اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي خطّ جنوب تدمر: "إسرائيل" توسّع حدود الهيمنة

نقاط على الحروف

رجي يدوس السيادة تحت شعار
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

رجي يدوس السيادة تحت شعار "القرار السيادي"

80

كاتبة من لبنان

جرت العادة في لبنان على اعتماد توصيف "وزارة سيادية" لكلّ من الوزارات التالية: وزارة المالية، وزارة الداخلية والبلديات، وزارة الدفاع الوطني ووزارة الخارجية والمغتربين. 

ويفصّل الدستور اللبناني كما النظام الداخلي المهام الأساسية لكلّ وزارة، ولا سيّما وزارة الخارجية كونها تمثّل الواجهة الدبلوماسية والقانونية للبلد. وبالنظر إلى أهمية هذه الوزارة المصنّفة "سيادية" وواجهة دبلوماسية، لا بدّ بين الحين والآخر من الإضاءة على إنجازاتها ومآثرها المشهودة، ولا سيّما في بلد يتعرّض لعدوان متواصل، وتنهمك السلطة فيه في إعداد الشعارات التي تقدّس الدبلوماسية وتعتبرها السبيل الأوحد لمواجهة العدوان. 

منذ تبوّئه منصب وزير الخارجية والمغتربين، لم يفشل الوزير القوّاتي يوسف رجّي مرّة في إثارة دهشة الجمهور، ولا سيّما بالنظر إلى سيرته الذاتية في السلك الدبلوماسي والتي تتضمّن وصمة "شكوى تحرّش" أثناء عمله كسفير في المغرب. وقد ظنّ اللبنانيون مع بداية عهده كوزير أنّ أسوأ ما يمكنه فعله هو الهجوم الذي قام به على مبنى وزارته حيث وقف يصرخ بالموظفين مردّدًا "أنا تيس". إلّا أنّ التجربة أثبتت أنّ الوزير رجّي استطاع التفوّق على نفسه وعلى الظنون التي اعتبرت أنّ الأسوأ مرّ: حوّل وزارته إلى حقل تنمو فيه المواقف القواتية الانعزالية على حساب الموقف الوطني، تغافل عن أداء أبسط واجباته ومهامه المنصوص عليها في وصفه الوظيفيّ، وأكثر من ذلك، اعتبر العدوان على لبنان حقًّا طبيعيًّا لـ"اسرائيل" واستحدث نظرية عجيبة في عالم الدبلوماسية: دبلوماسية البكاء. إذًا، من على رأس وزارة "سياديّة" وتحت ستار شعار "القرار السياديّ"، ارتكب رجّي كلّ ما يتنافى إلى حدّ التناقض مع مفهوم السيادة بأدنى معاييره. 

وكي لا يكون الحديث فقط في العناوين، إليكم ما كان على الوزير "السياديّ" فعله حيال العدوان المتواصل على لبنان، وهو واجب وظيفيّ وليس تفضّلًا منه:
- على الصعيد الدوليّ، وجب أن يتقدّم الوزير بشكوى رسمية عاجلة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، عقب كلّ اعتداء من أيّ نوع، بوصفه اعتداء على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدّة، بحسب المادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك وجب عليه طلب جلسة طارئة لمجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، وأيضًا توثيق الانتهاكات وتقديم الأدلة على الخسائر المدنية والجرائم ضدّ الإنسانية وتقديمها للمحاكم الدولية، بالإضافة إلى التنسيق مع وزراء خارجية الدول الكبرى ودعوتهم للضغط على "إسرائيل" لوقف عدوانها. هل فعل رجّي أيًّا من كلّ هذا؟ أبدًا. فالتفجيرات الهائلة التي يشهدها الجنوب بشكل يوميّ، والاعتداءات المتواصلة، واحتلال الأرض، وتهجير السكان، وتدمير البنى التحتية والبيوت، لم يجد الوزير فيها ما يدعو للشكوى. حتى الخريطة التي نشرتها وزارة خارجية العدوّ، لم تثر حفيظة "القرار السيادي" لدى رجّي، تماهيًا مع موقف رئيس حزبه سمير جعجع الذي هزئ من فكرة أن يكون لـ"إسرائيل" أطماع في لبنان. 
- على الصعيد العربي، وجب على وزير الخارجية الدعوة إلى تفعيل ميثاق الدفاع العربي المشترك، ولو شكليًّا، بمواجهة العدوان على لبنان، وطلب اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، لعرض وتوثيق الاعتداءات واتخاذ موقف دبلوماسي منها. هل فعل رجّي ذلك؟ على العكس، تجاهل الاعتداءات تمامًا وانشغل بإصدار بيانات بين الحين والآخر تستنكر استهداف القواعد الأميركية في الخليج والأردن وغيرها، ما جعله يتفوّق حتى على وزراء خارجية هذه الدول الذين حافظوا على خطاب غير معادٍ ضدّ الجمهورية الإسلامية في إيران، بعكس رجّي الذي بدا ملكيًّا أكثر من الملك، حتى بدا موقفه مثيرًا لسخرية شعوب جميع الدول التي صادف أن سمعت به: وزير في بلد يُعتدى عليه على مرأى العالم، يبدو غافلًا تمامًا عمّا يجري في بلده، ويهرع ليكون أوّل المستنكرين حين يقع ألمٌ على المصالح الأميركية في المنطقة. 
- على الصعيد المحلّي، وجب أن يكون رجّي، بوصفه وزيرًا سياديًا على حدّ زعم شعاراته ومواقفه، حامي حمى السيادة الوطنية، فلا يسمح لسفارة بتهريب عميل مدان ثبت تورّطه قضائيًا بالاحتماء فيها والهروب عبرها من لبنان، ولا يسمح لمبعوث دبلوماسيّ بتهديد مكوّن لبناني والثناء على الجرائم "الإسرائيلية" بحقّ اللبنانيين، ولا يستجيب لزائر إلى لبنان حين يستدعيه إلى سفارة بلده عوض زيارته في وزارته كما ينصّ البروتوكول، ووجب أن يقدّم خطّة دبلوماسية مقنعة يعرض فيها ما ينوي فعله لمنع العدوان على لبنان، وليس التحدّث باستهتار عن جدوى البكاء لدى الأميركي كخطّة سحرية تتحقّق عبرها الآمال بالأمان وبالاستقرار. وكذلك لم يكن متوقّعًا أبدًا أن يُسمع منه سيل من التبريرات ومنح الذرائع لـ"اسرائيل" في عدوانها الهمجي، إلى حدّ اعتبار كلّ ارتكاباتها الوحشية "حقًّا" لها. 

ربّما لم يتسنّ لرجّي الاطلاع على الواجبات والمهام الموكلة إليه في بداية عهده، ولم يُوفّق بمستشارين متمرّسين بأصول العمل الدبلوماسي، لكنّ الشهور الطويلة التي ادّعى فيها حرصه على سيادة لبنان بالتوازي مع إمعانه في تسطيح مفهوم السيادة وتشويهه، تثبت أنّ الرجل، على الأقل بمعيار الأداء الوظيفيّ، فشل في أداء الدور المتوقع من وزير خارجية، وقد غلبت العصبية القواتية فيه كلّ إدراك لحقيقة واجباته ومهامه، وبذلك يكون قد فقد شرعيّته كوزير "سياديّ"، ليصبح أداؤه ترجمة حيّة للتناقض بين الشعار والمسار، إذ لم يشهد لبنان قبله وزير خارجية يتمتّع بهذا المستوى من المقدرة على دوس السيادة علنًا تحت شعار "القرار السياديّ".

الكلمات المفتاحية
مشاركة