إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم السبت (10 تشرين الأول/أكتوبر 2026) بتحليل الأوضاع والأحداث العالمية والإقليمية، مستهلةً تناولها بمفارقة ازدواجية المعايير في مجال حقوق الإنسان في تعامل الدول، وطرحت تساؤلًا: "ماذا لو كان ما يجري في فرنسا اليوم يحدث في إيران؟".
كما أولت الصحف اهتمامًا بتحليل أوضاع الحرب الخفية بين القوى والقدرات الإيرانية والأميركية، ولا سيما في أعقاب الحرب التي شكّلت ضربة قوية لمقولة التفوق التكنولوجي، وأعادت طرح التساؤلات بشأن مدى تأثيره في مواجهة أي حسابات أخرى.
حقوق الإنسان أم امتياز لأصحاب القدرة؟
بداية، كتبت صحيفة رسالت:"في عالمنا المعاصر، يبرز تساؤل جوهري: هل تُشكّل حقوق الإنسان والقانون الدولي معايير عالمية للحكم على سلوك الدول، أم أنها مجرد أدوات تستخدمها القوى لتحقيق مصالحها الخاصة؟ لا بد من البحث عن الإجابة ليس فقط في نصوص الوثائق والمعاهدات، بل أيضاً في كيفية تعامل القوى العظمى مع سلوكها وسلوك الدول الأخرى؛ حيث يصبح التناقض بين الادعاءات والأفعال جلياً لدرجة أنه لم يعد بالإمكان اعتباره مجرد نزاع سياسي.
ولفتت الصحيفة إلى أنّه "في فرنسا، التي تُقدّم نفسها كمصدر تاريخي للحرية والمساواة والحقوق المدنية، بات تعامل الشرطة مع المتظاهرين موضع انتقاد متكرر من قِبل منظمات حقوق الإنسان. وفي الأيام الأخيرة، أعادت المواجهات العنيفة مع الاحتجاجات الطلابية، بما في ذلك إصابات اليافعين نتيجة استخدام معدات الشرطة، التأكيد على ضرورة التناسب في استخدام القوة. وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2026، دعت منظمة العفو الدولية إلى وضع حد للمعاملة غير المتناسبة التي تمارسها الشرطة الفرنسية ضد المتظاهرين الطلاب. لكن لماذا لا تحظى مثل هذه الحالات، رغم كل الحساسيات المعلنة بشأن حقوق الإنسان، بنفس مستوى الضغط السياسي والدولي الذي يُمارس ضد بعض الدول الأخرى؟".
وقالت "إذا ما تكررت معاملة مماثلة للمتظاهرين في إيران، فهل ستدرس وسائل الإعلام العالمية الكبرى والحكومات الغربية ومؤسساتها السياسية أسس وشروط وحدود استخدام القوة بنفس القدر؟ هل ستُميّز بين حادثة، وأداء ضابط، والسياسة الرسمية للحكومة؟ أم سيصدر حكم نهائي قبل اكتمال التحقيقات، فتصبح حادثة معينة وثيقةً للتشكيك في النظام السياسي برمته؟".
وأشارت الصحيفة إلى أنّه "لا يمكن تحويل صورة ضابط مُخالف إلى رمز لطبيعة الحكومة بأكملها في بلد ما، واختزال السلوك نفسه إلى خطأ فردي في بلد آخر. إذا كان المعيار عالميًا، فيجب أن يكون عالميًا للجميع".
ووفق الصحيفة "يتخذ هذا التناقض شكلًا أكثر تعقيدًا في القضية النووية. تمتلك فرنسا والولايات المتحدة أسلحة نووية وتحافظان على ترساناتهما، لكنهما تتخذان موقفًا بشأن المخاطر المحتملة للبرنامج النووي الإيراني، الخاضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتُقدمان امتلاكهما للأسلحة النووية كجزء من سياستهما الأمنية المشروعة".
وإذا كان الانتشار النووي يُشكل تهديدًا لأمن البشرية، فكيف يُمكن تسليط الضوء على هذا التهديد فقط في أجندة دولة لا تمتلك أسلحة نووية بعد، بينما تبقى ترسانات الدول النووية أمرًا مُسلّمًا به في معادلات القوى؟ إذا كان الهدف النهائي هو عالم خالٍ من الأسلحة النووية، فلماذا يُوجّه الضغط نحو الحد من قدرات الآخرين وليس نحو خلق مسار موثوق ومتوازن وقابل للقياس لنزع السلاح بالنسبة للقوى القائمة؟
وبحسب الصحيفة فإنّ "القضية ليست نووية فحسب؛ بل هي المنطق الذي يحكم النظام الدولي. نظام يُمكن فيه اعتبار القوة العسكرية ضمانة للأمن لبعض الدول وتهديدًا لغيرها؛ يُمكن فيه اعتبار سلوك الشرطة في دولة ما شأنًا داخليًا، بينما يُمكن أن يُصبح سلوك مماثل في دولة أخرى قضية عالمية. في مثل هذا النظام، يوجد القانون، لكن تطبيقه ليس دائمًا مُستقلًا عن علاقات القوة".
وأشارت الصحيفة أنّه "ينبغي لإيران أن تسعى، في المحافل الدولية، وبوثائق دقيقة، إلى تسليط الضوء على حالات الاستخدام المفرط للقوة في الدول الغربية، وتناقضات السياسة النووية، والفجوة بين التزامات نزع السلاح وأداء القوى النووية. إن الاحتجاجات العامة القائمة على الشعارات يسهل تجاهلها، لكن القضية الموثقة، والمقارنة القانونية، والمطالبة بإجابة واضحة، تزيد من تكلفة التجاهل. ينبغي أن يتم هذا المسعى عبر المؤسسات القانونية والدبلوماسية والمتعددة الأطراف، حتى لا يتحول إلى مجرد موقف دعائي عابر".
كما يجب التمييز بين الاحتجاج على الظلم والوقوع في فخ العزلة السياسية. للدفاع عن حقوقها، تحتاج إيران إلى تحالفات موضوعية، وتعاون مع الدول المستقلة، وتواصل مع الرأي العام العالمي، وتقديم مقترحات عملية. إن اقتراح مبادرات واضحة بشأن نزع السلاح النووي، وحظر التهديد باستخدام هذه الأسلحة، وإنشاء آليات رصد غير تمييزية، من شأنه أن يرتقي بمطالبة إيران بضرورة إصلاح النظام الدولي من مستوى الاحتجاج إلى مستوى الاقتراح.
وقالت "إن القوة الحقيقية لا تقتصر على القدرة على الاستجابة للضغوط، بل تكمن في القدرة على خلق وضع لا تستطيع فيه الضغوط السياسية بسهولة تقويض الحقوق والمصالح الوطنية. يُعدّ التقدم العلمي، وتعزيز البنية التحتية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، والدبلوماسية الفعّالة، وثقة الجمهور، عناصر أساسية لنظام قوة وطنية موحد. فالدولة القوية داخلياً تتفاوض بانفتاح أكبر في الخارج، ويقلّ احتمال اضطرارها للاعتماد على الاحتجاجات الكلامية وحدها لإثبات حقوقها".
حسابات خاطئة في واشنطن
بدورها، كتبت صحيفة وطن أمروز: "في الصراع الإيراني الأمريكي، يحدث تحول هام؛ تحول من "التنافس على النفوذ" إلى "التنافس على الحسابات". تريد واشنطن من طهران أن تستنتج أن استمرار المقاومة له تكاليف تفوق فوائده، ما يدفعها إلى إعادة النظر في سلوكها الإقليمي والنووي والأمني. في المقابل، تحاول طهران أن تُظهر للولايات المتحدة أن الضغط الاقتصادي، مهما بلغ شدته، لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير في حساباتها الاستراتيجية. في غضون ذلك، تكتسب تصريحات وإجراءات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسانت دلالة خاصة. فحملة "اليوم الاقتصادي"، التي بدأت في آب/أغسطس 2026، مصممة لقطع العلاقات المالية والتجارية الإيرانية مع الاقتصاد العالمي، بل وسّعت نطاق التهديد بالعقوبات الثانوية ليشمل البنوك والشحن والتكنولوجيا والذهب والأصول الرقمية. لذا، لم يعد السؤال الرئيسي هو مدى قسوة العقوبات الأمريكية، بل ما إذا كانت واشنطن تُقدّر بشكل صحيح قدرة إيران على الصمود أمام هذا الضغط وإدارته.
[...] لا يكمن جوهر الاستراتيجية الاقتصادية لإدارة ترامب في مجرد زيادة العقوبات، بل في إدراكها لوصول الاقتصاد الإيراني إلى نقطة الانهيار. تحدث باسنيت في آب/أغسطس عن "عزلة مالية تامة" وضغوط اقتصادية واسعة النطاق، وزعمت الإدارة الأمريكية أن قطع مصادر دخل إيران وقنواتها المالية قد يُجبر طهران على قبول مطالب واشنطن دون الحاجة إلى استخدام أوسع للقوة العسكرية. يبدو المنطق بسيطًا ظاهريًا: خفض عائدات النفط، وتقييد الوصول إلى العملات الأجنبية، وإغلاق القنوات المصرفية، وزيادة تكلفة التجارة، ونقل الضغط الاقتصادي في نهاية المطاف إلى المجتمع، من شأنه أن يُغير الحسابات السياسية. لكن المشكلة تكمن في أن الاقتصاد الإيراني يعمل منذ سنوات في ظل ظروفٍ عانى فيها من جزء كبير من هذه الضغوط. إيران لا تواجه اقتصادًا طبيعيًا فُرضت عليه عقوبات فجأة، بل اقتصادًا طوّر على مر السنين آليات عديدة للالتفاف على القيود التجارية، واستبدال الواردات، واستخدام الشبكات غير الرسمية، وتنويع طرق التجارة. تُظهر الدراسات الحديثة أيضاً أن الاقتصاد الإيراني، رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت به، لا يزال بعيداً عن الانهيار، وأن هيكل الإنتاج المحلي والتجارة غير الرسمية والشبكات المالية البديلة لا تزال قادرة على استيعاب جزء من الصدمة.
ولفتت الصحيفة إلى أن القدرة على الصمود في وجه العقوبات لا تعني التحرر من التكاليف. بالطبع، لا ينبغي الخلط بين الحديث عن "مرونة الاقتصاد الإيراني" وبين فكرة أن الاقتصاد الإيراني محصن ضد الضغوط الحالية؛ بل على العكس، فالواقع الاقتصادي الراهن قاسٍ للغاية. فقد بلغ الريال أدنى مستوى له في التاريخ خلال الأشهر الأخيرة، وتشير التقارير الحديثة إلى ارتفاع التضخم بشكل كبير، وانخفاض القدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على العملات الأجنبية [...] ولكن في هذه المرحلة، لا بد من التمييز بين "الاقتصاد المتضرر" و"الاقتصاد المنهار". فالمرونة الاقتصادية لا تعني غياب الضغوط، بل تعني قدرة الاقتصاد على مواصلة وظائفه الأساسية تحت الضغط.
وتابعت "على مدى عقود من العقوبات، تعلم الاقتصاد الإيراني تدريجياً استيعاب جزء من صدمة العملة من خلال التضخم، وتحويل جزء من التجارة إلى قنوات غير رسمية، وزيادة الإنتاج المحلي لبعض السلع، وإنشاء شبكات بديلة لبيع النفط وتحويل الموارد المالية. حتى في الوضع الراهن، تؤكد التحليلات المنشورة في مصادر دولية على هذه القدرة التاريخية للاقتصاد الإيراني على التكيف مع العقوبات. لذلك، إذا كانت حسابات واشنطن مبنية على افتراض أن "الضغط الاقتصادي يساوي الانهيار الاقتصادي، والانهيار الاقتصادي يساوي تغييراً في السلوك السياسي"، فإن هذه السلسلة لا يمكن إثباتها تحليلياً بسهولة".
[...] قد تكمن المشكلة الرئيسية في أن الولايات المتحدة قد تحسب التكلفة الاقتصادية للضغط على إيران بشكل صحيح، لكنها تتصور أن عواقبه السياسية خطية للغاية. يمكن للضغط الاقتصادي أن يخلق استياءً اجتماعياً، لكن الاستياء الاجتماعي لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير في سلوك الحكومة. في بعض الحالات، يكون له تأثير معاكس، ويجعل المجتمع أكثر تماسكاً في مواجهة التهديدات الخارجية. من جهة أخرى، قد تتجه الحكومة التي تتعرض لضغوط، بدلاً من التراجع، نحو سياسات المقاومة، وزيادة سيطرتها على الاقتصاد، وتعزيز تجارتها مع شركاء من خارج الغرب، وتوسيع نطاق استخدام أدوات السياسة غير المتكافئة.
وتشير الأدلة، بطبيعة الحال، إلى أن الضغوط الاقتصادية تُثقل كاهل إيران بشدة. فقد أدى الحصار والعقوبات الجديدة إلى تقليص عائدات النفط الإيرانية وقدرتها على الوصول إلى العملات الأجنبية بشكل كبير. لذا، فإن إنكار هذه الضغوط سيكون خطأً فادحاً، ولكن الخطأ المعاكس قد يكون خطيراً أيضاً: وهو افتراض أن أي مستوى من الضغط سيؤدي حتماً إلى استسلام سياسي. تكمن مرونة إيران تحديداً في التوازن بين هذين الواقعين: فقد أصبح اقتصادها أكثر هشاشة، ولكنه لم ينهار بالضرورة.
[...] مع ذلك، يكمن الجانب السلبي لهذه الاستراتيجية في أن الضغط الاقتصادي قد يُكبّد كلا الطرفين تكاليف باهظة: إيران تعاني من انخفاض عائدات النفط، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع تكلفة المعيشة، بينما تواجه الولايات المتحدة التداعيات العالمية لارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات سوق النفط، وتزايد التكاليف الجيوسياسية. في الأسابيع الأخيرة، دفع استمرار الأزمة وتراجع الآمال في التوصل إلى اتفاق سعر خام برنت إلى ما يزيد عن 108 دولارات في وقت من الأوقات، مما زاد من الضغوط التضخمية والمالية على الأسواق العالمية.
إذن، لا يكمن التنافس الحقيقي بين طهران وواشنطن في قدرة أي طرف على "ممارسة المزيد من الضغط"، بل في قدرة أي طرف على استيعاب هذا الضغط بشكل أفضل مع تغيير حسابات الطرف الآخر. فإذا استطاعت إيران إبقاء تكلفة العقوبات تحت السيطرة من خلال تنفيذ إصلاحات اقتصادية، وإدارة عملتها، والحفاظ على الإنتاج، وتنويع تجارتها الخارجية، والاستفادة من قدرات شركائها الآسيويين، ستصبح حسابات الولايات المتحدة أكثر صعوبة. وعلى العكس، إذا تجاوز الضغط الاقتصادي قدرة الاقتصاد الإيراني على الاستيعاب، وتحول إلى اضطراب مستمر في الإنتاج والتجارة والطاقة والخدمات العامة، فإن حسابات طهران ستتغير حتمًا. ومن هنا، فإن التنافس على الحسابات هو ربما الوصف الأدق للمرحلة الجديدة من الصراع الإيراني الأمريكي. تسعى الولايات المتحدة لإقناع إيران بأن الاستمرار على النهج الحالي أكثر تكلفة من تغيير المسار، وتريد إيران إثبات أن تكلفة العقوبات لا تصل بالضرورة إلى حد تغيير القرارات السياسية. وفي الوقت نفسه، لا تعني مرونة إيران الاقتصادية إنكار الأزمة، بل القدرة على تجاوزها دون تحويلها إلى انهيار سياسي".
القضية الخفية والحرب المستقبلية
هذا؛ وكتبت صحيفة مردم سالاري: "في الحروب السابقة، كان يكفي النظر إلى الخريطة لتحديد ساحة المعركة. كانت المدن والموانئ والمطارات ومصافي النفط والحدود والقواعد العسكرية مُحددة بوضوح على الخريطة، وكان الهدف، ظاهريًا على الأقل، مرئيًا. لكن الحرب الإيرانية الأمريكية طرحت سؤالًا مختلفًا على العالم: ما الذي ستدور حوله الحرب القادمة إذا لم تعد أهم أصول الدولة ظاهرة على الخريطة؟
وقالت "قد لا يكمن الجواب في السماء أو البحر، بل في البيانات والحوسبة والبرمجيات والشبكات والأقمار الصناعية ومراكز البيانات. هذا هو التحول الذي يحذر منه الآن بعض أبرز المحللين الأمريكيين. أظهرت الحرب الأخيرة أن التكنولوجيا ليست مجرد سلاح لمهاجمة ساحة المعركة، بل إن البنية التحتية التكنولوجية نفسها قد تصبح ساحة المعركة".
ولفتت الصحيفة إلى أنّ هجمات إيران على ثلاثة مرافق تابعة لشركة أمازون ويب سيرفيسز في الإمارات والبحرين مثّلت حدثًا رمزيًا في تاريخ الحروب الحديثة. كتبت إميلي هاردينغ، المديرة السابقة للاستخبارات في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ ومحللة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في الأيام الأولى للحرب: "أصبحت البيانات الآن خط المواجهة في الحرب".
ورغم أن الهجوم على مراكز بيانات AWS تسبب في أضرار مادية محدودة، إلا أن الاضطرابات أثرت على خدمات متنوعة، من الخدمات المصرفية إلى خدمات المستهلكين. وفي الوقت نفسه تقريبًا، استُهدف مركز بيانات تابع لبنك سبه في طهران، والذي كان يحتوي على بيانات رواتب الجيش الإيراني. يُمثل هذا تحولًا مفاهيميًا هامًا: لم يعد مركز البيانات مجرد مبنى تقني.
فإذا كانت البنوك والشركات والحكومات والأنظمة المالية ونماذج الذكاء الاصطناعي، وحتى أجزاء من العمليات العسكرية، تعتمد على الحوسبة السحابية، فإن الهجوم على البنية التحتية للحوسبة قد يكون له نفس تأثير الهجوم على البنية التحتية الحيوية التقليدية. في الواقع، قد لا يكون من الضروري في المستقبل تدمير مصفاة نفط لشل اقتصاد ما؛ بل يكفي تعطيل قدرته على الحوسبة والتواصل ومعالجة المعلومات.
[...] فقد تتمكن دولة ما من الرؤية بدقة أكبر، والحساب بسرعة أكبر، وتحديد وتدمير المزيد من الأهداف في وقت أقصر، ومع ذلك تفشل في إنهاء الحرب بالنتيجة التي تريدها. لماذا؟ لأن الحرب ليست مجرد سباق تكنولوجي، بل هي أيضاً سباق في التكلفة، والمرونة، والنطاق، والوقت، وإعادة التشكيل.
وقالت الصحيفة "الطائرات المسيرة الرخيصة مقابل الدفاعات باهظة الثمن إيران، بطبيعة الحال، مثالٌ بارزٌ على هذا التحوّل، وإن لم يخلُ الأمر من تكلفةٍ ونقاط ضعف. في تحليلٍ للحرب الإيرانية، كتب ستيف فيلدشتاين من مؤسسة كارنيغي أن طهران أمضت أربعة عقودٍ في محاولة تضييق الفجوة مع القوى الأكثر تجهيزًا بتكلفةٍ أعلى، وذلك من خلال تطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية".
وبحسب تقديراته، أطلقت إيران أكثر من 2000 طائرة مسيّرة و500 صاروخ باليستي في الأسبوع الأول من الحرب، ونفّذت أكثر من 4400 غارة جوية بطائرات مسيّرة. في المقابل، كلّفت بعض أنظمة الدفاع التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لمواجهة كل تهديدٍ مبالغَ طائلة. [...] تُشكّل هذه الحالة معضلةً اقتصاديةً خطيرة: إذا شنّ المهاجم هجومًا بآلاف الأجهزة الرخيصة نسبيًا، وأنفق المدافع ملايين الدولارات لمواجهة كل جهاز، فمن يستطيع تحمّل تكاليف القتال على المدى الطويل؟ بالطبع، هذا لا يعني أن التكنولوجيا الرخيصة تتفوّق على التكنولوجيا المتقدمة. تم اعتراض العديد من الطائرات والصواريخ الإيرانية، كما تضررت أجزاء كبيرة من القدرات العسكرية والبنية التحتية الإيرانية. لكن القضية الأهم تكمن في شيء آخر: التكنولوجيا الرخيصة قادرة على تغيير الحسابات الاقتصادية للتكنولوجيا باهظة الثمن. هذا التطور أكثر أهمية لمستقبل الحروب من عدد الطائرات المسيّرة التي تمتلكها أي دولة".