مقالات مختارة
أعمال عسكرية ونشاط استيطاني ومنظّمات لبنانية وأميركية على الخط: ماذا يجري في الجنوب؟
ثمة حكاية معروفة في صيدا عن عائلة من حيفا لجأت إلى لبنان في صيف عام 1948، مستندةً إلى جذور لها في «بلاد الشام».
ابراهيم الأمين - صحيفة الأخبار
ثمة حكاية معروفة في صيدا عن عائلة من حيفا لجأت إلى لبنان في صيف عام 1948، مستندةً إلى جذور لها في «بلاد الشام». وكانت أسماء أفرادها قد وردت في إحصاء عام 1932، لكن وجودهم في فلسطين حال دون حصولهم على أوراق ثبوتية لبنانية. وفي مطلع عام 1950، تمكّن الأب من استصدار الأوراق اللازمة لجميع أفراد عائلته. لكنه اختار أحد أبنائه ليبقى في لبنان بصفة لاجئ فلسطيني.
كان الشاب، شأنه شأن بقية أفراد العائلة، على ثقة بأن ذلك قد يساعدهم على استعادة الأرض والأملاك عند العودة القريبة إلى حيفا. لكن العودة لم تحصل، وبقي الأمر على حاله حتى اليوم. مات الأب، وكبر الأبناء، ثم جاء الأحفاد. أما الشاب الذي صار اليوم شيخاً طاعناً في السن، فلا يزال يروي الحكاية، ويعرض على محدّثيه علّاقة «مفاتيح الدار» التي يحتفظ بها، فيما يمتعض أبناؤه لأنه رفض السعي إلى استعادة الجنسية اللبنانية. ومع كل مواجهة مع العدو، كان ينتفض كمن يستعد لرحلة العودة. لكن، عند آخر الرواق الطويل في منزله، تقف عجوز تتأفّف وتردد: «ما إلهن أمان أولاد الحرام!».
أخيراً، كان أحد أحفاد تلك العائلة يجلس مع عائلة نازحة من بلدة عيترون، تقيم مؤقتاً في صيدا. أعاد رواية الحكاية، مضيفاً إليها تفاصيل وتعديلات يصعب التثبت من صحتها. لكنه كان يحثّ «الزوّار» على اختيار منزل يستقرون فيه، محذّراً من أن رحلة النزوح قد تطول. أما الذين يستمعون إليه، فكانوا يرفضون روايته وما تنطوي عليها من تشاؤم، مؤكدين أن الزمن تغيّر، وأن ما تفعله إسرائيل لن يدوم، وأن المقاومة ستعيد الأرض عاجلاً أم آجلاً.
منذ زمن طويل، يستعيد ناشطون يعملون في مواجهة حركة الاستيطان بيانات ووثائق ولقاءات وخطوات أقدم عليها مستوطنون في مناطق مختلفة من لبنان وفلسطين المحتلة. وتكشف وثائق تاريخية تتصل بنشاط الوكالة اليهودية عن عمليات شراء أراضٍ في جنوب لبنان، لا تقتصر على أملاك لبنانيين في الجليل وسهل الحولة. ففي بلدة الخيام، لا يزال الأهالي يطلقون تسمية «أرض اليهود» على قطعة عقارية اشتراها يهود في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن يبقى العقار في عهدة مالكه اللبناني بعد قيام كيان الاحتلال. وتُروى وقائع مشابهة عن أراضٍ في محلة المنارة قرب حولا، فضلاً عن القرى السبع التي سُلخت من جنوب لبنان.
وتتصل هذه الوقائع بسردية صهيونية أوسع، تقول إن جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني غرباً، عند القاسمية، وبحيرة القرعون شرقاً، جزء من أرض إسرائيل الموعودة.
والتجربة مع إسرائيل لا تتيح الاطمئنان إلى ما تفكر فيه أو إلى ما قد تسعى إليه. وقصتها مع جنوب لبنان ومياه الليطاني ليست جديدة، بل تمتد عبر مراحل متعاقبة، تعود خلالها أطروحات السيطرة على الأرض والموارد إلى الواجهة بأشكال مختلفة. وتتجدّد كل مدة، لتذكير اللبنانيين بأن عليهم الاستعداد لمغادرة هذه الأرض، وهو ما يفسر عملية الإبادة العمرانية الشاملة في قرى وبلدات كثيرة في الجنوب.
المحراث الفضي
وتكشف تقارير إعلامية إسرائيلية، بينها صحيفة «هآرتس»، عن توجه داخل المؤسسة العسكرية إلى اعتماد سياسة الأرض المحروقة في جنوب لبنان، تحت مسمّى «عملية المحراث الفضي» (Operation Silver Plow). ونقلت الصحيفة عن ضابط كبير قوله إن «معظم ما نفعله الآن ليس قتالاً مباشراً مع حزب الله، بل تدمير منهجي للمباني في قرى جنوب لبنان، والمهمة الوحيدة هي الاستمرار في التدمير».
وبحسب إفادات جنود أوردتها الصحيفة، وضعت القيادة العسكرية خريطة للمنطقة المحتلة قُسّمت إلى مربعات جغرافية (Polygons)، وخُصّص لكل وحدة ميدانية مربع تتولى تدميره وتسويته بالأرض. ونقلت عن أحد الجنود قوله: «خلافاً لادعاءات الجيش الرسمية، هذه ليست بنية تحتية عسكرية فقط؛ نحن ندمّر كل شيء هناك».
وتظهر عمليات التدقيق أن سلاح الهندسة القتالي (Combat Engineering Corps) في جيش العدو، يشكل العمود الفقري والتنفيذي لعملية «المحراث الفضي». وتتولى وحدة «يهالوم» المتخصصة في تفكيك الأنفاق، إعداد المتفجرات الكبيرة، وتنظيم عمليات النسف عن بعد، والتحكم بعملية منسقة لتدمير أحياء بكاملها. كذلك، تُستخدم الجرافات العسكرية الثقيلة من طراز D9 لهدم المنازل وتجريف الأراضي الزراعية وإزالة منشآت مدنية، إلى جانب الاستعانة بـ«شركات مدنية تتقاضى بدل مهام من الجيش، وفق جدول أسعار حسب عدد المنازل والمربعات التي تتم تسويتها بالأرض».
ويقول قادة عسكريون إن الجيش قرر في مدة معينة التوقف عن استخدام المتفجرات الصناعية نظراً الى كلفتها العالية، ولجأ إلى «نيترات الأمونيوم» المخصصة للزراعة، والتي تشكل نسبة الآزوت فيها أكثر من 36 في المئة، للقيام بعمليات تدمير عشوائي، إضافة إلى الغارات الجوية التي تشير بعض المصادر إلى أنها تنفذ عمليات كجزء من برامج التدريب، وتستخدم ذخيرة غير حديثة، وهو ما يفسر عدم انفجار كل الصواريخ.
استطلاع استيطاني
يتابع العالم هذه الأيام ما تقوم به جماعات «شبيبة التلال» في الضفة الغربية المحتلة، حيث يعمد مستوطنون إلى احتلال أراضٍ زراعية، بعد زيارات متكررة واستعراضية، غالباً ما تجري تحت حماية قوات الاحتلال. ويندرج هذا النشاط ضمن ما يُعرف بـ«الاستيطان الرعوي»، القائم على انتقال المستوطنين إلى الأراضي المستهدفة برفقة قطعان من الماشية، إلى بعض المناطق تحت ذريعة الرعي. لكن سرعان ما تتحول هذه المناطق إلى بؤر استيطانية، تبدأ بنصب الخيام، ثم تتوسع مع إدخال المياه والكهرباء والوحدات السكنية الجاهزة، قبل أن تقرّ حكومة العدو ميزانية لإنشاء مستوطنة رسمية. وخلال هذه المراحل، يتعرض أهل الأرض لضغوط متزايدة، ويُمنعون من الوصول إلى حقولهم قبل طردهم من أراضيهم.
وفي لبنان، ثمة تيار صهيوني يدعو صراحة إلى الاستيطان في الجنوب. وبينما أخفقت محاولات سابقة في تحقيق هذا الهدف، يبدو أن جماعات معنية بالمشروع وجدت في نتائج الحرب الأخيرة فرصة لتوسيع تحركاتها، فبدأت عمليات استطلاع ميدانية، شملت تسلّل أفراد منها إلى الأراضي اللبنانية. وقد سُجّلت في هذا السياق محاولات عدة، أبرزها تسلّل مجموعة من ناشطي حركة «أوري تسافون» إلى منطقة مجرى نهر الحاصباني في تموز الماضي، قبل أن تعبر مجموعة أخرى مؤلفة من عشر إسرائيليات الحدود وتمكث في منطقة نبع الوزاني.
يقود بيل معدراني مشروعاً من 5 مراحل تموله الولايات المتحدة وحلف «الناتو» لفرض ادارة امنية واجتماعية واقتصادية خدمة لاسرائيل
وتكشف متابعة هذه التحركات أن القائمين بها ينتمون إلى منظمات استيطانية معروفة، لكن الأنظار تتجه خصوصاً إلى حركة «أوري تسافون»، التي تأسست في حزيران 2024، وعقدت سلسلة مؤتمرات عبر الإنترنت ناقشت خلالها تصورات وخططاً لاحتلال أجزاء من جنوب لبنان وإقامة مستوطنات فيها. وتؤمن هذه الحركة بأن لليهود «حقوقاً دينية وتاريخية في أرض لبنان، وأن تفسيرات التوراة تقول إن هذه المنطقة جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل الكاملة». وفي أدبيات الحركة، أساطير وروايات تربط جنوب لبنان بأراضي سبطَي أشير ونفتالي، وهما من أسباط بني إسرائيل وفق الرواية التوراتية. وقد عملت على بناء سردية متكاملة تتضمن اقتراح أسماء عبرية بديلة للقرى الجنوبية. مثل اسم «مي ماروم» (May Marom) لبلدة مارون الراس الحدودية.
واللافت أن الحركة ليست بعيدة عن قيادة حكومة العدو. فمن أبرز منظّريها المؤرخ الصهيوني حاغاي بن أرتزي، شقيق سارة نتنياهو، زوجة رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو. وهو من أطلق شعاراً يردّده أعضاء الحركة، ويقول «نحن لا نحتل أرضاً أجنبية في جنوب لبنان، بل نستكمل السيطرة على أرض تشكل الامتداد التاريخي والطبيعي لمنطقة الجليل». وهو ممّن يحثّون المستوطنين على الذهاب إلى الجنوب اللبناني لأنهم بذلك «يقومون بواجب توراتي، وينفّذون أمراً إلهياً». كما اقترح بن أرتزي على أعضاء حركته، في لقاء علني، أن تحمل أول مستوطنة تُبنى قرب نهر الليطاني اسم Arzei Levanon (أرز لبنان).
عودة إلى المنظمات الأميركية
لكن المشاريع الصهيونية، كما في محطات سابقة، لا يمكن أن تنجح من دون دعم وحضور أميركيَّين. وفي هذا السياق، تبرز واجهة جديدة تحت عنوان الخدمات الإنسانية، يتقدمها بلال معدراني، المعروف في الولايات المتحدة باسم بيل معدراني (Bill Maadarani)، وهو أميركي من أصول لبنانية تعود عائلته إلى قضاء زحلة. ويشغل معدراني منصب رئيس «المؤسسة الأميركية من أجل لبنان» (AFOL)، كما يرأس مجلس «مستشاري الأمن في الخارج» (OSAC)، التابع لوزارة الخارجية الأميركية. وتعمل المؤسسة في لبنان بالتنسيق مع الجيش اللبناني والصليب الأحمر.
تقدّم مؤسسة AFOL نفسها بوصفها جهة متخصصة في توفير الدعم الإنساني واللوجستي، وتنشط حالياً في ما يُعرف بـ«المثلث المسيحي» في قضاء بنت جبيل، الذي يضم بلدات رميش وعين إبل ودبل. وتشمل أنشطتها تأمين مساعدات غذائية عبر قوافل يُنسّق تحركها مع الجيش اللبناني من جهة المناطق المحررة، ومع قوات الاحتلال من جهة الأراضي المحتلة. وتدّعي المؤسسة أن التنسيق يجري عبر لجنة «الميكانيزم»، وأنها لا تتواصل مباشرة مع القوات الإسرائيلية. لكن الأهم، هو أنها في عملها على تأمين الممرات الإنسانية، تستعين بخدمات شركة تدعى«Cyclops Defens»، وبالتنسيق أيضاً مع الجيش اللبناني، كما وقعت مذكرة تفاهم مع جمعية الطاقة الاغترابية اللبنانية (LDE) لدعم مشاريع التنمية.
و«Cyclops Defense»، شركة تكنولوجيا دفاعية وأمنية أميركية، يديرها (للمصادفة!) معدراني نفسه، وقد تأسست عام 2017 ولديها مكاتب في واشنطن وولاية ميشيغان وفي بيروت. وتتركّز مهمتها الرئيسية على دور الوسيط والمصنّع والجهة التي تدمج أنظمة (بإشراف الخارجية الأميركية) الطائرات المسيّرة (UAV / UAS) ومتابعة أوضاع الحدود، إضافة إلى الاتصالات التكتيكية والرادارات. كما تقدم خدمة أخرى تتعلق بـ«الاستجابة للأزمات وتحقيق الاستقرار في مناطق ما بعد النزاع»، وهو برنامج تقوده الخبيرة سارة سكاهيل، المعروفة بأنها تمثل الذراع السياسية لمؤسسة التنمية الأميركية (USAID)، ولها نشاط في كل مناطق التوتر في المنطقة، وتبرر تعاونها مع جهات أمنية، بأنها تحتاج إلى «إحاطة أمنية من قبل جهات موثوقة»، ما يقودها مباشرة إلى محطات الاستخبارات المركزية الأميركية في الدول التي تعمل فيها.
وبحسب مصادر عسكرية لبنانية، فإن اجتماعات عدة عقدت مع معدراني تناولت تصورات وأفكاراً للعمل في المرحلة المقبلة، إذ قال إن واشنطن أبلغته ضرورة التعاون مع الجيش وقوى الأمن وإنه بصدد الحصول على تمويل لتعزيز قدرات القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية في المناطق التي ستنسحب منها إسرائيل. كما طلب تسهيلات لعمل فرقه التي قال إنها تنشغل الآن بالمهام الإنسانية. وبحسب المصادر فإن معدراني تحدث عن تمويل أولي يصل إلى نحو 200 مليون دولار سوف تتولى الإدارة الأميركية توفيرها، سواء من الحكومة الأميركية أو من دول صديقة وحليفة مهتمة بالوضع في لبنان.
عملياً، ما يجري يقود إلى خلاصة مثيرة للقلق، كون المشروع الأميركي لا يهدف إلى تحرير الأرض وإعادة الناس إلا وفق شروط تناسب إسرائيل، والخطير أن المنظمات الأميركية، كالتي يقودها معدراني، لا تهتم لما هو ضروري كانسحاب قوات الاحتلال، بقدر ما تهتم بتوفير الأرضية لكل برامجها الأمنية والعسكرية، أما ما يندرج تحت عنوان الدعم الإنساني، فليس سوى واجهة كما هي حال كل ما تقوم به أميركا.
لكن السؤال الأهم: كيف يتصرف هؤلاء مع مشروع الاستيطان؟
هل تذكرون وليام روبنسون ومستوطنته؟
ثمّة ذاكرة مثقوبة اشتهر بها اللبنانيون، تجعل بعضهم يستسهل فكرة الحرب الأهلية أو منطق العزل السياسي. وبينهم من عاد يراهن على العدو، انطلاقاً من فرضية أن إسرائيل تنتصر في المنطقة، وأن المستقبل سيكون لمن يحسن بناء علاقة جيدة معها. لكنّ الحقد، حين يُعمي البصيرة، يحجب عن أصحابه ما يجري في الجنوب والمناطق المحتلة، حيث أطماع العدو في الأرض والزرع والمياه.
لذلك، من المُفيد كثيراً، وليس قليلاً، تذكير الناس بحقائق ثابتة، تشرح أطماع العدو المدعومة من الولايات المتحدة، والمنظّمات العالمية المرتبطة بالوكالة اليهودية، والتي تعمل تحت ستار إنساني وخلافه، لتغطية مشروع الاستيطان والسيطرة على الموارد.
بعد اجتياح عام 1978، وصل إلى لبنان أميركي يُدعى وليام بل روبنسون، وهو من داعمي المسيحية الصهيونية، عبر الشريط الحدودي عند مستعمرة المطلة، ضمن فريق عمل أميركي غلبت على معظمه الأصول اليهودية، أُطلق عليه اسم «فريق المبشّرين». وأطلق روبنسون مبادرة بعنوان «صوت الأمل - المبادرة السماوية في لبنان الحر»، بالتعاون مع العميل سعد حداد، الذي نصّبته إسرائيل قائداً لما سمّته «جيش لبنان الحر». وكان أول ما أنشأه روبنسون إذاعة في منطقة قريبة من بلدة الخيام. ثم أنشأ، عام 1979، قناة تلفزيونية باسم «تلفزيون الشرق الأوسط»، اتخذت من سفينة قبالة ساحل جزيرة قبرص محطةً للبث، وأقام لها محطة استقبال وإرسال في تلة مارون الرأس. وفي يوم الجمعة 22 تشرين الثاني 1985، فجّرت مجموعة من الحزب الشيوعي اللبناني هذه المحطة ودمّرتها بالكامل. وكان من بين أفراد المجموعة المقاوم الشهيد جميل موسى شهاب (الصورة)، ابن بلدة حانين، الذي تمكّن العدو من كشف دوره واغتياله بعد ثلاثة عشر يوماً. وفي عام 2020، نعاه الحزب الشيوعي رسمياً، موضحاً أن التكتّم على دوره في العملية استمر «لأسباب تتعلق بعلاقات الشهيد وكونه جندياً في الجيش اللبناني».
في عام 1981، قرّر روبنسون إنشاء مؤسسة لـ«خدمة الأطفال المُعاقين». وبعد وقت قصير، استقدم من شيكاغو، عائلته المؤلّفة من زوجته وثلاث بنات وصبي، لتقيم معه في منزل جورج بركات في جديدة مرجعيون، حيث عمل على إنشاء «البيت المسيحي للأطفال». وهو استمرّ في نشاطه حتى ما بعد اجتياح عام 1982، حين غادر لبنان بعدما رفض الأمن العام منحه إقامة قانونية. لكنه عاد لاحقاً، بعدما حصل على تأشيرة دخول من القنصلية اللبنانية في قبرص، ودخل البلاد عبر مرفأ جونية.
ومع مطلع عام 1987، وسّع روبنسون نشاطه في قرى مرجعيون والعرقوب، وعقد لقاءات لاستقطاب الدعم لمشروعه وتأسيس مركز دائم لرعاية ذوي الإعاقة. وبعدما رفض أهالي بلدة إبل السقي التجاوب معه، قرّر الانتقال إلى راشيا الفخار واختار مبنى الثانوية الرسمية في البلدة مقراً لمشروعه.
أجهزت المقاومة خلال ساعات على مشروع استمر 12 عاماً، قاده العدو لإقامة مستوطنة في راشيا والعرقوب
والمُفارقة التي تشير إلى الدور السيّئ دائماً لبعض من في السلطة، أن روبنسون حصل على ترخيص من الإدارة المركزية في وزارة الداخلية اللبنانية يتيح له إشغال المدرسة والإقامة فيها. ثم تمكّن، بدعم من قوات الاحتلال والقوة النروجية العاملة ضمن القوات الدولية، من تأمين الكهرباء ومياه الشفة وخط هاتفي لمنزله، قبل أن يحتل مساحة كبيرة محيطة بالمدرسة. لاحقاً، حاول روبنسون لاحقاً استصدار موافقة من رئيس البلدية لإلغاء «سوق الثلاثاء» في منطقة سوق الخان، تمهيداً لتوسيع المشروع على عقار تبلغ مساحته ثمانية آلاف متر مربّع. ولتحقيق غايته، لجأ إلى حملة تضليل ذات طابع «إنساني»، جمع خلالها تواقيع على عرائض من مواطنين بُسطاء، ومن عملاء للعدو، ليحصل، عبر القوة النروجية في المنطقة، على تمويل من الحكومة النروجية لتنفيذ المشروع، واستغلال قطعة أرض تبلغ مساحتها 50 دونماً، وتبعد نحو كيلومترين عن مبنى مدرسة راشيا الفخار، وتشمل الأحراج الصنوبرية الأميرية من شمال راشيا الفخار إلى حدود أراضي الهبارية شرقاً، مروراً بمقابر الشهداء وصولاً إلى قبرَيْ خليل وعثمان، فيما يحدّها جنوباً الطريق الممتدّ من المدرسة، عند المدخل الشرقي لراشيا الفخار، إلى مدخل كفرحمام، وصولاً إلى رأس جبل يشرف على المنطقة بأكملها. وروّج روبنسون، أنه ينوي إنشاء مركز لرعاية الأطفال ذوي الإعاقة وتقديم العلاج الفيزيائي، وبيت للبالغين ذوي الإعاقة، ودار للعجزة ومستشفى. كما تحدّث عن إنشاء مزرعة للأبقار لتأمين الحليب للمؤسسة، ومدرستين مهنيتين، إحداهما للبالغين والأخرى للصغار، إضافة إلى مشغل للحرف اليدوية.
ومع اتضاح طبيعة المشروع، وتزايد زيارات المبشّرين الصهاينة إلى المنطقة، وتنامي شكوك الأهالي في أن روبنسون يسعى إلى استقدام مستوطنين يهود، بدأت الاعتراضات تتصاعد. وخرج أهالي راشيا الفخار في تظاهرة احتجاجية رفضاً لما يقوم به، واعتراضاً على الرعاية النروجية التي يحظى بها. في المقابل، تولّت قوات الاحتلال، بالتعاون مع العملاء، قمع التحركات الاحتجاجية. وكان الأهالي قد اكتشفوا أن الأطفال العشرين الموجودين في المؤسسة ليسوا من أبناء المنطقة، ولا يعرفهم سكانها، فيما رفض روبنسون استقبال عدد من ذوي الإعاقة من قريتي كفرحمام والهبارية. ثم شدّد إجراءاته، مانعاً أيّ مواطن لبناني، من دخول مقره.
في تلك المرحلة، تحرّكت الحكومة، وكلّف رئيسها الراحل سليم الحص المدير العام لوزارة الخارجية صلاح ستيتية بإجراء اتصالات مع الأمم المتحدة والقوات الدولية والنروج، لتأكيد رفض المشروع والمُطالبة بترحيل روبنسون. لكنّ الأخير واصل تعزيز حضوره، غير آبه بالاعتراضات، وشدّد إجراءات حمايته، مُستقدِماً كلاباً مُدرّبة كانت تنتشر في محيط منزله.
استمر الوضع على هذا النحو لبعض الوقت، إلى أن قرّرت قيادة الحزب الشيوعي تكليف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بتنفيذ عملية تستهدف روبنسون وتفكيك مشروعه. وبناءً على ذلك، شُكّلت فرق أمنية وعسكرية لجمع المعلومات، بالتعاون مع أبناء المنطقة، فيما تولّت مجموعات أخرى استطلاع المنزل والمركز والمناطق المحيطة به. واستمر الإعداد للعملية أسابيع عدة، قبل أن تتحرك، مساء 25 آذار، مجموعة من ثلاثة مقاومين («مجموعة الشهيدة لولا عبود»)، وسلكت طرقاً خاصة للوصول إلى منزل روبنسون، وبلغته مساء 27 آذار 1990، بعدما حيّدت مجموعة أخرى الكلاب التي كانت تتولّى الحراسة. دخل أفراد المجموعة المنزل، وعزلوا زوجة روبنسون وأطفاله وخدّروهم، فيما اقتادوه إلى حمام المنزل، حيث أعدموه، باستخدام رشاشات مُزوّدة بكواتم للصوت، بعدما أبلغوه بأسباب العملية. وجمعت المجموعة وثائق وأغراضاً خاصة بروبنسون، ثم انسحبت إلى خارج المنطقة المحتلة.
وفي وقت لاحق، أصدرت قيادة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بياناً قالت فيه إن «الاستخفاف الذي تمّ التعامل به من قبل الأوساط والمراجع الدولية مع المخطّطات الخطيرة التي تقوم بها إسرائيل للهجوم على المناطق الجنوبية المحتلة وتكريس وقائع استيطانية صهيونية بهدف إلغاء الحق العربي في الأرض، دفع بجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية للتصدّي مباشرة لهذه الخطة الإسرائيلية». وتمّ إعدام روبنسون الذي كان إحدى «أدوات الوجود الاحتلالي العسكري المباشر، الذي استخدم ثياب المبشّرين، واستقدم عناصر صهيونية من مختلف الجنسيات، لتنفيذ أهداف الاستراتيجية المزعومة، ونقل نشاطه أخيراً إلى منطقة راشيا الفخار، حيث أقدم على اقتطاع أرض لبنائها لإقامة مستوطنته».
«النورج»: تقاطع أم استفادة؟
في عام 2010، أطلق فؤاد أبو ناضر، الكتائبي والقائد السابق لـ«القوات اللبنانية» ونسيب النائب آل الجميل، ورشة عمل تُعنى بأوضاع المسيحيين في دول المشرق. ثم جاءت أحداث العراق وسوريا لتعزّز نشاطه، وصولاً إلى عام 2014، حين حصل على ترخيص لتأسيس منظمة «النورج» (Nawraj)، التي تضمّ مجموعة من المهتمين بأوضاع المسيحيين في المناطق ذات الغالبية المسلمة.
وتعتمد المنظمة، بصورة رئيسية، على دعم منظمات مسيحية لبنانية وغربية، وتبرعات مغتربين مسيحيين، إلى جانب تمويل من صناديق دعم دولية، بينها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID). وبعد سقوط نظام بشار الأسد، زار أبو ناضر سوريا والتقى مسؤولين في حكومة الرئيس أحمد الشرع، مستفسراً عن إمكان العمل لمساعدة المسيحيين في منطقتي درعا وحماة.
لكن نشاط «النورج» الأبرز برز في جنوب لبنان، ولا سيما بعد حرب عام 2024. وفي هذا الإطار، اختار أبو ناضر سلوك مسار يشبه تجربة مؤسسة «القرض الحسن»، متحدثاً عن «القرض الأحسن» بوصفه أداة لتنمية المناطق المستهدفة وخلق فرص عمل فيها. غير أن النشاط الأبرز للمنظمة ظلّ متمحوراً حول إبراز الحضور المسيحي ودعم السياحة الدينية، ومن أمثلته إنشاء برج «سيدة أم النور» في عين إبل، بارتفاع 75 متراً، فضلاً عن كنيسة ومزار «سيدة حرمون» في كوكبا، في القطاع الشرقي.
ولاسم «النورج» دلالة دينية أيضاً، ويعبّر عن الطابع الأيديولوجي الذي يتحكم بعقل إدارة ناشطي هذه المجموعة. فالكلمة تحيل إلى ما ورد في سفر إشعيا بأن الله طمأن شعبه: «لا تخفْ، وقَدْ جَعَلْتُكَ نَوْرَجًا مُحَدَّدًا جَدِيدًا ذَا أَسْنَانٍ، تَدْرُسُ الْجِبَالِ وَتَسْحَقُهَا، وَتَجْعَلُ الآكَامَ كَالْعُصَافَةِ»، علماً أن التفسيرات اللغوية تربط كلمة «نورج»، بكونها أداة قوة، كما هي أداة لتأديب الأعداء.
وعندما اختار مؤسسو «نورج» الاسم، كانوا يستحضرون تعبيراً يحمل أصالة ريفية لبنانية وتراثية زراعية من جهة، وله صدى لاهوتي عميق يتحدث عن «الغربلة» وتحويل الأزمات إلى طاقة إنتاجية وتثبيت الجذور.
تعمل مؤسسة أبو ناضر هذه المدة على نقل المساعدات إلى القرى المسيحية في الشريط الحدودي المحتل، وتحرص على أن يكون نشاطها منسقاً حصراً مع الجيش اللبناني والصليب الأحمر والقوات الدولية إضافة إلى السفارة البابوية في بيروت.
وبمعزل عن الموقف السياسي لإدارة المؤسسة، المعارض لحزب الله، والذي يرفض فكرة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنهم يواجهون في هذه المدة أسئلة مقلقة حول مستقبل الوجود المسيحي في الشريط الحدودي، خصوصاً أن السكان هناك يتعرضون للإذلال من قبل قوات الاحتلال، إذ يمنع سكان القطاع الغربي من التحرك في اتجاه القطاع الشرقي وبالعكس، وتنعدم فرص العمل، خصوصاً أن الواقع الاقتصادي لهذه المنطقة ظل مرتبطاً بما يجري في القرى المحيطة به. ويتكل أبناء هذه القرى في تصريف منتجاتهم الزراعية وبعض أنشطتهم على سكان القرى الشيعية المحيطة، عدا عن أن الاحتلال يعيق تنقل السكان إليها خلال عطل الأسبوع، وهناك مخاوف من أن تفرض الحكومة على الموظفين الرسميين ولا سيما من العسكريين منهم، الانتقال إلى المناطق المحررة لمتابعة عملهم، ما قد يدفعهم إلى الانتقال مع عائلاتهم. ويهتم أبو ناضر بتوفير إمكانيات لصمود هؤلاء، وهو يعوّل على أن تقود الحكومة أو الولايات المتحدة أي مشروع لإعادة الإعمار في الجنوب حتى لا تكون القرى المسيحية تحت ما يسميه «خيمة حزب الله وحركة أمل». وحتى اللحظة، هناك تعتيم كامل على أي تعاون بين مؤسسة أبو ناضر وبين عمل الفريق التابع لمعدراني.