اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي رؤساء بلديات قرى الحافة لـ"العهد": مشروع الإيواء في وقته ويخفّف عنا أعباءً متفاقمة

لبنان

العلامة الخطيب: نعيش مرحلة امتحان صعبة تتطلب منا الثبات
🎧 إستمع للمقال
لبنان

العلامة الخطيب: نعيش مرحلة امتحان صعبة تتطلب منا الثبات

93

أكد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؛ العلامة الشيخ علي الخطيب على وجوب أن "نفهم طبيعة الصراع الذي نخوضه على أنّه صراع على الأرض، وعلى امتلاك عناصر القوة والنفوذ، تمامًا كما هي الحال في الصراعات الدائرة اليوم بين القوى الكبرى، كالولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن نفهم طبيعة المواجهة القائمة بيننا وبين الغرب". وقال: "هذه المواجهة ليست أمرًا مستجدًا، بل هي صراع تعود جذوره إلى بدايات الإسلام". 

وتناول الشيخ الخطيب في ندوة فكرية نظمها "مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي" في مقره، بعض القضايا المتصلة بالأديان الأخرى، أي "اليهودية والمسيحية، اللتين نعترف بهما ديانتين إلهيتين، مع التمييز بين اليهود وغيرهم، وبين المسيحيين أنفسهم، إذ لا يجوز التعميم على الجميع".

 وقال: "منذ بداية الإسلام، لم يكن هذا الصراع، في جوانب أساسية منه، صراعاً فكريًا قائمًا على البحث عن الحقيقة، أو نقاشًا موضوعيًا حول ما جاء به الإسلام، وما إذا كان حقًا أم باطلًا. فنحن نؤمن بأن الإسلام امتداد لرسالات الله، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وننظر إلى الرسالات السماوية السابقة بوصفها حلقات في مسار الوحي الإلهي الذي يقوم على التوحيد والنبوة والإيمان باليوم الآخر".

وأضاف: "وقد اتّخذت المواجهة، منذ مراحلها الأولى، أشكالًا تتجاوز الحوار الديني والفكري. ففي ما يتعلّق ببعض المواقف التي واجه بها اليهود الدعوة الإسلامية، كان التركيز، بحسب هذه القراءة، على التشكيك في رسالة النبي محمد وتشويه صورته، واتهامه بالكذب والسحر، بدلاً من الدخول في حوار فكري جاد. وقد كانت لهذه المواقف تأثيراتها، في ظل المكانة التي كانت تحظى بها الديانتان اليهودية والمسيحية لدى العرب في الجزيرة العربية. وإذا انتقلنا إلى المرحلة الحديثة، نجد أن العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب اتّخذت مسارًا مشابهًا، وإن اختلفت الظروف والأدوات. فعندما بدأ الغرب يتقدّم صناعياً وماديًا، انجذب كثير من العرب والمسلمين إلى تجربته، ورأوا فيها مخرجًا من واقع التخلف الذي عاشته مجتمعاتهم في أواخر العهد العثماني، وفي المراحل التي تلته".

وتابع قائلًا: "لكن هذا الانجذاب لم ينشأ، في كثير من الحالات، عن حوار فكري متكافئ أو مراجعة نقدية عميقة للتجربة الغربية، بقدر ما كان نتيجة الانبهار بالتقدم المادي، والشعور بالحاجة إلى الخروج من واقع متراجع. وهكذا أصبح الغرب، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من النخب، نموذجًا يُحتذى في مختلف المجالات، دون أن يقترن ذلك دائمًا بنقاش جاد حول خلفيات هذه التجربة وأبعادها الفكرية والثقافية".

وأردف الخطيب :"وقد برز هذا التوجّه خصوصًا لدى فئات من المثقفين والنخب المؤثرة في المجتمع، ممن درسوا في المؤسسات التعليمية الغربية أو تأثروا بمناهجها وتوجهاتها، وانخرط بعضهم في مشاريع ثقافية وتبشيرية. وفي المقابل، حافظت مراكز علمية ودينية عريقة على حضورها في مواجهة ما اعتبرته محاولات لفرض الهيمنة الفكرية الغربية، وفي مقدّمها النجف الأشرف والأزهر الشريف وجامع الزيتونة.

أما في قطاعات أخرى، فقد غلب الانبهار بالتجربة الغربية على النقاش النقدي، وأصبح كثيرون يسيرون مع التيار السائد، دون التوقف بما يكفي عند الأسئلة المتعلقة بالهوية والدين والاستقلال الثقافي".

واستطرد: "إنّ جوهر المسألة، في تقديري، هو أن التقدّم المادي تحوّل تدريجياً إلى أداة للهيمنة الثقافية. فقد ارتبط انتشار أنماط فكرية وفلسفية، كالإلحاد والليبرالية والرأسمالية، في بعض السياقات، بمحاولات لإعادة تشكيل وعي المجتمعات العربية والإسلامية، وإبعاد الدين عن دوره في الحياة العامة"، معتبرًا أن المدارس والجامعات، لم تكن بعيدة عن هذا المسار؛ إذ أصبحت المؤسسات التعليمية والثقافية منابر مؤثرة في نقل الأفكار والنماذج الغربية.

ورأى أنه جرى تحميل الإسلام والدين مسؤولية التخلف الذي أصاب العالم العربي، وتصوير الخروج من هذا الواقع على أنه يقتضي الابتعاد عن الدين والتخلّي عن مرتكزاته، والأخذ بالنموذج الغربي دون تمييز بين ما يمكن الإفادة منه في مجالات العلم والتقدّم، وما يتصل بالخصوصيات الثقافية والحضارية للمجتمعات. معتبرًا أن ما نشهده اليوم، "في جانب منه، تراجع للمشروع الذي راهن على التغريب، وعلى إخضاع المنطقة سياسيًا وثقافيًا للغرب و"إسرائيل".

وإذ أشار إلى أن القوى الغربية كانت تعتمد، طوال مراحل طويلة، على أطراف محلية تتولى حماية مصالحها، رأى "أن لجوء الولايات المتحدة الأميركية والغرب إلى التدخل المباشر في المواجهة مع الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين وإيران يعكس، في قراءتنا، تراجع قدرة الأطراف التي اعتمدوا عليها سابقًا على إدارة الصراع نيابة عنهم. وبذلك انتقلت المواجهة، في جوانب أساسية منها، من مرحلة الاعتماد على الوكلاء إلى التدخل المباشر من جانب القوى الأصلية".

وتابع الشيخ الخطيب قائلًا: نحن "أمام مرحلة تحوّل في مسار الصراع. وقد تطول هذه المرحلة أو تقصر، لكنني أؤمن بأن الشعوب، حين تتمسك بحقوقها وقضاياها، قادرة على تغيير موازين القوة، وأن الحق لا يفقد إمكان الانتصار بسبب ما يتعرّض له أصحابه من آلام وخسائر". مشيرًا إلى أن السلطة وبعض القوى السياسية في لبنان كانت قبل العدوان على إيران تعتقد أن إيران لن تستطيع مواجهة أميركا، وأن المقاومة لن تتمكن من الصمود، وأنه يمكن القضاء عليها خلال أيام قليلة.

واستدرك الخطيب: "لكن الذين اختاروا المواجهة كانوا، وفق ما أعلنوه، يستندون إلى قناعة بحقهم في الدفاع عن أنفسهم وقضاياهم، وإلى اعتقاد بأن الغرب بلغ ذروة قوته ونفوذه، وأن بلوغ القمة يفتح، تاريخياً، الباب أمام التراجع.

لقد اعتقد بعضهم أن اتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة تمثّل نهاية الصراع، وأن العرب والمسلمين قد استسلموا نهائيًا لمسار التسوية. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذا المسار لم ينهِ الصراع، وأن المقاومة بقيت حاضرة، وأن القضية الفلسطينية لم تُطوَ كما أراد لها بعضهم".

ولفت إلى أن "هذا المسار تزامن مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني، وهو ما مثّل، في هذه القراءة، نقطة تحوّل أساسية في المنطقة. وفي المقابل، بدأ مشروع التسوية الذي روّج له باعتباره طريق الخلاص يواجه تحديات متزايدة، فيما واصلت المقاومة الفلسطينية واللبنانية حضورها، وحققت محطات بارزة في مسار المواجهة".

وقال: "وكان الانتصار الذي تحقق في لبنان عام 2000، مع انسحاب الجيش "الإسرائيلي" من جنوب لبنان دون قيد أو شرط، محطة مفصلية وزلزالًا سياسيًا ومعنويًا في المنطقة. فقد شكّل، وفق هذا التقييم، إنذارًا بأن موازين القوة قابلة للتغيّر، وأن "إسرائيل" ليست قوة لا يمكن مواجهتها أو إجبارها على الانسحاب. وقد دفع ذلك، بحسب هذه القراءة، القوى الغربية وحلفاءها إلى البحث عن وسائل لوقف هذا المسار، سواء عبر الضغوط السياسية أو إثارة الانقسامات الداخلية والطائفية، أو من خلال الحروب العسكرية".


وأكد الشيخ الخطيب أنه رغم كل ما شهدته المنطقة من حروب وانقسامات، فإن مشاريع الفتنة الطائفية لم تحقق جميع أهدافها، وأن قوى المقاومة لم تتخلَّ عن قضاياها، وأن الشعوب ما زالت قادرة على تجاوز كثير من آثار هذه الانقسامات. وهذا لا يعني التقليل من حجم الأذى الذي أصاب سورية والعراق ولبنان وسائر المنطقة، بل يعني التمييز بين الخسائر التي تكبّدتها الشعوب وبين النتائج السياسية والإستراتيجية الأوسع للصراع.

ورأى أنه "خلال السنوات الثلاث التي أعقبت طوفان الأقصى، اتّخذت المواجهة أشكالاً بالغة القسوة، وبلغ القتل والتدمير مستويات هائلة، ولا سيما في غزة، حيث سقط عدد كبير من النساء والأطفال، وتعرّض المدنيون لدمار واسع وتهجير ومعاناة إنسانية عميقة، مشيرًا إلى أن "هذه الحرب، كشفت عن مدى استعداد القوى الكبرى لتجاوز المبادئ التي تعلن التمسك بها، وفي مقدّمها احترام القانون الدولي وحماية المدنيين. فقد كان يُفترض بالولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية أن تكون من أبرز الجهات المدافعة عن هذه المبادئ، لكن مواقفها من الحرب أثارت تساؤلات واسعة حول مدى التزامها بها حين تتعارض مع مصالحها السياسية والإستراتيجية".

وقال: "إن ما جرى منذ عام 2000، وما أعقبه من تطورات، يفسّر جانبًا من هذه المواجهة. فقد أحدث الانسحاب "الإسرائيلي" من جنوب لبنان أثرًا واسعًا في العالمين العربي والإسلامي، وأثبت أن موازين القوة ليست ثابتة. وحاولت "إسرائيل" وحلفاؤها لاحقًا الحد من تأثير هذا التحوّل، لكنهم لم يتمكنوا من محو دلالاته بالكامل".

ولفت إلى "أن المواجهة الراهنة لا تقتصر على نتائجها العسكرية المباشرة، بل تشمل أيضًا نتائجها الفكرية والإعلامية والحضارية، وقال: "إن الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" تكبّدتا خسارة إستراتيجية وحضارية وإعلامية، حتى لو حققتا، في بعض المراحل، مكاسب عسكرية تكتيكية. وهذه قراءة سياسية للصراع، تقوم على التمييز بين السيطرة الميدانية الآنية وبين القدرة على تحقيق الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى".

وقال: "قد لا يدرك عموم الناس هذه الفوارق بسهولة، خصوصًا أولئك الذين دفعوا أثمانًا باهظة من أبنائهم ومنازلهم وقراهم وممتلكاتهم. أما النخب التي تتابع التحولات السياسية والفكرية، فيمكنها أن تقرأ هذه النتائج في سياق أوسع، يتصل بمستقبل المنطقة، وبقدرة الشعوب على استعادة قرارها المستقل".

أضاف: "ما يحصل في لبنان مؤسف، ولا سيما حين تتحوّل الخلافات الداخلية إلى عامل إضافي لإضعاف المجتمع، بدلًا من أن تكون مناسبة لإعادة التفكير في المصالح الوطنية المشتركة"، وقال :"كان ينبغي أن تكون التطورات التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من تضحيات وخسائر، دافعًا إلى توحيد اللبنانيين بمختلف أطيافهم، لا إلى زيادة الانقسام بينهم. فالخسارة ليست خسارة طائفة بعينها، كما أن الانتصار، إذا تحقق، لا يمكن اختزاله بانتصار طائفة على أخرى؛ بل ينبغي النظر إليه، في أبعاده الحضارية والإنسانية، بوصفه قضية تتصل بمستقبل العرب والمسلمين، بكل مكوّناتهم وطوائفهم".

وقال: "يحتل لبنان موقعًا مهمًا في هذا السياق، نظرًا إلى تأثيره في العالم العربي والإسلامي، وإلى دوره في تشكيل الروايات السياسية والإعلامية المتعلقة بالصراع. فمن لبنان يمكن أن تنطلق روايات الهزيمة أو الصمود والانتصار، ولهذا تكتسب مواقفه الداخلية والخارجية أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية".


وشدد على "أن المعركة الراهنة، ليست معركة المسلمين وحدهم، بل هي معركة تتصل بمستقبل مجتمعاتنا كلها، وبقدرتها على الحفاظ على كرامتها واستقلالها وتنوّعها. ومن الخطأ أن تتحوّل هذه المواجهة إلى سبب إضافي للانقسام الداخلي، فيما المطلوب أن تكون حافزاً للتضامن والتكامل".

وتوجه بالشكر والتقدير إلى "كل من أسهم في هذه المسيرة فكريًا وثقافيًا وإعلاميًا، وإلى قادة المقاومة الذين قدّموا نماذج في الصمود والتضحية، وأسهموا في ترسيخ قناعة لدى قطاعات واسعة من الناس بإمكان مواجهة الاحتلال والدفاع عن الحقوق"، مشيرًا إلى أن الإمام السيد موسى الصدر في طليعة هذه الشخصيات.

وقال: "إنّ الأصوات التي ارتفعت في لبنان بعد استشهاد قادة المقاومة ورجالها، وبعد ما تعرّض له جنوب لبنان من غدر ودمار، أسهمت في تعميق الخلافات الداخلية، بدلًا من أن تفتح المجال أمام مراجعة وطنية شاملة".

وأضاف: "إن ما حصل لا ينبغي اختزاله بمفهوم الهزيمة، بل يجب النظر إليه في سياق الصراع الأوسع، مع الإقرار بحجم الخسائر والتضحيات التي تكبّدها اللبنانيون. كما أن المسؤولية عن النتائج لا يمكن فصلها عن المواقف الداخلية، وعن دور السلطات والقوى السياسية في إدارة المواجهة وتداعياتها". داعيًا إلى التمييز بين الخسائر الميدانية والإنسانية، من جهة، وبين الأحكام السياسية والإستراتيجية المتعلقة بمآلات الصراع، من جهة أخرى. معتبرًا أن "المرحلة تستدعي مراجعة جدية لكل ما من شأنه حماية لبنان، وصون وحدته، ومنع تحويل آلام اللبنانيين إلى وقود لمزيد من الانقسام".

وتوجه الشيخ الخطيب بالتحية إلى جميع الشهداء؛ شهداء فلسطين ولبنان، و"الشعب الفلسطيني، والأمهات الفلسطينيات الصابرات، ولا سيما أمهات الشهداء في غزة والضفة الغربية اللواتي يتحمّلن آلام الفقد والتهجير والدمار، ويتمسكن بحقوق شعبهن رغم قسوة الظروف".

كذلك، حيّا ذكرى الشهيد السيد حسن نصر الله والشهيد السيد هاشم صفي الدين، وجميع قادة المقاومة ومقاتليها وشهدائها، وكل الذين قدّموا حياتهم دفاعًا عن قضاياهم ومجتمعاتهم"، مؤكدًا أن "الوفاء للشهداء لا يكون بالخطابات وحدها، بل بالعمل على حماية الناس، وصون وحدتهم، والدفاع عن حقوقهم، ومنع استغلال تضحياتهم في الصراعات الداخلية أو الحسابات الضيقة".

وتابع الشيخ الخطيب قائلاً: "إننا نعيش مرحلة امتحان صعبة، تتطلب منا الثبات والوعي وعدم الاستسلام لليأس، كما تتطلب منا التمسك بوحدة المجتمع، ورفض الفتنة الطائفية، والعمل على حماية لبنان والمنطقة من مزيد من الدمار والانقسام". وقال: "إنّ الإيمان بالحق لا يعني تجاهل حجم الخسائر أو التقليل من معاناة الناس، بل يعني ألّا تتحوّل هذه الخسائر إلى سبب لفقدان الأمل، وألّا تدفعنا التحديات إلى التخلي عن حقوقنا أو عن مسؤولياتنا تجاه أجيالنا المقبلة".

الكلمات المفتاحية
مشاركة