لبنان
شدّد رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الشيخ علي دعموش، خلال المؤتمر الصحفي الذي أقامه حزب الله لإعلان مشروع الإيواء في مركز بلدية الغبيري في الضاحية الجنوبية، على أنَّ خيار المقاومة هو ضرورة وطنية لا يمكن التخلي عنه في ظلّ وجود الاحتلال والعدوان والأطماع الصهيونية بأرضنا، وأنَّ هذه المقاومة قدّمت في أدائها وتضحياتها ملاحم بطولية منعت العدو من احتلال الجنوب، وسطّرت للوطن أبهى صورة للدفاع عن وجوده.
وقال: "لئن تمكّن هذا العدو من احتلال بعض القرى وتدميرها وتجريفها والوصول إلى بعض المواقع، فهذا لا يعني أنَّه أصبح قادرًا على الاستقرار على أرضنا، فوظيفة المقاومة ليست كوظيفة الجيوش النظامية، هي تعمل على استنزاف الاحتلال حتى طرده من بلادنا، وإنَّ ما حدث من تطورات ميدانية ناتجة عن موازين قوى معينة لا يعني على الإطلاق القبول بمنطق الاستسلام والخضوع، فهي موازين قابلة للتبدّل، وسبق أن مرّ لبنان بمثلها وتغيّرت بفضل إرادة شعبنا".
وأضاف: "لقد فشلت السلطة، أو كانت عاجزة عن قصد أو غير قصد، بعد 27 تشرين الثاني 2024 في توفير سبل الحماية للسيادة الوطنية. لذلك لا تستطيع أن تمنع شعبها من ممارسة هذا الحق الإنساني والأخلاقي والقانوني. وندعوها اليوم إلى وقف مسلسل التنازلات المجانية وخرق الدستور والميثاق والعودة إلى أحضان شعبها بدل الرهان على خيارات خارجية تهدف إلى تقويض أسس لبنان وتسلبه حريته وسيادته واستقراره". ودعا اللبنانيين إلى وعي خطورة المرحلة التي يمرّ بها بلدنا، وإلى تغليب مصلحته على المصالح الفئوية والحزبية واعتماد لغة التلاقي والحوار بدل خطاب التحريض والكراهية، والذي يزيد من حدّة الانقسام والتباعد بين مكونات الشعب اللبناني، فمهما حصل سيبقى لبنان بلدًا لجميع أبنائه.
كما أكد حرص حزب الله على بناء الدولة القوية العادلة المبنية على الشراكة الوطنية، كما نصّت وثيقة الوفاق الوطني، دولة تطمئن جميع أبنائها، وتتحمّل مسؤولياتها الكاملة عن شعبها، وتدعم بالوسائل كافة خيار التحرير، وفق ما أكدت عليه تلك الوثيقة. ورأى أنَّ إعادة الإعمار وإيواء النازحين هما مسؤولية الدولة اللبنانية، وأنَّ هذا الملف الإنساني الوطني يجب أن يخرج من أي حساب سياسي، وعلى الحكومة ألّا تتعاطى معه بمثل هذا الحساب، لأنَّ ذلك يزيد الهوّة بين الدولة وشعبها. هي إلى الآن لم تضع هذا الملف على طريق المعالجة، سواء بالسعي إلى تأمين التمويل، أم وضع الاعتمادات اللازمة في الموازنة، أم باستكمال الإطار الرسمي التنفيذي بإقرار آلية مسح الأضرار واحتساب بدل التعويضات، والنص المقترح لذلك لا يزال في أدراج الحكومة ولم يُفرج عنه حتى الآن.
وقال: "إنَّنا في حزب الله، ومن موقع مسؤوليتنا الشرعية والأخلاقية، مستمرون في خدمة شعبنا وبذل كل جهد ممكن في سبيل عزّته وكرامته، ومهما فعلنا وقدّمنا نبقى عاجزين أمام أم شهيد ترفع صورة ابنها مفتخرةً بما قدّمت ومستعدةً للمزيد من التضحية، وأمام طفل يعاهد أباه الشهيد على مواصلة الدرب، وأمام عائلة نازحة فقدت كل ما تملك، ولكنها لم تفقد إيمانها ولا عزمها وإرادتها، وترفض أن تتخلّى عن حقها المشروع بمقاومة المحتل".
وأوضح أَّنّ ما نقوم به ليس بديلًا عن الواجب الملقى على الدولة، ولا نبحث فيه عن أي مكسب سياسي أو شعبي، هو وعد والتزام شرعي وأخلاقي تجاه شعبنا الصابر، ونبذل جهودًا كبيرة من أجل تحقيق هذا الالتزام، وهم يعرفون ذلك، ويتابعون جهودنا بكل صبر وثقة. وفي هذا المجال، لسنا معنيين بالحديث عن حجم المبالغ الكلية في كل دفعة من الدفعات المقررة.
وأضاف: "أتوجّه هنا إلى كل أهلنا لأقول لهم: أنتم حقًّا كما وصفكم سيد شهداء الأمة: أشرف الناس وأعز الناس وأكرم الناس، وأذهلتم العالم بعظيم تضحياتكم، ودفعتم أعداء بلدنا إلى اليأس من إمكانية هزيمة إرادتكم. لقد صبرتم وتحمّلتم العدوان "الإسرائيلي" والكثير من الأذى الداخلي، وبقيتم الأحرص على بلدكم وسلمه الأهلي وعيشه الواحد، ولم يتمكّن أحد من أخذكم إلى غير الخيار الذي آمنتم به، وهو خيار لبنان الواحد الموحّد، والعيش فيه بعزّة وكرامة". ووأردف: "أتوجّه إلى أصحاب الخيارات الخاسرة المبنية على أوهام وأضغاث أحلام، والذين راهنوا على ضعفنا وتراجعنا عن حقّنا، فأطلقوا العنان لخطاب الكراهية والتحريض، وظنّوا أننا لن نستطيع مواجهة العدو وآثار عدوانه. أتوجّه إليهم لأدعوهم إلى إعادة النظر في حساباتهم الخاطئة، ورهاناتهم الفاشلة، ومحاولاتهم البائسة غير الأخلاقية للمسّ بمعنويات شعبنا من بوابة آلام النزوح. أولئك الذين راهنوا على الحصار الأميركي الظالم وروّجوا له، وظنّوا أنَّ العقوبات والضخ الإعلامي الكاذب ستمنعنا من السعي لتوفير مقومات الصمود. ولم يُكتفَ بذلك، بل إنَّ بعض المؤسسات الرسمية، وبقرارات من جهات خارجية، عملت على تطبيق الحصار من أجل منع وصول المعونة للمتضرّرين. ولكن كل تلك المحاولات سقطت أمام إرادة شعبنا، وقد تبيّن أنَّها جميعها لم تقف بيننا وبين تحمّل مسؤوليتنا في توفير ما يخفّف من آلام شعبنا".
وتابع: "اليوم نثبت مرة أخرى أنَّنا المقاومة التي لا تتخلّى عن مسؤولياتها، وتقدّم النموذج الراقي في حملها لهذه المسؤولية، وأنَّنا نفعل أي شيء من أجل أن يبقى هذا الشعب عزيزًا مرفوع الرأس، وسيبقى كذلك إن شاء الله تعالى". وأشار إلى أنَّنا، انطلاقًا من الالتزام الذي جدّده سماحة الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، بتقديم المساعدة المالية لشعبنا المضحي، نعلن اليوم برنامج الإيواء للنازحين أو الذين دُمّرت منازلهم أو تضرّرت ضررًا كبيرًا ولم تعد صالحة للسكن.
ورأى أنَّ هدف برنامجنا هو الناس مباشرة، والمتضرّر المباشر الذي هُجّر من مسكنه الفعلي المهدوم أو المتضرّر ولا يملك مسكنًا بديلًا. وهو برنامج يوفّر إمكانية استئجار منزل له ولعائلته وشراء أثاث لبيته، كما هو الحال مع البرنامج الذي عملنا عليه بعد العدوان الإسرائيلي في العام 2024. والتقديمات والضوابط التي وضعناها لهذا البرنامج مرتبطة بالإمكانات المتوافرة، وإلّا فإنَّ كل شعبنا يستحق أن نقدّم له كل شيء، ولا نوفيه حقّه.
ولفت إلى أنَّ البرنامج يشمل، كمرحلة أولى، بدل إيواء وأثاث للشرائح الآتية:
أولًا: أصحاب الوحدات السكنية المهدومة بالكامل في الأبنية المهدومة هدمًا كليًا أو جزئيًا.
ثانيًا: أصحاب الوحدات السكنية المهدومة في الأبنية المقرّر هدمها هدمًا كليًا أو جزئيًا، استنادًا إلى نتائج دراسات لجان الكشف الفني المتخصصة.
ثالثًا: النازحون من المناطق الحدودية المحتلة أو المحاذية لها الذين هُجّروا من قراهم، سواء كانت وحداتهم السكنية مهدومة أم متضرّرة أم غير متضرّرة. هذه المناطق تشمل عموم القرى والبلدات والمدن الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي أو المحاذية لها، التي هي بحكم المحتلة، والتي لا يتمكّن أهلها من السكن فيها بسبب منعهم من قبل الاحتلال أو بسبب المخاطر التي يفرضها الاحتلال.
رابعًا: أصحاب الوحدات السكنية المصابة بأضرار إنشائية أو بأضرار كبيرة غير إنشائية تجعلها غير صالحة للسكن.
هذا؛ وأوضح أنَّ كل العائلات التي كانت تعتمد هذه الوحدات السكنية سكنًا أساسيًا دائمًا لها، وليس سكنًا صيفيًا أو ثانويًا أو متروكًا بسبب الاغتراب، ستستفيد من مساعدات الإيواء إن لم تكن تملك منزلًا آخر يشكّل بديلًا لسكنها الأساسي. وقال إنَّ السقف الأعلى لمساعدات الإيواء التي ستُصرف لهذه العائلات هو بقيمة 14,000 دولار للوحدات السكنية في بيروت العاصمة والضاحية الجنوبية، و12,000 دولار للوحدات السكنية خارج بيروت والضاحية. وهو مقسّم إلى بدل أثاث بقيمة ثمانية آلاف دولار كمبلغ موحّد في كل المناطق، وإلى بدل إيجار بقيمة ستة آلاف دولار في الضاحية وبيروت، وأربعة آلاف دولار في بقية المناطق. وهي القيم المالية نفسها التي اعتُمدت للإيواء في عدوان أيلول 2024، وسيُدفع هذا المبلغ لكل مستحق لمدة سنة على أربع دفعات، كل ثلاثة أشهر. وسنبدأ بالدفعة الأولى، وقيمتها ثلاثة آلاف وخمسمئة دولار للضاحية وبيروت، وثلاثة آلاف دولار في بقية المناطق، وسيشمل هذا البرنامج كل المستحقين للإيواء من عدوان أيلول 2024 ومن عدوان آذار 2026.
كما أكد أنَّ المساعدات ستُصرف في جميع المناطق اللبنانية التي تعرّضت للعدوان، وسنتوجّه فيها إلى المواطن بصفته الإنسانية وانتمائه إلى وطن واحد، بمعزل عن الانتماء الطائفي أو السياسي، لأنَّنا ننظر إلى الجميع نظرة الانتماء إلى بلد واحد وشعب واحد. وستبقى يدنا ممدودة هنا إلى كل من وقع عليه ضرر بسبب العدوان الصهيوني على بلدنا، بمعزل عن موقفه السياسي، وسنبقى على عهدنا الدائم، كما كنّا سابقًا عند كل استحقاق إنساني يتعلّق بحاجات الناس.
وأشار إلى أنَّ وحدات حزب الله المختصة ومناطقه التنظيمية عملت على مسح شامل للنازحين في القرى والبلدات الجنوبية وفي الضاحية وبقية المناطق، وأنجزت هذه المهمة بمهنية عالية. "لقد شكّلنا اللجان المختصة التي لا تزال تستكمل عملية إحصاء ومسح الوحدات المستحقة للإيواء، وأصبحت لدينا صورة واضحة عن حجم هذه الوحدات والمبالغ المطلوبة".
وقال: "اعتمدنا آلية مرنة للمسح وإدارة عملية إعداد جداول المستفيدين وصرف المساعدات، حيث تقوم لجان مسح الإيواء في المناطق المتضررة كافة، في بيروت والجنوب والبقاع، بإحصاء الوحدات السكنية المستحقة وفق استمارة المسح الموحّدة والمعدّة من شركة معمار، وسترفعها إلى إدارة الشركة التي تقوم بدورها بإصدار الجداول الاسمية للمستحقين وتحيلها مع كمبيالات الدفع إلى المناطق، حيث ستقوم المناطق بتحديد المراكز المعتمدة للمراجعة وصرف المساعدات في كل منطقة، ومواعيد تسليم الكمبيالات، وتبليغ المستفيدين بالوسائل المناسبة لاستلام كمبيالاتهم وصرفها لهم حسب تواريخها تباعًا، بعد تحصيل التواقيع اللازمة على استلام المبلغ المقرّر".
وأشار إلى أنَّ الحكومة لم تقدّم إلى الآن برنامجًا لمساعدة الناس مباشرة، وما قامت به من رفع الأنقاض أو إقامة بعض المشاريع يتعلق بالبنية التحتية، ولا يصل مباشرة إلى المتضرّرين. رأى أنَّ العامل المؤثر في مواجهة أزمة النزوح وإعادة الإعمار هو حجم التضامن الداخلي والخارجي، والتكافل الشعبي الذي رأينا الكثير من نماذجه في المرحلة الماضية، ويجب أن نرى الكثير منه في هذه المرحلة والمرحلة المقبلة، لأنَّ المشروع كبير ويتطلب تضافر كل الجهود ميدانيًا وعمليًا.
كذلك توجّه الشيخ دعموش إلى جميع من آوى ودعم وساعد وأسهم في التخفيف من آثار العدوان بالشكر والامتنان والتقدير على هذه الوقفة الوطنية، وقال: أخاطب اليوم ضمائر الجميع، خصوصًا في المناطق التي تشكّل مجتمع المقاومة، فنحن جميعًا شركاء في التضحية والصمود والتعاون والتكافل، ولذلك ندعو إلى أعلى درجات التضامن مع النازحين عن بيوتهم، ولا يجوز هنا أن يسارع البعض إلى رفع بدلات الإيجار أو رفع أسعار أثاث المنازل بدعوى أنَّ حزب الله سيتكفّل بذلك، فهذا الأمر يزيد العبء على هؤلاء النازحين، خصوصًا أنَّ البرنامج المقرّر يقدّم المساعدة على دفعات وليس على دفعة واحدة. وأضاف: "أقول لأهلنا الأعزاء، أهل الكرامة والعنفوان والوفاء، إنَّ هذا المشروع بدأ وسنكمله بعون الله تعالى، ومن خلال تعاونكم فإننا سنتمكّن من إنجازه بأسرع وقت ممكن بإذن الله تعالى".
ولفت إلى أنَّ هذا المشروع انطلق تحت عنوان «وعد والتزام»، لنقول لأشرف الناس الذين دُمّرت بيوتهم أو تضرّرت إنَّ وعد سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، وخطط شهيدنا ورفيق دربنا السيد هاشم صفي الدين والتزام أميننا العام سماحة الشيخ نعيم قاسم، كلّها سيتم إنجازها؛ بمشيئة الله سبحانه وتعالى".
وتابع: "نحن على بركة الله بدأنا، انطلاقًا من واجبنا الأخلاقي والشرعي والوطني تجاه شعبنا، ومهما قدّمنا له لا نوفيه حقّه، وهو الشعب المضحي والمقدام الذي يستحق بذل كل جهد في سبيل عزّته وكرامته، مشيرًا إلى أنَّنا على ثقة بأنَّنا قادرون على النجاح في هذا التحدي الجديد بالاتكال على الله والإخلاص له، وبالعمل الجاد الذي تبذله كل اللجان وفرق العمل بالتعاون مع أهلنا الشرفاء، الذين نحيّي صبرهم وتحمّلهم وتفهّمهم للظروف التي يجري فيها العمل.
ختم الشيخ دعموش بالقول: "اليوم، بالإخلاص لله تعالى ولوطننا ولشعبنا في لبنان وبالعمل الجاد، نثبت انتصار الإعمار على الدمار وانتصار الإنسانية على الهمجية، ونقول لكل الذين راهنوا على عجز حزب الله في لملمة جراح الناس وإيوائهم إنَّ رهانكم خائب وخاسر، وها هو حزب الله، بفضل دماء شهدائه الأبرار وبفضل المخلصين، يبادر من جديد ليبرهن على صدق وعده، وليعلن وقوفه، كما في كل استحقاق، إلى جانب أهله الصابرين الذين لم يتخلّوا في يوم من الأيام عن هذه المقاومة، ولم ولن تتخلّى عنهم المقاومة في أي يوم من الأيام، وستعمل على الدوام بكل إمكاناتها في سبيل كرامتهم وعزّتهم".