اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي لافروف وعراقجي يبحثان تطورات الوضع حول إيران في نيويورك

مقالات مختارة

ابن سلمان أمام الاختبار الأقسى: «العباءة» الأميركية تزداد ثقلًا
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

ابن سلمان أمام الاختبار الأقسى: «العباءة» الأميركية تزداد ثقلًا

يعيد التصعيد الأخير في اليمن وليّ العهد محمد بن سلمان إلى دائرة الأزمات، في وقت يبرز فيه ظهور الملك سلمان مجدداً كوسيلة لتعزيز شرعية ولي العهد، وسط ضغوط إقليمية ودولية تختبر خيارات الرياض وهامش حركتها
53

حسين إبراهيم - صحيفة الأخبار

لم يكن ظهور الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، قبل أيام قليلة، مترئّساً اجتماع مجلس الوزراء، بعد غياب طويل عن الواجهة، عادياً. فهو جاء في ظرف استثنائي تمرّ به السعودية وقيادتها، جعَل ولي العهد، محمد بن سلمان، في حاجة إلى الاستعانة بشرعية والده. ويعيد ظهور الملك حديثاً، إلى الأذهان، تأمينه قبل أكثر من عقد غطاءً لـ«عاصفة الحزم»، حين كان لا يزال قادراً على أداء مهامه، ولو أن شنّ الحرب على اليمن بدا في أصله قراراً أميركياً، اتُّخذ بالتنسيق مع ابن سلمان الذي كان في حينها وزيراً للدفاع، ولم يصبح بعد ولياً للعهد. وبالتالي، فإن المأزق اليمني الحالي، الذي يُعتبر من تبعات الحرب الأصلية، بدأ قبل أن يكون ابن سلمان قادراً على اتّخاذ القرار، أقلّه في العلن، بمفرده؛ إذ إن هكذا مسؤولية مُلقاة على عاتق مؤسّسة الحكم بمجملها، وليست على فرد واحد. كما أن محمد بن نايف، وهو منافس رئيس لابن سلمان يقبع في السجن حالياً، كان وقتها ولياً للعهد، ويمكن تحميله جزءاً من المسؤولية، ولو أنه ظهر مذّاك مُبعَداً عن دائرة التأثير الفعلي.

على أيّ حال، فإن وليّ العهد الحالي لا يستطيع وحده تحمّل الانتكاسة الأخيرة التي مُنيت بها السعودية أمام مرأى العالم، والإهانة التي مثّلتها له شخصياً، إذ وضعت هذه الانتكاسة، ابن سلمان، مجدّداً، في أزمة لا يبدو أن ثمّة سبيلاً أمامه للخروج منها، معيدةً التذكير بالمغامرات الخارجية التي قادها منذ تولّيه منصب وزير الدفاع عام 2015، ثمّ بعد تولّيه ولاية العهد في عام 2017، والتي فشل فيها جميعاً باستثناء نجاحه النسبي في إخراج الفصائل الموالية للإمارات من جنوب اليمن وشرقه في وقت سابق من العام الجاري - والذي ربّما يكون قد شجّعه على خوض المعركة الأحدث -. وبعدما انتقل ابن سلمان، بالاستفادة من تلك التجارب، إلى سياسة التفاوض والتسويات، جاءت التطوّرات الأخيرة لتُرجِعه إلى المربع الأول، وتعيد المملكة إلى دائرة النار التي كافح هو لإخراجها منها، بما يتيح الانصراف إلى مشاريعه الكبرى التي بنى عليها شرعيته.

ربما تمثّل الظروف التي تمرّ بها المملكة حالياً، ومعها كلّ المنطقة، الاختبار الأقسى لوليّ العهد حتى الآن


حرب اليمن أضفت مزيداً من التعقيد على مأزق ابن سلمان. فهو، في الأصل، كان أمام خيارات صعبة في ما يتعلّق بالحرب على إيران، وذلك نتيجة فشل الهجوم الأميركي – "الإسرائيلي" في تحقيق الأهداف المرجوّة منه، وعدم تمكّنه هو من الضغط في اتجاه وقف الحرب، أو تحييد السعودية بالكامل عنها، علماً أن إيران وفّرت عليه مشاكل كثيرة بعدم استهدافها القوات الأميركية في المملكة، بالكثافة نفسها التي استهدفت بها قواعد الولايات المتحدة في البحرين، والكويت، والإمارات، والأردن، وحتى قطر. ورغم أن ابن سلمان استمرّ في مسار الانفتاح على إيران والحوار معها، إلّا أنه لا يبدو في موقع التأثير - لا على طهران، ولا على واشنطن أو تل أبيب - في سبيل إنهاء الحرب، أو تجنيب بلاده تداعياتها.

لكنّ المأزق تعمّق أكثر مع الفشل في تنويع أطر الحماية. فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رفض التدخّل لصالح السعودية بشنّ غارات على قوات حركة «أنصار الله» في اليمن. لا بل إنه ذهب في اتجاه معاكس مثّل إحراجاً أكبر لابن سلمان الذي طلب منه التدخّل مباشرة في اتصال هاتفي أجراه به، الأسبوع الماضي؛ إذ جدّد ترامب، بشكل غير مباشر، حرصه على التفاهم مع «أنصار الله» على وقف إطلاق النار بينهما، وذلك رغم استثناء الحركة، السفن السعودية، من السماح بالعبور في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. أيضاً، لم يتمكّن ابن سلمان من جرّ حليفتَيه الجديدتَين ضمن «حلف مكة»، تركيا وباكستان، إلى الحرب، ليتبيّن أن الحلف المولود حديثاً، مجرّد حبر على ورق، كما أنه لم يستطع جلب «جهاديين» من سورية للقتال في اليمن على نطاق واسع، خصوصاً أنه خشي ارتداد هؤلاء - لاحقاً - الذين قد يجدون بيئة حاضنة لهم في مجتمع إسلامي محافظ كالمجتمع السعودي، وهو ما يتعارض مع سعيه لإبعاد مجتمعه عن تلك الصورة.
لكنّ المشكلة الحقيقية أمام السعودية هي أنها لا تستطيع اعتماد الخيار السهل الممتنع، والمتمثّل في وقف حرب اليمن باتفاق مع صنعاء، وتحييد نفسها - في الوقت عينه - عن الحرب على إيران، أيضاً باتفاق مع الأخيرة يمنع فعلياً استخدام الأراضي السعودية في الهجوم عليها. بتعبير آخر، مشكلة ابن سلمان الأساسية هي مع الولايات المتحدة نفسها، أكثر ممّا هي مع إيران أو اليمن؛ فهو لا يستطيع الخروج من العباءة الأميركية، وإن كان يملك هامشاً صار يبدو الآن أضيق ممّا كان يُعتقد. والولايات المتحدة، في المقابل، التي تحمي وجود النظام في السعودية بمجرّد أنها تتبنّاه، لا تستطيع توفير حماية حقيقية للمملكة، ولا سيما في ظلّ عجزها أصلاً عن تحصين قواعدها العسكرية وجنودها في الخليج. قد يتعيّن على واشنطن التدخّل إذا كان النظام مُهدّداً من الخارج، لكن هذه ليست هي الحال الآن، علماً أنها هي وحدها التي تستطيع أن تهدّده من الداخل، نظراً إلى إمساكها بكلّ مراكز القوى الداخلية، من أفراد أسرة وأجهزة أمن وقطاعات اقتصادية وشيوخ قبائل، وحتى معارضين. وتلك هي نقطة القوة التي يمكنها من خلالها التحكّم إلى حدّ كبير بخيارات السعودية، في حين أن الهامش الذي يملكه ابن سلمان يتأتّى فقط من أنه استطاع الإمساك بالسلطة، وأنه لا مصلحة للأميركيين في دفعه إلى الحدّ الذي يزيد عليه صعوبة تحمّل تبعات التحالف مع واشنطن، ولا سيما أنهم، بدورهم، اختبروا، في عهد جو بايدن، إمكانية تغيير شكل التحالف مع المملكة، وفشلوا.

ربما تمثّل الظروف التي تمرّ بها المملكة حالياً، ومعها كلّ المنطقة، الاختبار الأقسى لوليّ العهد حتى الآن، وهي التي ستُظهِر إن كان يمكنه استخدام الهامش الذي يملكه، وقيادة البلاد في الاتجاه الذي يريده.

الكلمات المفتاحية
مشاركة