عين على العدو
قال اللواء في الاحتياط "الاسرائيلي" يتسحاق بريك "عندما يُسألني عمّا سيكون عليه المستقبل، أجيب بسؤال: هل سنكون هنا أصلًا بعد بضع سنوات؟ يتوقف ذلك على سلسلة من القضايا الصعبة جدًا على الحل، والمترابطة بعضها ببعض، وبعضها بات أصلًا على شفا نقطة اللاعودة من حيث إمكانية حلها. وإذا لم ننجح في معالجة جميع هذه القضايا واحدة تلو الأخرى، وبعضها بالتوازي، فلن نكون هنا بعد بضع سنوات.
وفي مقال له في صحيفة "معاريف"، أشار الى "أننا نتحدث عن سلسلة من الحلقات، كل حلقة منها حاسمة لاستمرار وجودنا في "إسرائيل":
أ. الموضوع الأول والضروري لمواصلة الطريق هو الخروج من حالة الإنكار والكبت التي تحيط بمعظم الجمهور، والاعتراف بوضعنا الحقيقي من دون مواربة. فمن دون الاعتراف بالحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة جدًا، لا يمكن علاج المرض الخطير الذي نحن فيه.
ب. الفوضى في المنعة "الوطنية": نحن اليوم مجتمع قبلي يتفكك من الداخل، وتشتعل الكراهية بين اليمين واليسار، والمتدينين والعلمانيين، والعرب واليهود، الأمر الذي لا يتيح لنا تشبيك الأيدي والعمل معًا على القضايا المهمة للجميع، مثل الأمن، والاقتصاد، والعلاقات بين القوميات، والتعليم، والطب، والبنى التحتية، وغيرها. فالمصالح القبلية تتغلب على المصالح الوطنية، وفي غياب قوة موحّدة، لا توجد أي وسيلة لإخراج " اسرائيل" من المستنقع الذي غاصت فيه عميقًا. وحتى لو ظهر قائد ذو قامة وقدرات عالية، فمن دون توحيد أجزاء الشعب للعمل المشترك، لا أمل لنا.
ج. العلاقات الدولية هي إكسير الحياة لكل دولة في العالم. والمقصود بذلك العلاقات التجارية والاقتصادية، والتصدير والاستيراد، والعلاقات الأكاديمية والتطوير في مجالات العلم، والتكنولوجيا، والفضاء، والبحر والبر، وكذلك العلاقات الأمنية، وشراء وسائل قتالية، واستيراد المكوّنات التي تفتقر إليها "إسرائيل" من أجل تطوير وإنتاج وسائل قتالية في "إسرائيل".
وكذلك، يشمل الأمر إبرام تحالفات واتفاقيات "سلام مع دول كثيرة، والاعتماد على قوة عظمى مثل الولايات المتحدة تضمن بقاءنا سنوات طويلة أخرى، في مواجهة واقع يهدد "إسرائيل" من جميع الجهات. كل هذه الأمور نفقدها خلال السنوات الثلاث الأخيرة من الحرب. لقد أصبحنا "دولة" منبوذة بسبب النفور منها، ونحن في خضم عملية متقدمة لفقدان الولايات المتحدة كدولة صديقة وداعمة. ونحن نفقد دول أوروبا، بعد أن أعلنت 12 دولة منها، بقيادة بريطانيا، فرض عقوبات ومقاطعة اقتصادية على المستوطنات في الضفة الغربية. لكن بسبب الترابط الاقتصادي الوثيق بين كل ما هو غير موجود في الضفة وبين المستوطنات، فإن الأمر يتعلق في الواقع بعقوبات ومقاطعة اقتصادية على "إسرائيل" بأكملها.
إذا استمرت هذه العملية، فلن تكون لدى "إسرائيل" القدرة على مواصلة البقاء.
د. الاقتصاد هو العمود الفقري والركيزة الأساسية لأمن كل "دولة". ومن دون اقتصاد سليم، لا يمكن دفع "الدولة" قدمًا في أي مجال. فالاقتصاد الهش يؤدي إلى تآكل النشاط الحكومي، وإلى إحباط عميق لدى الجمهور، وإلى فقدان كامل للثقة بالقيادة. كما يؤدي هذا الوضع إلى إلحاق ضرر بالغ بالقدرة على إعادة بناء الجيش "الإسرائيلي" بعد الحرب، ويمنع توسيع البنى التحتية للمواصلات — في وضع يقف فيه "الاسرائيليون" اليوم أصلًا ساعات طويلة في الاختناقات المرورية، الأمر الذي يؤدي إلى خسارة هائلة في أيام العمل، ومعها أموال كثيرة.
والاقتصاد المنهار يجرّ وراءه انهيار أنظمة التعليم، والطب، والعلم، والتكنولوجيا، والأكاديميا، والبنى التحتية للإنتاج، والأبحاث الرائدة، وانهيار الجيش. والنتيجة المباشرة لذلك هي هروب جماعي إلى الخارج لأفضل الأشخاص في جميع المجالات.
هذا الوضع يؤدي إلى توقف النمو، وإلى ركود اقتصادي، وإلى إلحاق ضرر شديد بالقدرة على مواجهة التحديات الأمنية والاجتماعية والدولية، ولاسيما عندما يواصل هذا المبلغ الهائل تضخمه من سنة إلى أخرى. وهذا لا يتيح الحفاظ على اقتصاد سليم على المدى الطويل، ولا يتيح دفع"اسرائيل" قدمًا في أي مجال؛ بل على العكس، سيقودها إلى حافة الانهيار في جميع مجالات الحياة مع تداعيات مدمرة وكارثية.
لقد حدث كل هذا الواقع نتيجة نهج مستوى سياسي امتنع على مدى سنوات طويلة عن إدارة الدولة بمسؤولية. لقد رأينا وزراء يفتقرون إلى فهم أساسي للمجال الذي يتولون مسؤوليته، وكثيرين منهم يفتقرون تمامًا إلى القدرة. ولذلك، يجب في الحكومة الجديدة تعيين مهنيين بارزين في المناصب الرئيسية، وليس سياسيين تنصبّ كل اهتماماتهم على الصغائر السياسية، والبقاء الشخصي، والتفكير على المدى القصير، من دون أي رؤية أو تصور استراتيجي على المدى البعيد.
هـ. يمر نظام التعليم في "إسرائيل" خلال السنوات الأخيرة بأزمة عميقة ومتواصلة، تنعكس سواء في المؤشرات الدولية الرسمية أو في المعطيات داخل "إسرائيل". وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في حجم الميزانيات الحكومية المستثمرة في التعليم، فإن الإنجازات على أرض الواقع تشهد تراجعًا حادًا ومقلقًا.
و. الأمن الاستراتيجي: منذ أن حدّد دافيد بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي مفهوم الأمن الخاص بالجيش "الإسرائيلي" و"الدولة"، لم يُحدَّث مفهوم الأمن، رغم أن طبيعة الحروب تغيّرت من النقيض إلى النقيض، وأصبحت الجبهة الداخلية الجبهة الرئيسية في الحروب الحالية والمستقبلية، بواسطة الصواريخ، والقذائف الصاروخية، والطائرات غير المأهولة.
ونتيجة لمفهوم ساد لدى المستوى السياسي والمستوى العسكري قبل عشرين عامًا، ومفاده أن الحروب الكبرى أصبحت من الماضي وأنه يمكن تدبير الأمور بجيش صغير، وتكنولوجي وهجومي، جرى تقليص حجم القوات البرية في السنوات الأخيرة بمقدار الثلثين. وبسبب ذلك، لم يكن في مقدور الجيش "الإسرائيلي" حسم أي جبهة خلال حرب السنوات الثلاث، كما لا يملك الجيش القدرة على الدفاع عندما تندلع في المستقبل حرب شاملة متعددة الجبهات ضدنا في الوقت نفسه.
وثمة حاجة فورية إلى أن تحدّث القيادة الجديدة مفهوم الأمن الاستراتيجي لـ"إسرائيل"، وأن تأمر الجيش الإسرائيلي بإعداد نفسه لمواجهة تهديدات المستقبل، التي تتطور بوتيرة مذهلة، من حيث حجم ترتيب القوات، والتكنولوجيا والقوة البشرية، بحيث يتمكن الجيش من الدفاع وحسم المعارك في النقاط الحرجة.
ز. يكشف الواقع الحالي في "إسرائيل" عن عمليات عميقة ومقلقة من التآكل الأخلاقي والمؤسسي. فظواهر فساد الأخلاق، وتفضيل رأس المال-السلطة، واستخدام الآليات العامة لأغراض غريبة عنها، تلحق الضرر بالتماسك الاجتماعي والمناعة الوطنية.
وخلص الى أن "الفساد والتعفن في الحكم تحوّلا خلال السنوات الأخيرة إلى مرض خبيث تفشّى في قمة القيادة السياسية والعامة لـ"إسرائيل"، وبدلًا من أن يكون السياسيون وكبار المسؤولين أوفياء للجمهور وأن يكونوا نموذجًا للنزاهة، حوّل كثير منهم مراكز القوة إلى قلاع شخصية وقطاعية"، خاتمًا "لم يعد الفساد في القمة حادثة موضعية أو "تفاحة فاسدة" منفردة، بل أصبح نمط عمل منهجيًا ينخر في الأسس الحكومية والديمقراطية، ويهدد بإسقاط "الدولة" من الداخل إذا لم يتم وقفه فورًا وبيد من حديد".