مقالات مختارة
بلال اللقيس – صحيفة الأخبار
ربما لم يحنِ الوقت ما دامت الحرب لم تضع أوزارها بعد ولم تترسم معادلاتها النهائية، لكن، من زاوية معينة، صار بوسع المراقب أن يستشفّ، على ضوء أهم مخاض في تاريخ لبنان الحديث، أي تجربة الأعوام الثلاثة الأخيرة، طبيعة المراجعات التي يُحتمل أن تقوم بها المقاومة، التي كانت ولا تزال تشكّل الحيثية الأهم في حاضر لبنان، والمعضلة الأهم لأميركا و"إسرائيل".
لو سلّمنا بأن المبادئ والأهداف تتّسم بثبات كبير؛ فأيّ مستوى من إعادة النظر والمراجعة نحتاج؟ هل في الأساليب والطرائق، أم أن المراجعة يُتوقّع أن تتجاوز ذلك إلى حدود الافتراضات والمقاربات التي اعتُمدت؟
قاربت المقاومة لبنان الكيان بقناعة وكفاية، وارتبطت به بحب وتعلّق ورضى، وارتضته كياناً نهائياً لجميع أهليه، وآمنت به وبترابه وتميّزه عن كثير من غيره من التجارب العربية وأهمية قيامته. وجافت النزعة السلطوية وشبق السلطة، فتعاطت بروحية الزاهد وبعقلية الذي يقدّم العطاء والبذل على الأخذ والطلب.
والمراقب لخطابها رأى كيف غلّبت نداء القيم والأخلاق وتقديم الواجب على الحق، وافترضت أنه يمكن التعايش مع بلد تعيش غالبية طبقته السياسية الارتهان للخارج، وسلطة مستتبعة في مجالاتها وبنية نظامها، على أمل إمكان إحداث إصلاح تدريجي للوصول إلى دولة سيّدة فمستقلة لكل أهلها، ولو بمسار بطيء، حرصاً منها على الصيغة اللبنانية والحفاظ عليها. وربما تكون بالغت في الإيمان بإمكان بناء مواطنة حضارية عبر دولة قانون تكون أساساً للبنان.
ورجت المقاومة وسعت، منذ إمامها السيد موسى الصدر المغيّب إلى سيّدها السيد نصر الله الشهيد، إلى أن يبلغ لبنان دولة الرسالة، بما تتضمنه الرسالة من قيمية وأخلاقية وعدالة وحرية وإيمان بالإنسان وقداسته. وحاذرت وجانبت أن تفتأ على الحق العام كما تفعل الميليشيات وأحزاب عديدة، أو أن تمارس سلوك ابتزاز، أو أن تقايض مشروع الدولة بأوهام الكانتونات والحمايات واللعب على أوتارها.
وسعت بكل جد إلى أن تكون قوتها في طول فلسفة الدولة وغايتها، ولم تمارس يوماً خطاب تهديد الاستقرار، ولا سلكت هذا المسلك، بل كانت تبالغ في الطمأنة حتى تجرّأ عليها من تجرّأ، مستغلين ذلك كنقطة ضعف عندها.
وطوال مسارها، شجّعت ودعمت أيّ مسعى تقوم به السلطة للقيام بمسؤوليتها العامة، ووضعت نفسها في التصرّف، ووصل بها الأمر إلى أن اقترحت هي على السلطة حواراً لإنجاز استراتيجية دفاعية عن لبنان، وكانت أول من كتب حولها وقدّم رؤيته. وكل ذلك من باب حرصها على لبنان، وللتأكيد على خطابها الجاد لبناء دولة فعلية، ونقض منطق الميليشيات الذي عانى منه لبنان أيّما معاناة.
وذهبت مدى أبعد بنظرية تثمير التنوع لصالح لبنان، بأن تبادر كل قوة أو حزب أو حتى طائفة إلى تجيير علاقاتها الخارجية بما يقوّي لبنان، إن في الاقتصاد أو السياسة أو التسليح للجيش، ولم تترك سبيلاً إلى ذلك إلا وقصدته.
لقد كانت المقاومة بهذا السلوك تؤكد نموذجها البنّاء وحيويتها في الاستجابة لتحديات المجتمع والمستقبل، الذي عادة ما يُنتظر من السلطة. لكن الأخيرة، كحال غالبية دولنا العربية، لا تُرى إلا في دهاليز الصراعات الداخلية والتناحر والفساد والإفتاءات على حق الشعب ومراكمة الثروات، وبذل الجهد لترجمة رغبات الغرب، وأميركا بالذات، في تبادل خدمات مقيت.
فهل لا تزال سلوكيات المقاومة هذه واقعية وممكنة، أم أنها باتت تحتاج إلى إعادة مراجعة وتقييم، سواء في النظرة إلى السلطة، أو إلى القوى فيها، أو إلى مستقبل العلاقة مع المكونات، أو إلى النظام السياسي؟
إن الافتراضات والتصورات تسبق السلوكيات، وتُعرف نجاعتها وفاعليتها في المحكات، والحرب الأخيرة كانت أهم محكّ عاشه لبنان في تاريخه. لقد فرزت وميّزت ووضّحت وأذابت مساحيق عن ادعاءات كثيرة ادعاها لبنانيون وادّعتها السلطة أو بعضها، وظهرت أمور تحتاج بالفعل إلى إعادة تفسير سبب المشكلة اللبنانية وفهمها بشكل أعمق للعمل على معالجتها.
إن الحرب المستمرة في المنطقة وتحوراتها اعتُبرت، باعتراف العالم أجمع، وبلسان أميركا وإسرائيل، أنها وجودية، وأن هدفها إعادة إنتاج هيمنتهما على المنطقة والعالم. وجميع أهل الرأي والفكر في العالم نوّهوا بأن هذه الحرب شكّلت أعلى مراحل الصراع التاريخي على الكرامة الوطنية والإنسانية قبل أي شيء آخر.
السؤال التلقائي: لماذا لم يصل هذا الإدراك إلى عدد من القوى اللبنانية، فضلاً عن السلطة؟ هل لقصور أم لغاية؟
فالأولى، أي القصور، تفيدنا بأن لبنان لم يرقَ عقله الجمعي بعد إلى مستوى النهوض بفكرة الدولة ونصابها الأخلاقي ومقتضياتها العقلية. وإذا كان لغاية، فهذا يعني أن لبنان يفتقر إلى إرادة بناء وطن، فضلاً عن بلوغ دولة، وأن قرناً من الزمن لم تنجح فيه الدولة (السلطة) في أن تصنع شعوراً وطنياً، بسبب غياب الإرادة والفهم الصحيح لمعنى الدولة وتعريف الخير العام، حتى إن ذهبت السلطة فيه وبعض القوى مذهب الاستقواء بالخارج على الداخل والشريك.
نعم، أقرّ العالم أجمع أن الأمن المتصارَع عليه في هذه الحرب الكونية ليس أمن جهة أو جماعة بعينها، حتى لو كان الصراع معها بالخصوص في هذه المرحلة، وإنما هو أمن العالم وإنسانه، الذي تعمل الإدارة الأميركية وربيبتها الصهيونية على إخضاعه ليتطبع مع استلاب كرامته والتخلي عن حقه، فضلاً عن تهديد أمنه الفيزيائي.
هكذا يمكن أن تتقبل الحكومات والدول «المتقدمة» في القرن الحادي والعشرين حال جماعة بشرية معذّبة في سجن كبير، دون أفق، كسجن شعب غزة، ولا يُسمح له حتى بأن يسعى في حقه في الحياة الكريمة. وأكثر ما يمكن أن تمنّ عليه مؤسسة دولية هو أن تعترف له بحقه القانوني، دون تحديد أي طريق إلى كيفية بلوغه.
واستمر الجرح واغراً في قلب البشرية وكرامتها، ولطّخ وجهها، بينما كانت تُبثّ صور المجازر المروعة على الشاشات، ويُراد للبشرية أن تتأقلم مع إرهاب الدولة، وتسلّم لقاتلها الجديد، وتهجر حقها وتصورها للحياة وقيمها لصالح نظام الإبادة والهيمنة والقوة والغاب.
لقد فُرزت البشرية على وقع هذه الحرب أيّما فرز، وانقسمت أيّما انقسام، وتراها تعيد تشكيل العقول والهويات.
شكّل لبنان بامتياز نموذجاً لمفارقات عالمنا الكبرى. عاش انفصاماً في الشخصية. بلد «الحريات والقيم والحقوق والرسالة والتحضر وتفاعل قيم الإسلام والمسيحية والإيمان»، نحت سلطته وغالبية قواه للاستكانة والتغاضي والتهرّب من الموقف، بل خذلان الحق. وبعضهم صفّق للقاتل وهلّل، فلم يبادر، ولو بمبادرة خجولة، لا قانونياً ولا إعلامياً -بل برّأت سلطته إسرائيل عندما تخلّت عن حق ملاحقة الكيان على جرائمه في اتفاق الإطار- ولا حتى بتظاهرة أو خطاب إدانة جدي ومؤثر من السلطة السياسية والدينية، من خارج قوى المقاومة.
بل نفضوا يدهم من فلسطين وإنسانها، كما من جنوب لبنان وإنسانه، ومما يحصل فيهما من انتهاك فظيع لكل الحقوق الفردية والجماعية، بل للطبيعة والذاكرة. ولم تكن النخب وأهل الرأي في لبنان أفضل حالاً من الساسة وبعض رجال الدين.
بينما رأينا في الجهة المقابلة شيئاً مختلفاً. رأينا كيف انحازت شعوب وقوى وصروح علمية عريقة إلى الإنسانية أكثر من غالبية اللبنانيين والعرب. علماً بأن المخاطر المحتملة عليهم كبيرة، وأنهم بعيدون جغرافياً، وأن التهديد عليهم ليس مباشراً، لكنهم قدّموا الأمن الأنطولوجي والإنساني على الفيزيائي، فتجاوزت المواطنة عندهم مفهومها العصبوي الطائفي الارتكاسي المقفل، كما ظهر عند غالبية اللبنانيين.
ولم يتوقف حراكهم على انفعال عفوي ممدوح فحسب، بل اتجهوا إلى ترجمة غضبهم في إجراءات، وصولاً إلى صناديق الاقتراع، للتأثير في القرار الخارجي لحكوماتهم. كما كان لهم السبق في مبادرات فك الحصار عن غزة، وتوضيح الحقيقة للعالم عبر الإعلام، وعبر مقاضاة مجرمي الكيان الصهيوني -وهو ما لم تقم به جماعات وأحزاب وسلطات عربية ولبنانية- في المحاكم الوطنية والعالمية.
فشرعوا في الانتقال من العاطفة إلى الموقف، بضرورة معاقبة إسرائيل وإجرامها وعنصريتها وتهديدها للأمن الإنساني، كما رأوه.
ترى، ما سبب هذا التضاد بين النموذجين اللبناني والخارجي؟
والأخطر أن بعض اللبنانيين ذهب خطوات متطرفة وارتدادية، فسارعوا في أميركا، وبعضهم ذهب بعيداً في استعداء شريكه ومحاولة الانقضاض عليه وتشييعه حيّاً، والمجاهرة برغبته في التقرّب العلني من "إسرائيل" وممارسة إنهاء العداء معها، كمقدمة للتطبيع الذي تبنّاه رئيس السلطة في لبنان برئاسة جوزيف عون.
فهل الدولة، في فهم هؤلاء، هي قفص نُسكن فيه بشراً، أم أن الدولة هي لحظة تصعيد حضاري ونصاب أخلاقي وإنساني، تعبّر عنها مواطنة متحضرة، كما يقول العلم والعقل؟ ولماذا لا تستطيع دولنا العربية أن تدرك هذه المعاني والأبعاد بعد عقود، يا ترى؟
أوليس من حقنا أن نخشى على المستقبل أكثر؟ لأن خطر الفراغ الأخلاقي والدرك والحضيض الذي وصلت إليه لا يقلّ خطراً عن فراغ تخلّيها عن مسؤولياتها في الأمن، وعجزها عن إشباع أهليها بمعنى الانتماء الإنساني!
فهل وجب، بعد هذه الحرب، على القوى الحية ألّا تملأ فراغ تقصير الدولة في السلع العامة، كالأمن وغيره، فقط، وإنما أيضاً أن تتقدم لانتشال ما تبقى من الدولة واستنقاذها من تخلفها وارتكاسها الأخلاقي والحضاري، عبر نموذج لمواطنة يحسمه أهل الأرض ومن تعاون معهم، وحافظ على الثوابت والحدود الإنسانية والقيمية، ولم يغادر مربع الكرامة والأنفة؟
قد يقول قائل: هذا اكتشاف متأخر في فهمنا للبنان، ويستشهد بتاريخ بعيد وقريب، ويذكّر بالحرب اللبنانية والداعشية التي مارستها قوى وجماعات لبنانية «متحضرة»! ثم يستحضر ما بعد الحرب، فيقول إن المقاومة التي أتت بأول انتصار في التاريخ للعرب واللبنانيين عام التحرير 2000، ثم 2006، وأهدته للبنانيين والعرب، استنكر عليها البعض انتصارها، وذهب آخر إلى اعتبار عملاء إسرائيل شهداء وأبطالاً، وبرّر لهم فعلتهم بالواقعية والخصوصيات المذهبية. ويذكّر كيف منعت السلطة أن ينتقل هذا النصر من عاطفة صادقة جامعة حينها إلى وعي جمعي وثقافة سياسية في لبنان، ثم في واقعنا العربي والإسلامي!
حينها كان على بيئة ومجتمع المقاومة أن تقطع الشك باليقين لجهة أن استعداد بعض اللبنانيين والسلطة في لبنان -إلا ما ندر- وطبيعة النظام السياسي، لا يرقى إلى تلقّف نصر وتحرير، وبقبول أن حاجتهم إلى التحرر أولى من التحرير.
أبعد من ذلك، إن نشأة أغلب كياناتنا العربية، أو ما نسميه مجازاً دولنا، ومنها لبنان، قامت على التبعية للغرب أو الانقياد لسلطان المال، لا القيم، ولم يخرج البعض من حال القائمقامية ولا المتصرفية، إذ لا يزال يعتقد أن الحماية من الخارج هي الأصل والأساس، وهو يستمر في الارتهان للخارج بحثاً عن الحماية، ولم يستوعب معنى أنه دخل طوراً كيفياً جديداً اسمه الدولة، وليس كمياً أو توسعاً جغرافياً اسمه لبنان الكبير!
لقد افتقدت حكوماتنا أدنى مقومات ثقة شعوبها، فازدادت تسلطاً وديكتاتورية، وذبحت حرية شعوبها بإطباق غربي، وأحياناً شرقي، ذات يوم.
ولا يخرج عن ذلك طبيعة النظام السياسي اللبناني الذي صيغ بالرعاية الفرنسية ـ البريطانية في الميثاق، ثم الأميركية في الطائف. صيغ كي لا ينهض بسيادة واستقلال فعلي وعدالة، ولا بسياسة خارجية متوازنة وندية، بل وُلد ليعيش التبعية المغفّلة؛ فالنظام لا يحمل بذور تطوره، بل استحالة استقلاله، بل نزوعه إلى الاستتباع.
باختصار، إن هذه الحرب أزالت المكياج والدعاوى التي تظاهر بها لبنان، والتكاذب، وأعادت لبنان إلى هيئته الأولى، أي «ما قبل الدولة»، وأكدت حاجة فعلية إلى المصارحة، وإلى مطارحة نصاب الأهلية الأخلاقية للسلطة في لبنان وعديد من الأحزاب والمؤسسات، بل والنظام السياسي، إذ ثبت تخلف في استيعاب معنى الدولة كفكرة، وتراجع حاد في مؤسسة الضمير التي عادة ما تلوذ إليها الجماعات إذا ضعفت المؤسسات النظامية أو ماتت.
ربما يتطلب ذلك من المقاومة، كأكبر مذهب فكري وعملي في لبنان، بجمع من يجمع من قوى وأحزاب وجماعات، ومن انضم إليه حالياً من وافدين جدد، أن تضيف إلى واجبها الوطني في التصدي للمحتل الإسرائيلي ودحره، مقاربات وأدوات وطرائق «غير تقليدية» لاسترجاع الدولة كمفهوم وكينونة حضارية، قبل تلاشيها الكامل باستمرارها في مسار الهروب من الذات والتبعية المغفّلة لإمبراطورية إبستين - ترامب، والاستهانة بآخر شبكة أمان، أي مؤسسة الضمير ونصاب الأخلاق.