مقالات
إعلامي وباحث في الشأن السياسي
يعيد مشهد التطورات السياسية والعسكرية في المنطقة رسم ملامحه العامة على وقع تحركات واشنطن و"تل أبيب" لإعادة صياغة الخريطة الأمنية في جنوب لبنان، وليس الحديث الدائم عن تقليص دور قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) وصولًا إلى إنهاء تفويضها المحتمل بحلول نهاية عام ٢٠٢٦ والانسحاب التدريجي خلال عام ٢٠٢٧ وليد لحظته، بل هو امتداد لمسار تاريخي تعود جذوره إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي.
ففي المرحلة الانتقالية المعقدة بين عامي ١٩٩٨ و٢٠٠٠، والتي سبقت الاندحار "الإسرائيلي" عن لبنان في أيار ٢٠٠٠ قادت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون تحركات دبلوماسية مكثفة بالتنسيق مع عواصم عربية، كالقاهرة وعمان، لتأمين الحدود الشمالية للكيان الصهيوني في حال خروج قواته من الجنوب اللبناني، وكان الهدف الأساسي آنذاك يتركز حول البحث عن "بديل أمني" يحمي المستوطنات "الإسرائيلية" شمال فلسطين المحتلة، ويدير مرحلة ما بعد الانسحاب دون ترك أي فراغ يستغله حزب الله، خصوصًا مع الذعر من انهيار ميليشيا جيش لبنان الجنوبي بقيادة العميل أنطوان لحد.
مشروع التسعينيات (١٩٩٨ - ٢٠٠٠)
في تلك الفترة راجت معلومات عن السعي لفرض "قوات متعددة الجنسيات" بمشاركة دولية وإقليمية تضم مشاركة فرنسية - أردنية لتأمين ما كان يسمّى "الشريط الحدودي" وتدريب أجهزة أمنية بديلة وحماية خطة الانتقال، أو فرض مظلة أمنية وسيطة لتفادي التصعيد بعد الانسحاب.
وقد سقط هذا المقترح كليًا في مهد المداولات الدبلوماسية المغلقة قبل أن يتجاوز حد الأفكار، وذلك أمام الرفض اللبناني والسوري الصارم في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد؛ إذ اشترطت بيروت ودمشق الالتزام الحصري بالقرار الدولي ٤٢٥ دون أي ترتيبات أمنية مجزأة أو استبدال اليونيفيل بقوات فرض شروط سياسية. وجاء الانسحاب "الإسرائيلي" المفاجئ والعاجل على إثر الانهيار السريع لميليشيا لحد لينهي كافة الترتيبات الانتقالية، وتستقر الأوضاع عند توسيع نطاق انتشار قوات "اليونيفيل" القائمة منذ عام ١٩٧٨ ودخول الجيش اللبناني تدريجيًا دون الحاجة لقوة أجنبية بديلة.
الاستراتيجية الراهنة (٢٠٢٤ - ٢٠٢٦)
يتكرر المنطق الذهني ذاته ولكن بأدوات مختلفة، حيث تهدف التحركات الحالية إلى إلغاء مظلة الأمم المتحدة التي باتت تعتبرها "تل أبيب" وواشنطن عائقًا أمام ضبط الحدود بالمعايير الشديدة المطلوبة إسرائيليًا، أو قوة غير قادرة على منع التسلح والأنشطة العسكرية والتفتيش المباشر.
وعند عقد مقارنة بين المبادرتين، يتضح أن الهدف الأمني الرئيسي في المشروع القديم كان يتركز على منع ملء الفراغ بعد الانسحاب الأحادي وضمان عدم سقوط الترتيبات مع تهاوي ميليشيا لحد، بينما يركز المشروع الراهن الممتد حتى عام ٢٠٢٧ على إنهاء المظلة الدولية وإلغاء قيود القرار ١٧٠١.
أما من حيث الأداة المقترحة، فقد اعتمد طرح التسعينيات على مقترح القوات متعددة الجنسيات (الفرنسية - الأردنية)، في حين تعتمد الخطط الحالية على تحويل الجيش اللبناني لمباشرة هذه المهمة بضغوط واشتراطات أمنية تحت إشراف وغطاء دولي. وعن الغطاء الدولي، كان المشترك سابقًا هو محاولة إيجاد ترتيبات أمنية موازية خارج نطاق القرار ٤٢٥، بينما ينحو المسعى الحالي إلى إنهاء تفويض "اليونيفيل" وتوجيه الدعم المالي واللوجستي المشروط للجيش.
وفي التحديات وأسباب العرقلة، واجه مشروع التسعينيات صخرة الرفض اللبناني - السوري الصارم والانهيار السريع لجيش لحد، في حين يصطدم المخطط الراهن بخطورة الانقسام السياسي الداخلي الحاد وتبعات التصدع في العقيدة العسكرية للجيش.
الجيش اللبناني من مؤسسة ضامنة للداخل إلى حارس للحدود
إن الجوهر الخفي للمخطط الأميركي - "الإسرائيلي" الراهن يتجاوز مجرد الانسحاب اللوجستي لقوات الأمم المتحدة. إنه يستهدف إعادة تعريف الوظيفة الوجودية والعقائدية للجيش اللبناني، حيث تسعى الاستراتيجيات الغربية إلى تقديم إغراءات مالية ولوجستية لتمكين الجيش ومؤسسات الأمن الداخلي، ولكن بشرط ضمني وصريح وهو تحويل الجيش من مؤسسة دفاعية ذات عقيدة قتالية تتصدى للاعتداءات "الإسرائيلية" إلى قوة تنفيذيّة تتولى منع عودة أو نشاط المقاومة جنوب نهر الليطاني، ومراقبة الحدود، وإحباط أي محاولات لبناء قدرات الردع أو المقاومة لصالح أمن "تل أبيب".
إن تجريد الجنوب من مظلة "اليونيفيل" وتحميل الجيش المسؤولية المباشرة والمطلقة أمام المجتمع الدولي يضعه تحت مقصلة الضغط السياسي والعزلة المالية والإملاءات الدولية متى ما ظهر أي تحرك مناهض للهيمنة "الإسرائيلية"، ويهدف هذا الضغط الدبلوماسي إلى دفع الحكومات المتعاقبة وقيادة الجيش لمواجهة المكونات الشعبية والحزبية المناهضة للسياسات الأميركية - الصهيونية، ما يضع المؤسسة أمام خيارين: إما الانسياق لترتيبات أمنية تؤدي إلى قمع المعارضة الداخلية وتأمين الحدود لصالح الاستقرار "الإسرائيلي"، وإما مواجهة العزلة الدولية والانقسام الداخلي الحاد حول كيفية إدارة "الشريط الحدودي الجديد" والسيادة الوطنية.
يقوم التوازن الوطني داخل الجيش اللبناني على تركيبة مجتمعية وسياسية حساسة تعكس الواقع اللبناني. وإذا ما أُكره الجيش على لعب دور "الشرطي الحدودي" الصارم وتطبيق إملاءات تمنع حركة المقاومة بالقوة، فإن ذلك يضعه في اختبار حرج بين الحفاظ على تماسك المؤسسة والعقيدة القتالية الوطنية، وبين تفادي العقوبات، ما يهدد بحدوث انقسامات وتصدعات داخلية وتكرار سيناريوهات التفكك الانعزالي التي شهدها لبنان في محطات سابقة من تاريخه.
التحديات القدراتية والاستراتيجية للجيش
يروج المخطط الأميركي - الصهيوني لإمكانية استبدال "اليونيفيل" بالجيش اللبناني فورًا، غير أن قراءة ميدانية محايدة تظهر وجود عوائق هيكلية تمنع المؤسسة العسكرية من سد هذا الفراغ بمفردها دون التعرض للانكشاف، وأهمها:
أولًا: التحديات العسكرية والتكنولوجية والنقص في التسليح والأنظمة الدفاعية، حيث يعاني الجيش اللبناني من غياب منظومات الدفاع الجوي الحديثة، والآليات المدرعة الثقيلة، وشبكات الرادار والتنصت المتطورة، ما يجعله مكشوفًا أمام أي تفوق جوي أو تقني "إسرائيلي" ويحد من قدرته على الردع.
ثانيًا: العجز في أنظمة المراقبة والرصد، فقد كانت قوات "اليونيفيل" توفر بنيات تحتية متقدمة للمراقبة والإنذار المبكر (كاميرات حرارية، أبراج مراقبة، أجهزة استشعار، وطائرات مسيرة)، وغياب هذه الإمكانيات يضعف قدرة الجيش على تغطية الحدود الممتدة بفعالية.
ثالثًا: تحديات التدريب والعمليات التكتيكية، فإن إدارة الأزمات الحدودية تتطلّب تدريبات تخصصية في التعامل مع الألغام، وإدارة الحدود المتقدمة، وحرب العصابات، والتنسيق الاستخباري للتحوّل من الانتشار الرمزي إلى الانتشار العملياتي الكامل.
رابعًا: التحديات اللوجستية والمالية، حيث تؤثر الأزمة المالية المباشرة التي يرزح لبنان تحت وطأتها على رواتب الضباط والجنود وعلى القدرة الاستيعابية لتغطية تكاليف المحروقات والصيانة وقطع الغيار للآليات والتجهيزات.
خامسًا: تأمين السبل اللوجستية للانتشار المكثف، فإن تغطية كامل منطقة جنوب نهر الليطاني وحتى الحدود تتطل نشر آلاف الجنود وتوفير ثكنات ومراكز مراقبة وسلاسل إمداد يومية بالوقود والذخيرة والتموين والطبابة.
سادسًا: تلاشي الدعم والتمويل الأممي المباشر، فقد كان الاعتماد الجزئي على التنسيق اللوجستي مع اليونيفيل (دوريات مشتركة، مساندة هندسية، وتسهيل إمدادات) يقلل الأعباء، وخروج القوات الدولية يرفع العبء التمويلي واللوجستي كاملًا على عاتق الدولة.
سابعًا: التحديات الاستراتيجية والميدانية، حيث ينتشر في مناطق الجنوب آلاف الألغام والقنابل العنقودية نتيجة العدوان الصهيوني، وخروج "اليونيفيل" يحرم المنطقة من فرق الهندسة الأممية المتخصصة.
ثامنًا: ضبط خطوط التماس والحدود، فإن غياب آليات التنسيق الثلاثي (التي تضم الجيش اللبناني واليونيفيل والعدو) يزيد من مخاطر الاحتكاك المباشر والاشتباكات الفردية أو غير المحسوبة على الخط الأزرق.
تاسعًا: التوازن بين المهام الداخلية والخارجية، حيث يتولى الجيش مهمة حفظ الأمن الداخلي في كافة المحافظات، وتكثيف الانتشار جنوبًا يضغط على أعداده المتوفرة للحفاظ على الاستقرار العام.
انحسار الغطاء الدولي وانكشاف السيادة اللبنانية
يشكل انسحاب قوات "اليونيفيل" أو تغيير تفويضها تحولًا بنيويًا ينزع آخر أشكال الغطاء الدولي عن الأراضي اللبنانية، ما يؤدي إلى انكشاف الجنوب أمام التوغل العسكري والاعتداءات المباشرة، ليصل الحاصل النهائي إلى وضع الحكومة اللبنانية والجيش تحت الابتزاز الدائم والضغط المالي والسياسي الدولي، وشرعنة الخروقات المباشرة، فضلًا عن وضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال بعد إلغاء التمايز الذي توفره آليات التنسيق الثلاثي، ويجعل هذا التحول أي حادث حدودي مرشحًا للتصاعد السريع، مع تحميل السلطات اللبنانية المسؤولية الحصرية المباشرة أمام المجتمع الدولي عن أي تحرك جنوب الليطاني، ما يضع الحكومات بين فكي العزلة الدولية والضغط الاقتصادي أو التفجير السياسي الداخلي.
بين مطرقة الشروط الأميركية وسندان التماسك الوطني
إن الإصرار الأميركي- "الإسرائيلي" على إنهاء ولاية "اليونيفيل" وإحلال الجيش اللبناني بشروط وضوابط أمنية مشددة ليس مجرد إجراء لوجستي لتحديث القرارات الدولية، بل هو استكمال لمشروع أمني تعثر عام ٢٠٠٠ ويُعاد طرحه اليوم بأدوات أكثر ضغطًا وخطورة، فهذا المشروع يحاول فرض واقع جديد يضع الجيش اللبناني أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التحول إلى "حارس حدود" لحماية الأمن "الإسرائيلي" وقمع أي حركة معارضة في الداخل، وإما مواجهة العزلة والانهيار المالي والانكشاف الميداني. وأمام هذه التحديات المفصلية، يتضح أن الحفاظ على عقيدة الجيش الوطنية وتماسكه الداخلي مع بيئته المجتمعية يمثل الخط الأحمر الأخير لمنع تحويل الجنوب إلى منطقة نفوذ أمني مكشوفة، ولدحر محاولات تفكيك السيادة الوطنية تحت عناوين الدعم والتأهيل الدولي، وهنا تتأكد من جديد صوابية المعادلة الوطنية: شعب - جيش - مقاومة التي وحدها تشكّل الضمانة الوحيدة لحفظ السيادة وتحرير الأرض وحماية الحدود.