تكنولوجيا
أستاذ جامعي وباحث في الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات، أُعنى بنشر المعرفة وتبسيط مفاهيم التكنولوجيا بلغةٍ سهلة تُناسب الجميع.
أكتب لأجعل التقنية مفهومة وآمنة في حياتنا اليومية، ولأساهم في بناء وعي رقمي مسؤول.
يستدعي مشروع "ميريديان" أباطرة التكنولوجيا لرسم ملامح حرب المستقبل، في مسعى أميركي لترسيخ التفوق العسكري من الأرض إلى الفضاء، ويثير مخاوف من تضارب المصالح وتسارع سباق التسلّح وتراجع السيطرة البشرية، ومن مستقبل تحكمه الهيمنة بدلًا من السلام.
حين تعلن أقوى قوة عسكرية في العالم أن استعداداتها تمتد من باطن الأرض إلى الفضاء القريب من القمر، يصبح السؤال أكبر من مواصفات الأسلحة: بأي منطق يُعاد تخيّل العالم كله بوصفه ميدانًا محتملًا للقتال؟ ويضع مشروع "ميريديان" الأميركي هذا السؤال في الواجهة، بعدما استدعى البنتاغون شخصيات من عالم التكنولوجيا والأعمال للمشاركة في رسم مستقبل الحروب، وفي مقدمتها إيلون ماسك.
أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث المشروع في 30 أيلول 2026، خلال خطاب بقاعدة كوانتيكو. ويحدد الإعلان غاية المشروع بتأمين التفوق العسكري الأميركي طويل الأمد والهيمنة التكنولوجية على ساحات القتال المقبلة. لذلك، فإن قراءة المشروع بوصفه مجرد تحديث تقني تتجاهل غايته السياسية المعلنة وهي إبقاء ميزان القوة العالمي راجحًا لمصلحة واشنطن.
"ميريديان" دراسة مدتها 120 يومًا، يفترض أن تحدد القدرات والأسلحة المطلوبة مستقبلًا وتقترح مسارات لتطويرها واختبارها ونشرها. وتشمل مجالاتها الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والروبوتات والطاقة الموجّهة والتكنولوجيا الحيوية. ومن المقرر تقديم نتائجها بحلول 28 كانون الثاني 2027، مع تقرير علني وملحق سري.
لكن خطاب الإعلان لا يربط هذا الأفق الكوني بغزو وشيك للأراضي الأميركية، بل يتحدث عن المجالات التي ينبغي إخضاعها والقدرات التي يجب امتلاكها لضمان التفوق لعقود. والفارق جوهري إذ إنّ حماية السكان غاية محددة، أما ضمان الغلبة في كل ساحة مستقبلية فهو مشروع مفتوح لتوسيع القوة وهذا يستدعي نزعة استعمارية تتعامل مع المجالات الجديدة باعتبارها مساحات للسيطرة قبل أن تكون موارد مشتركة للبشرية. لا يعني ذلك أن المشروع أعلن احتلال أراضٍ أو استعمار القمر، لكنه يكرّس تصورًا للعلاقات الدولية تُقاس فيه الطمأنينة الأميركية بمقدار تفوقها على الآخرين.
يشرف على المبادرة إميل مايكل، المسؤول التقني الأعلى في البنتاغون، ويشارك في قيادتها إيلون ماسك، مؤسس «سبيس إكس» المتخصصة في الصواريخ والخدمات الفضائية، وبالمر لاكي، المؤسس المشارك لشركة «أندوريل» الدفاعية المتخصصة في الأنظمة الذاتية، ونيوت غينغريتش، رئيس مجلس النواب الأسبق، بخلفيته السياسية والتشريعية، ويعاونهم خبراء أكاديميون وصناعيون وفي السياسات العامة.
وأُسند تنفيذ الدراسة إلى مؤسسة MITRE غير الربحية، عبر مركزها لهندسة الأمن القومي، لإعداد تقرير مستقل. غير أن الإطار البحثي لا يلغي السؤال السياسي: من يحدد الافتراضات والأولويات التي ستُبنى عليها توصيات مستقبل الحرب؟
هنا تتضح الهواجس من ماسك ولاكي. فشركتاهما مرتبطتان بعقود دفاعية بمليارات الدولارات، ومشاركتهما في استشراف احتياجات الجيش تضع أصحاب مصالح تجارية داخل نقاش قد يؤثر في الطلب المستقبلي على منتجاتهم. هذه ليست إدانة بفساد مثبت، لكنها مشكلة بنيوية: كيف تُفصل المصلحة العامة عن فرص الربح عندما يشارك المورد في تعريف ما يحتاجه المشتري؟
تكمن خطورة خطاب «حروب المستقبل» في تحويل الحرب إلى مسألة كفاءة وسرعة وتفوّق، بينما يتراجع الإنسان الذي يقع تحت القصف إلى هامش النقاش. وأي تقييم جاد للاستعدادات الأميركية يجب أن يبدأ من كلفة الحرب على المجتمعات، لا من قدرة الصناعة على إنتاج أدوات قتل أكثر تطورًا.
هذا وتحذّر اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن الذكاء الاصطناعي العسكري قد يزيد سرعة الحرب واتساعها، ويقلّص السيطرة البشرية على استخدام القوة. وقد تفشل الأنظمة الذاتية في تفسير أوضاع المدنيين والجرحى والمستسلمين، فيما تدفع الثقة المفرطة بالخوارزميات إلى تمرير قرارات خاطئة بسرعة أكبر.
لهذا تبدو الاستعدادات لحروب تمتد عبر مجالات كونية مقلقة حتى قبل ظهور نتائج الدراسة. فالخوف هو أن يدفع السعي إلى تفوق شامل الآخرين إلى سباق مضاد، فتغدو الاستعدادات المعلنة باسم الأمن عاملًا في إنتاج انعدام الأمن.
إنَّ استثمار الخيال العلمي والصناعي في ضمان القدرة على إخضاع الخصوم مستقبلًا، والعالم الذي أنهكته الحروب يحتاج إلى مؤسسات تمنع اندلاعها، وإلى مساءلة من يصنعون قراراتها؛ لا إلى منح أصحاب التكنولوجيا سلطة أوسع لتحديد شكل الحرب التالية.
