مقالات مختارة
عمر نشابة- صحيفة الأخبار
شنّت الولايات المتحدة و«إسرائيل» حرباً هائلة على إيران وحلفائها، استخدمتا فيها الاغتيالات والقصف والحصار وتدمير المنشآت والبنى التحتية. وبعد نحو ستة أشهر، بقي النظام الإيراني قائماً، ولم يُحسم مصير البرنامج النووي، ولم تختفِ الصواريخ والمُسيّرات، ولم تنقطع علاقة إيران بحلفائها، ولم يُنزع سلاح حزب الله، ولم تتفكّك الفصائل العراقية، ولم يُفتح مضيق هرمز وفق الشروط الأميركية.
فماذا فعلت واشنطن؟ أعلنت «أقسى عقوبات في التاريخ».
هذه ليست علامة انتصار بل اعترافٌ بالعجز. فمن يحقّق أهداف حربه لا يحتاج بعد انتهائها إلى خنق خصمه اقتصادياً لإجباره على تقديم ما رفض تقديمه تحت القصف. وقد استطاعت أميركا و«إسرائيل» أن تقتلا وتدمّرا، لكنهما لم تستطيعا تحويل تفوّقهما العسكري إلى نتيجة سياسية. ربحتا جولات نارية، وفشلتا في تحقيق أهداف الحرب.
العقوبات امتداد للحرب بوسيلة أخرى
أعلنت واشنطن عند بدء الحرب أنها تريد تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، ومنع إيران نهائياً من امتلاك قدرة نووية، وقطع دعمها لحلفائها، بل شجّع ترامب الإيرانيين على إسقاط نظامهم. لكنّ التقييمات المنشورة بعد الحرب تقرّ بأن إيران، رغم الخسائر الجسيمة، احتفظت بقدرات صاروخية ومُسيّرة تمكّنها من ضرب أهداف إقليمية وتهديد الملاحة، فيما بقي الوضع الفعلي لبرنامجها النووي مجهولاً. لذلك قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الضغط الاقتصادي قد يقلّل الحاجة إلى استئناف العمليات العسكرية الواسعة، وأعلن صراحة أن الهدف هو «إسقاط النظام»، أي إن العقوبات ليست إجراءً قانونياً محدوداً لمعالجة مخالفة محددة، بل استكمالٌ للحرب بهدف تحقيق ما عجزت القوة العسكرية عن تحقيقه.
لكنّ القدرة على إفقار شعب ليست دليلاً على القدرة على الانتصار عليه. العقوبات قد تُسقِط قيمة العملة، وتُغلِق الشركات، وتزيد البطالة والفقر، وتعطّل فعلياً الوصول إلى الدواء والتكنولوجيا والخدمات، لكنها لا تُسقِط بالضرورة نظاماً ولا تلغي إرادة سياسية أو عقيدة قتالية. وإيران تعيش تحت عقوبات أميركية شبه متواصلة منذ عام 1979؛ تضرر شعبها واقتصادها، لكنّ النظام لم يسقط، وبرامجها العسكرية لم تتوقف.
أين القانون الدولي؟
تستند العقوبات الأخيرة إلى الأمر التنفيذي الأميركي الرقم 13224 وتعديلاته. وهذا تشريع داخلي يجوز لواشنطن، بموجبه، تنظيم تعاملات مواطنيها وتجميد الأموال الموجودة ضمن ولايتها. لكنه لا يتحوّل تلقائياً إلى قانون دولي مُلزِم للبنان أو العراق أو تركيا أو الصين.
فالعقوبات الدولية المُلزِمة لجميع الدول تصدر عن مجلس الأمن استناداً إلى المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة. أمّا العقوبات الثانوية التي تهدّد أي دولة أو مصرف أو شركة أجنبية بالحرمان من الدولار إذا لم تطبّق القرار الأميركي، فهي تثير إشكالية قانونية لأنها تفرض القانون الأميركي خارج الحدود وتمسّ سيادة الدول وحقها في اختيار علاقاتها الاقتصادية.
ولا يفترض تبرير هذه الإجراءات باعتبارها «تدابير مضادة» من دون احترام شروط القانون الدولي. فمواد القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول تشترط أن يكون التدبير رداً متناسباً على فعل غير مشروع، وأن يكون مؤقتاً وهدفه دفع الدولة المعنية إلى احترام التزام دولي محدّد، لا إسقاط نظامها السياسي أو تدمير اقتصادها.
عندما يهدّد ترامب كل دولة أو مصرف أو مطار يقدّم أي «شريان حياة» لإيران، ويعلن وزير خزانته أن الغاية هي انهيار النظام، فنحن أمام إكراه اقتصادي يطاول مجتمعاً بأكمله، لا أمام تطبيق محايد للقانون. أمّا حقوق الإنسان، فتختفي فور تعارضها مع الأهداف الأميركية: لا أهمية لحق الإيراني في الغذاء والدواء والعمل، ولا لحق اللبناني أو العراقي في السيادة، ما دام إيلام هؤلاء قد يخدم الضغط على خصوم واشنطن.
شبكة بلا مُتلَقٍّ لبناني
تكشف العقوبات الأخيرة المتعلقة بحزب الله حدود هذه الأداة. فقد عاقبت الخزانة عشرة أشخاص قالت إنهم نقلوا أموالاً عبر إيران وتركيا والإمارات ولبنان: تسعة أتراك وإيراني واحد مقيم في تركيا. لا يوجد بينهم لبناني واحد. وتحدّثت واشنطن عن «مئات الملايين من الدولارات»، لكنها لم تحدد المبالغ أو التواريخ أو عدد الرحلات، ولم تسمِّ الشخص أو المؤسسة التي تسلّمت الأموال في لبنان، ولم تربط الشبكة التركية بأي من اللبنانيين الذين عاقبتهم سابقاً.
عندما كانت الخزانة تعلن العقوبات كانت تحدّد الروابط بالتفصيل: ففي عقوبات آذار وحزيران 2026، ربطت الأهداف الجديدة بأسماء وشركات سبق إدراجها. أمّا هذه المرة، فقد اكتفت بالقول إن الأموال كانت «مُخصّصة لحزب الله». الادّعاء الإداري حلّ محل الدليل العلني.
وما نُشر لا يُثبِت سلسلة مالية متكاملة. وقد يعني ذلك أن واشنطن تمكّنت، بالتعاون مع السلطات التركية، من تتبّع بعض المسافرين، لكنها لا تعرف علناً من تسلّم الأموال داخل لبنان. وقد يعني أيضاً أنها استنفدت معظم الأهداف اللبنانية المعروفة، فانتقلت إلى ناقلين ووسطاء في الخارج. وفي الحالتين، لا توجد علامة على أن العقوبات ستنزع سلاح حزب الله. فالسلاح مرتبط باحتلال واعتداءات وتهديدات العدو "الإسرائيلي"، لا بحساب مصرفي يمكن لوزارة الخزانة إقفاله. بل إن خنق النظام المالي الرسمي يدفع الأموال إلى النقد والصرافة والتحويل اليدوي، أي إلى قنوات أكثر سرية وأصعب في المراقبة.
وسيط يعاقب طرفاً ويسلّح الطرف الآخر
تفرض واشنطن عقوبات على لبنانيين تتهمهم بـ«عرقلة السلام» وتأخير نزع سلاح حزب الله، بينما تؤدي دور الوسيط في المفاوضات اللبنانية – "الإسرائيلية". وفي الوقت نفسه، تواصل دعم «إسرائيل» وتسليحها وحمايتها سياسياً، من دون عقوبات على المسؤولين عن الاحتلال والقتل والتدمير واحتجاز اللبنانيين.
هذا ليس حياداً ولا وساطة متوازنة. إنه تفاوض تحت التهديد: على لبنان تقديم تنازلات أمنية وسياسية، بينما لا تُلزم «إسرائيل» بالانسحاب أو وقف الاعتداءات. وهكذا تتحوّل العقوبات إلى أداة لخدمة الأهداف "الإسرائيلية" التي فشلت الحرب في تحقيقها.
لكنّ سنوات العقوبات لم تنزع سلاح حزب الله، كما أن القصف والاغتيالات لم ينهيا وجوده. والعقوبات الجديدة لن تعالج الأسباب التي تمنحه دوره، بل قد تزيد اعتماد بيئته على شبكات بديلة.
القرار الأميركي بديل من القضاء العراقي
كرّرت واشنطن العقوبات على مصارف ورجال أعمال وقادة فصائل عراقية، ثم عاقبت في أيار 2026 نائباً لوزير النفط وثلاثة من قادة الفصائل. ومع ذلك بقيت هذه الفصائل قائمة ومتداخلة مع الحشد الشعبي والدولة والاقتصاد.
إذا كانت هناك أدلة على فساد أو سرقة نفط أو غسل أموال، فالمسار القانوني هو تقديمها إلى القضاء العراقي وإجراء محاكمات تحترم حقوق الدفاع. أمّا أن تقرر سلطة تنفيذية أجنبية من هو المذنب ثم تستخدم سيطرتها على الدولار لمعاقبة العراق، فهذا لا يبني دولة قانون، بل يُضعِف السيادة العراقية. والضربات والعقوبات قد تحقّق نتيجة معاكسة: تمنح الفصائل ذريعة لتقديم نفسها بوصفها قوة مقاومة للهيمنة الأميركية، وتزيد شرعيتها داخل بعض البيئات بدلاً من عزلها.
هرمز: فشل القوة وفشل العقوبات
يُفترض أن يكون المرور عبر المضائق الدولية حراً وغير مُعرقِل وفق قواعد قانون البحار. لكنّ أشهر العمليات العسكرية الأميركية لم تكسر السيطرة الإيرانية الفعلية على مضيق هرمز، كما فشلت جولتان من وقف إطلاق النار في ضمان فتحه بصورة مستقرة. واليوم تعاقب واشنطن الجهة الإيرانية التي تنظّم المرور، وتهدّد الشركات التي تدفع رسوماً، بينما تفرض هي حصاراً على الموانئ الإيرانية. فتجد شركات الشحن نفسها بين تهديد إيراني إذا عبرت من دون إذن، وتهديد أميركي إذا امتثلت للشروط الإيرانية. والنتيجة ليست حرية الملاحة، بل تراجعها وارتفاع مخاطرها وكلفتها. وفتح المضيق يحتاج إلى إنهاء الحرب والحصار والتوصل إلى تسوية قانونية وأمنية متبادلة. أمّا العقوبات فتعطي إيران سبباً إضافياً لاستخدامه كورقة ضغط.
القدرة على العقاب ليست قدرة على الانتصار
هل سقط النظام الإيراني؟ لا. هل انتهى برنامجه النووي؟ لا دليل على ذلك. هل دُمّرت قدراته الصاروخية؟ لا. هل انقطعت علاقته بحلفائه؟ لا. هل نُزع سلاح حزب الله؟ لا. هل تفكّكت الفصائل العراقية؟ لا. هل فُتح هرمز وفق الشروط الأميركية؟ لا. إذاً العقوبات لا تمثّل انتصاراً بل تعويضاً عن غيابه. تستطيع أميركا و«إسرائيل» تدمير منزل، وقتل قائد، وتجميد حساب، وإفقار عائلة. لكن كل ذلك لا يعني أنهما استطاعتا فرض الإرادة السياسية التي شُنّت الحرب من أجلها.
وهما لا تباليان بالقانون الدولي لأنهما تعجزان عن تحقيق أهدافهما ضمنه، ولا تباليان بحقوق الإنسان لأن الإنسان نفسه أصبح وسيلة ضغط: يُقتل بالقنبلة حيناً، ويُجوّع بالعقوبة حيناً آخر. هذه ليست سياسة قوة واثقة، بل سياسة قوة تملك وسائل هائلة للعقاب، ولا تملك طريقاً نحو النصر.