اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "كلمات من نور 2".. توثيقٌ لخطابات السيد الهاشمي مع مدارس المهدي

خاص العهد

مبادرة
🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

مبادرة "وثاقية".. الوقائع تُحفظ والرواية تُكتب على حقيقتها

96

صفا عز الدين 

في معركة الرواية والذاكرة والشرعية، يبرز سؤال أساسي: ما الذي كان موجودًا قبل العدوان؟ صورة الركام تُثبت وقوع التدمير، لكنها لا تُثبت وحدها تاريخ البيت، ولا محتويات المكتبة، ولا وظيفة الساحة، ولا أسماء من عملوا في السوق.

عملية التوثيق تحتاج إلى سجليْن متكامليْن: الأول يوثّق المكان قبل تدميره: اسمه المحلي، وإحداثياته، وملكيته، وتاريخ بنائه، ووظيفته أو استخدامه، وما كان يضمه، إلى جانب الصور والشهادات والوثائق المرتبطة به. أما الثاني، فيوثّق فعل التدمير نفسه: تاريخه، ووسيلته، ومصدر المعلومات، والفاعل المنسوب إليه، ودرجة التحقق، وما تثبته المادة الموثقة تحديدًا.

بهذا المعنى، لا يحفظ السجل الأول صورة المكان فحسب، بل يحفظ معنى ما كان قائمًا فيه، فيما يحوّل السجل الثاني واقعة التدمير إلى ملف يمكن تتبع عناصره والتحقق منها. هنا يبرز مشروع مبادرة "وثاقية" التي تعمل على بناء هذا النوع من السجلات، بحيث لا تختزل الذاكرة في صورة الركام، بل يبقى ما كان موجودًا قبل التدمير جزءًا من الرواية الموثّقة.

 

مبادرة "وثاقية".. أكثر من 3500 وثيقة من الأرشيف العائلي

في حديثها عن تأسيس المشروع وآلية عمله، توضح الأستاذة أماني رمال، مؤسِسة مبادرة "وثاقية"، أن المبادرة تنشط منذ عام 2017، انطلاقًا من جمع المواد الأرشيفية الموجودة في المجموعات الخاصة للعائلات اللبنانية، ولا سيما ما يرتبط بتاريخ الاحتلال "الإسرائيلي" والاعتداءات على لبنان والمقاومة، بهدف حفظها وإتاحتها للباحثين والمهتمين، وجعل الأرشيف العائلي والذاكرة الشعبية مصدرًا لكتابة التاريخ من الأسفل.

وتشير رمال إلى أن المبادرة تمكّنت، قبل بدء حرب الإسناد، من جمع أكثر من 3500 وثيقة، مع التركيز على تنوعها وقيمتها التاريخية والجغرافية، لا على عددها فقط. وتضم المجموعة وثائق تعود إلى قرى اقتُطعت من الجغرافيا اللبنانية، وأخرى مرتبطة بفترات الاحتلال والإدارة المدنية التابعة له، إلى جانب مواد صادرة عن جيش العميل أنطوان لحد وجيش العدو، ووثائق الأسرى في معتقلي أنصار والخيام، وأرشيف الأحزاب والجمعيات، فضلًا عن المذكّرات والرسائل والصور التي توثق يوميات الناس وتجاربهم مع الاحتلال والمقاومة.

لكل وثيقة حكاية

تضيف رمال أن عمل المبادرة لا يتوقف عند جمع الوثيقة، بل تقوم بتطوير مشاريع تستهدف الوصول إلى شرائح مختلفة من المجتمع، ومن بينها مشروع "لكل وثيقة حكاية"، الذي أُنجز في التاسع من شباط/فبراير 2025، وقدّم تاريخ الاحتلال واعتداءاته على لبنان من خلال الوثيقة، إلى جانب "مشروع مذكرات" الذي يدرّب شبابًا بين 20 و30 عامًا على تدوين مذكراتهم الشخصية، في محاولة لإدخال التجربة الفردية في عملية كتابة التاريخ وتوثيقها قبل أن تضيع تفاصيلها.

كذلك تلفت رمال إلى أن المبادرة تسعى من خلال مشاريعها إلى المساهمة في بناء جيل أكثر وعيًا بتاريخ الاحتلال وسياساته، عبر الانتقال بالوثيقة من مكانها المحفوظ في الأرشيف إلى مادة يمكن رؤيتها وقراءتها والتفاعل معها، ما يجعل الذاكرة جزءًا من المعرفة التي تنتقل إلى الأجيال الجديدة.

 

في عالم التوثيق.. الحرب الرقمية مع العدو تحدٍّ كبير

بموازاة هذا الكلام، يمكن القول إن انتقال جزء كبير من التوثيق والمعرفة إلى الفضاء الرقمي، جعل الحرب الرقمية لا تقتصر على محاولة اختراق موقع أو تعطيل شبكة اتصال، فالمعركة تمتد إلى ما يراه الجمهور وما لا يراه، وما يصل إلى المستخدم وما يختفي في خوارزميات المنصات. ومع تصاعد الحرب على لبنان منذ العام 2023، ظهرت تقارير عن حذف محتوى، وتقييد حسابات، وتعطيل مواقع إعلامية، إلى جانب التشويش على أنظمة تحديد الموقع. 

سياسات المنصات وخوارزميات الإشراف الآلي التي يمارسها العدو في سياق حربه الرقمية تجلّت بسعيه إلى خفض انتشار جزء من المحتوى اللبناني، بما في ذلك مواد توثق الانتهاكات في لبنان وتحديدًا في الجنوب. فقد وثقت منظمة "SMEX" وفق تقرير نشرته في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر خلال حرب عام 2024 شكاوى من مستخدمين في لبنان بشأن حذف منشورات مرتبطة بالحرب، وفرض قيود على النشر والمراسلة والبث عبر تطبيق "إنستغرام"، بما في ذلك حالات لم يظهر فيها انتهاك واضح لسياسات المنصة. 

وفي الوقت نفسه، تعرضت مواقع ومنصات إعلامية لبنانية لهجمات إلكترونية عطّلت الوصول إليها. وأشار تقرير "فريدوم هاوس" الذي صدر في العام 2025 إلى استهداف مواقع إخبارية وسياسية خلال الحرب، من بينها موقعا "الميادين" و"الأخبار"، في وقت شهد فيه الفضاء الرقمي انتشارًا لمحتوى مضلل ومواد مولدة بالذكاء الاصطناعي مرتبطة بالصراع.

 التأثيرات امتدّت إلى البنية الرقمية نفسها، إذ وثّقت "فريدوم هاوس" استخدام تقنيات التشويش والتضليل الملاحي، أو ما يعرف بـ"Jamming" و"Spoofing"، والتي أثرت في خدمات تحديد المواقع داخل لبنان، وانعكست على قطاعات من بينها الملاحة الجوية والبحرية. 

ولم يكن تدفّق المعلومات بمعزل عن استهداف من ينقلها. فخلال التغطية الإعلامية في الجنوب استشهد صحافيون وأصيب آخرون من قنوات إعلامية مختلفة، في سياق جعل الوصول إلى المعلومة ونقلها إلى الجمهور جزءًا من المعركة نفسها.

 

 

مقاومة محاولات القضاء على جهود توثيق تاريخ الاعتداءات

وهنا تكشف رمال أن "وثاقية" اختبرت هذا الجانب من الحرب الرقمية بصورة مباشرة، إذ تعرضت صفحتها على منصات التواصل الاجتماعي للحظر عقب إطلاق مشروع "قاوم بوثيقة"، الذي دعت من خلاله الأفراد إلى إرسال ما توثقه عدساتهم من دمار وجرائم وانتهاكات "إسرائيلية"، بما في ذلك صور الدمار والمجازر وآثار الاعتداءات.

وتوضح أن المبادرة اضطرت، نتيجة الحظر، إلى إنشاء حساب جديد، قبل أن تتمكن بعد جهود من استعادة حسابها الأساسي. ولم تتوقف التجربة عند استعادة الحساب، بل دفعت "وثاقية" إلى العمل على حماية هذا النوع من المحتوى من فقدانه، من خلال أرشفة صفحات ومحتويات وسائل التواصل الاجتماعي، وتدريب فريق متخصص على هذه المهمة بالاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي، فيما لا يزال المشروع قيد التنفيذ حاليًا.

كما تعمل المبادرة، وفق رمال، على أرشفة التفاعل الشعبي والمؤسسي المرتبط بالحرب منذ عام 2023 وحتى عام 2026، بما يشمل ما ينشره الأفراد والمؤسسات، انطلاقًا من أن حذف الحساب أو حجب المحتوى لا ينبغي أن يعني اختفاء المادة التي توثق الحدث.

ذاكرة قابلة للصمود

في النهاية، لا تتوقف معركة الذاكرة عند حفظ الوثيقة، كما لا تنتهي الحرب الرقمية بمجرد استعادة حساب أو نشر مادة جديدة. المعركة الأوسع هي إبقاء الأدلة بمنأى عن الضياع أو الحذف، وربط المكان بتاريخه والحدث بسياقه وأصوات الناس بما عاشوه.

ومن هنا، تتحوّل مهمة "وثاقية" من جمع الوثائق إلى محاولة بناء ذاكرة قابلة للصمود، لا يحدد وجودها ما يبقى على منصة أو ما تختاره خوارزمية، بل ما جرى حفظه وتنظيمه وإتاحته للأجيال. فحين يصبح حذف المحتوى ممكنًا، تصبح أرشفته شكلًا من أشكال حماية الذاكرة، وحين يُهدم المكان، يصبح توثيق ما كان قائمًا فيه قبل الضربة جزءًا من الحفاظ على قصته. وفي الحالتيْن، لا يكون التوثيق مجرد حفظ للماضي، بل وسيلة لمنع محوه.

 

الكلمات المفتاحية
مشاركة