالمي، لا توجد سلطة نهائية ومحايدة قادرة على ضمان أمن الدول في جميع الظروف. تُعدّ القواعد والمؤسسات والمعاهدات والمنظمات الدولية مهمة، لكن سلطتها ليست مطلقة، لا سيما عندما يكون أحد أطراف النزاع قوة عظمى، ويزداد الأمر أهمية عندما يفقد النظام السابق قدرته على حلّ التحديات ويدخل العالم مرحلة انتقالية وتحوّلية. في هذه الحالة، لا يمكن بناء أمن أي دولة على حسن نية الآخرين، أو الضمانات القانونية، أو التوازنات والاتفاقيات المؤقتة مع القوى العظمى. هذا لا يعني إنكار الدبلوماسية، أو قطع العلاقات مع العالم، أو استبدال الحوار بمواجهة دائمة. بل على العكس، يعتبر الواقعيون الدبلوماسية ضرورية، لكنهم يرونها أداة قوة، لا بديلاً عنها. هذا هو الفرق الجوهري.
وقالت "قبل توقيع أي اتفاقية، تسأل الدبلوماسية الواقعية: ما هي القدرات التي ستُتيحها هذه الاتفاقية لإيران؟ ما الضرر الذي ستُقلّله؟ ما النفوذ الذي ستمنحه للطرف الآخر؟ والأهم من ذلك، ما هي تكلفة انتهاكها على الطرف الآخر؟".
وأضافت "في السنوات الأخيرة، استند جزء من السياسة الخارجية الإيرانية إلى افتراض إمكانية إيجاد نقطة توازن في العلاقات الدولية والتفاعلات مع القوى، وأن هذه النقطة قادرة على احتواء الضغوط. قد ينجح هذا المنطق على المدى القصير خلال فترات استقرار النظام الدولي نسبياً، لكن في أوقات التحولات الدولية، والمنافسة الشديدة، والحروب، يصبح البحث عن نقطة توازن غير منطقي وغير كافٍ، لأنه مع تغير التوازن العالمي نفسه، تتغير نقطة التوازن باستمرار. فإذا ما وُجدت نقطة توازن، فإنها لا تكون مستقرة؛ وإذا ما تم التوصل إلى اتفاقيات، تُنتهك جميع الاتفاقيات السابقة بمجرد تغير الحسابات، كما كان الحال سابقاً؛ ومثال واضح على ذلك سلوك أمريكا في عهد ترامب وأمريكا في عهد بايدن في الاتفاق النووي".
ورأت أنّه يجب على جميع الدبلوماسيين الذين عرضوا عضوية إيران في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والوكالة الدولية للطاقة الذرية كضمانة لمنع قصف المنشآت النووية الإيرانية من قبل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، أن يعترفوا اليوم بأن مشروعهم كان فاشلاً تماماً بالنسبة للبلاد، وأن ضمانتهم لم تُجدِ نفعاً، حتى مع تفعيل التزامات الضمانات الإضافية وقبول إيران للمراقبة الصارمة من قبل الوكالة. يجب عليهم الاعتراف بأن حلهم لم يُسفر إلا عن تسهيل اغتيال العلماء النوويين وقصف المنشآت النووية.
ووفق الصحيفة "يجب أن يحدث التحول الثاني في النهج العملي لوزارة الخارجية: الانتقال من فهم قانوني للعلاقات الدولية إلى فهم اقتصادي لها. القانون الدولي هو أداة عمل كل دولة، وليس من الممكن ولا من الحكمة التخلي عنه".
وبحسب الصحيفة "المسألة ليست إلغاء المسائل القانونية، بل أولوية المصالح على الشكل القانوني. المسألة هي: هل ينبغي أن تُكرّس وزارة الخارجية معظم وقتها لبيروقراطية المؤسسات الدولية، أم أن أولوية الوزارة وضرورتها تكمن في شيء آخر؟
في السنوات الأخيرة، كُرِّس جزء كبير من قدرات جهاز السياسة الخارجية لمناقشة الضمانات القانونية، وآليات الالتزام، وتفسير الاتفاقيات، وإجراءات المؤسسات الدولية. وللأسف، أصبحت الأدوات القانونية في وزارة الخارجية هدفًا عمليًا للسياسة الخارجية. التجارة، والاستثمار، والطاقة، والعبور، وسلاسل التوريد، ومصالح القطاع الخاص، أيها يُمثّل محور عمل وزارة الخارجية؟ الاقتصاد غائبٌ تمامًا عن الوزارة. من الواضح أن الاقتصاد يجب أن يصبح اللغة الأساسية للجهاز الدبلوماسي الإيراني".
العصر الجديد للتعبئة (الباسيج)
بدورها، كتبت صحيفة رسالت: "لا ينبغي اختزال مرسوم تعيين حجة الإسلام والمسلم حسين طائب رئيسًا للباسيج إلى مجرد تغيير إداري في إحدى منظمات الحرس الثوري الإيراني. تكمن أهمية هذا المرسوم في اسم الشخص المُعيَّن أكثر من مجموعة المفاهيم والتفسيرات والمطالب الواردة فيه. يتحدث نص المرسوم عن "كل إيراني باسيجي"، وعن "شبكة معلومات الشعب"، و"التقنيات الحديثة"، و"المواجهة الشعبية مع تهديدات العدو"، و"الخدمات الاجتماعية"، و"المسجد"، و"الصفوف"، و"الأحياء"، وأخيرًا، عن تحويل ثقافة الباسيج إلى نموذج عالمي لمقاومة الاستكبار الصهيوني الأمريكي. كل هذا يرتقي بصورة الباسيج من "قوة منظمة" إلى "شبكة اجتماعية وطنية". من هنا، نفهم مغزى عنوان "العصر الجديد للباسيج".
فمنذ البداية، لم تكن الباسيج مؤسسة للأيام العادية بالمعنى التقليدي للكلمة. كانت فلسفتها الوجودية تتمثل في تزويد الشعب بالقدرة على مواجهة اللحظات التي تواجه فيها البلاد مشكلة تفوق قدرة المؤسسات الرسمية. الحرب، والبناء، وتخفيف الحرمان، والإغاثة، والتعامل مع الأزمات، وفي السنوات الأخيرة، الأنشطة الاجتماعية والثقافية، كل منها شكل مختلف من أشكال هذا المنطق. لكن التهديد الذي يواجه البلاد اليوم لم يعد بالضرورة قابلاً للتفسير بالنموذج الكلاسيكي للحرب. فالعدو قادر على التسلل في آن واحد من السماء، والإعلام، والفضاء الإلكتروني، والاقتصاد، والعمليات النفسية، وشبكات المعلومات، والفجوات الاجتماعية. لذلك، إذا تغيرت طبيعة التهديد، فمن الطبيعي أن تتغير منظمة الدفاع الشعبي أيضاً.
ونتيجةً لذلك، وفق الصحيفة، سيُقاس نجاح الباسيج في المستقبل بمدى نفوذ شبكتها في المجتمع، لا بعدد أعضائها الرسميين. فالطالب، والطبيب، والمهندس، والعامل، والمعلم، ورجل الأعمال، والفنان، والرياضي، والقروي، والحضري، والجماعة الجهادية، جميعهم يمكن أن يكونوا جزءًا من هذه الشبكة. وهنا يكتسب مفهوما "تعبئة الطبقات" و"تعبئة الأحياء" معنىً جديدًا.
وبحسب الصحيفة، إن العصر الجديد للتعبئة/الباسيج يعني تغيير نطاق المهمة أكثر من تغيير المهمة نفسها. في العقد الأول من الثورة، انصبّ اهتمام الباسيج بشكل رئيسي على حلّ مشكلة التواجد: كيف يمكن للأفراد التواجد في ميدان الدفاع عن الثورة؟ وفي المراحل اللاحقة، برزت مشكلة التنظيم: كيف يمكن لهذا التواجد أن يصبح بنية مستدامة؟ ثمّ برزت مشكلة الخدمة: كيف يمكن توظيف هذه القدرة في البناء والتخفيف من الحرمان؟ والآن، يبدو أن المشكلة الجديدة هي التواصل الشبكي: كيف يمكن تحويل القدرات الاجتماعية والمحلية والمهنية والتكنولوجية والثقافية الهائلة في البلاد إلى شبكة متماسكة وجاهزة؟
من هذا المنظور، رأت الصحيفة أن انتخاب حسين طائب يكتسب دلالته الخاصة. فقد عُيّن أولاً على رأس الباسيج عام 2008، ثم تولى مسؤولية الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني؛ لذا، يمكن اعتبار إعادة تعيينه بمثابة عودة مدير ذي خبرة في مجالي الشبكة الاجتماعية التنظيمية واستشعار التهديدات.
لذا، لعل أهم تطور يُتوقع من جهاز الباسيج الجديد هو تغيير جغرافية الميدان. لم يعد الميدان مجرد نقطة على الحدود أو منطقة عمليات، بل أصبح حيثما يُهدد رأس المال الاجتماعي والهوية الوطنية والأمل الشعبي وتماسك البلاد".
المؤامرة الأميركية في تغيير السلوك
هذا؛ وكتبت صحيفة جوان: "لا فرق إن كان الأمر يتعلق بإسقاط نظام سياسي أو محاولة تغيير مضمونه، لأن الأنظمة السياسية تتميز أساسًا بمضمونها المتخصص والمحدد. لذا، إذا فُرّغ نظام سياسي من مضمونه أو تغيّر مضمونه، فإنه ينهار عمليًا. مع ذلك، قد تستمر الدولة والنظام السياسي في الوجود ماديًا وظاهريًا واسميًا. من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار هذه المسألة مقبولة أو ضئيلة الأهمية.
وتابعت الصحيفة "بعد أن بذل العدو قصارى جهده لتغيير النظام السياسي، وتحدث علنًا عن هذا التغيير، بات الآن يتحدث عن تغيير سلوك الجمهورية الإسلامية. ويعود سبب هذا التحول في الخطاب إلى عجز الأمريكيين عن تحقيق الوتيرة التي وضعوها لتغيير النظام السياسي الإيراني. في المقابل، فرض النظام السياسي الإيراني، رغم الضغوط والاعتداءات، استقراره وبقاءه على العدو، بل وحقق تقدمًا ملحوظًا".
ووفق الصحيفة، وضعت الجمهورية الإسلامية أهدافًا بالغة الخطورة والإشكالية بالنسبة للعدو، بما في ذلك التأكيد على إخلاء القواعد العسكرية الأمريكية من منطقة غرب آسيا، وهي قضية شددت عليها الجمهورية الإسلامية خلال الحرب وبعدها. ويأتي هذا في حين أن قوة أمريكا في هذه المنطقة تعتمد بشكل أساسي على الحفاظ على هذه القواعد العسكرية. وقد وضع الأمريكيون جزءًا كبيرًا من أنشطتهم السياسية والاقتصادية على عاتق هذه القواعد، كما تعمل السفارات الأمريكية ضمن إطار هذا الهيكل. في الواقع، إن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) هي التي تحدد ما ينبغي على السفير الأمريكي في باكستان أو السعودية أو العراق فعله".
من هذا المنظور، يتحدث العدو، في مواجهة هذا السيناريو، عن "تغيير السلوك" ليتظاهر بأنه لا يزال قادرًا على رفض مطالب إيران. في الواقع، يعكس هذا الخطاب مطالبهم من إيران؛ أي أن تتخلى إيران عن سياساتها القائمة على طرد الولايات المتحدة من المنطقة، وأن توقف سياسة الضغط على الدول المعتدية وحلفاء الولايات المتحدة في جنوب الخليج، وأن تكف عن قتال الكيان الصهيوني، وتحرير فلسطين، ودعم المدافعين عن الحرية الفلسطينية. في المقابل، يزعمون أنهم سيتعاونون مع الجمهورية الإسلامية فيما يتعلق بمبادئ النظام السياسي ومصالح دولة تُدعى إيران.
إلا أن هذا المطلب ينطوي على نفاق. فإذا تراجعت إيران عن مطالبها المشروعة والمؤيدة من قبل المسلمين في المنطقة، سيواصل الأمريكيون مسعاهم لتغيير النظام السياسي الإيراني فعلياً في المرحلة التالية. بعبارة أخرى، لا يمكن فصل طلب تغيير السياسات الإقليمية الإيرانية عن الهدف الأمريكي الرئيسي المتمثل في تغيير النظام السياسي. وعليه، ينبغي النظر إلى الحديث عن "تغيير السلوك" من زوايا متعددة؛ أولاً، ينبغي اعتبار هذا الخطاب استمراراً للجهود المبذولة لتغيير النظام السياسي الإيراني. ثانياً، ينبغي تقييمه كدليل على ضعف أمريكا في تحقيق أهدافها الأولية. ثالثاً، ينبغي النظر إليه في سياق مؤامرة أمريكية. لذا، يجب مقاومة هذا التوجه"، ختمت الصحيفة.