خاص العهد
الباحث التونسي عابد الزريعي لـ"العهد": طوفان الأقصى انتقل من الميدان إلى الوعي
رئيس مركز دراسات أرض فلسطين في تونس: معركة تحصين الجماهير ضد الصهيونية هي التحدي الأكبر
بمناسبة الذكرى الثالثة لمعركة "طوفان الأقصى"، تتسارع الأسئلة حول طبيعة الخطاب الإعلامي والسياسي المطلوب في هذه المرحلة، لدعم صمود الشعب الفلسطيني على المستوى الشعبي المغاربي والعربي والدولي. موقع "العهد التقى الكاتب والباحث عابد الزريعي رئيس مركز دراسات أرض فلسطين في تونس ليضعنا أمام قراءة عميقة لمسار الطوفان، أبعاده الاستراتيجية، وسبل خوض معركة الوعي في مواجهة حرب الأسلحة الصهيونية.
مع إحياء الذكرى الثالثة لـ"طوفان الأقصى": كيف يجب أن نتحدث عن الطوفان اليوم، وسط هذا الصخب الإعلامي الممنهج الذي يطعن في المقاومة وينتصر للمشروع التطبيعي الصهيوني؟
- في تقديرنا، إن الإجابة على "ماذا وكيف نتحدث عن الطوفان اليوم؟" تبدأ بفهم الدافع الحقيقي وراء هذا الطوفان الآخر من الصفحات والمواقع والمحللين الذين يطلون عبر الفضائيات للطعن في المعركة وقواها.
أضاف الزريعي: "إن القوى المضادة، الخفية منها والمعلنة، أدركت جيدا أن الطوفان العسكري لم يعد مجرد حدث ميداني، بل بات يتدفق سياسيًا وفكريًا ليحدث تحولات تاريخية عميقة في العالم. من هنا جاءت حربهم الشرسة باستخدام كل الأسلحة الناعمة للطعن في فكرة المقاومة ذاتها وإجهاض أي نفس مقاوم في المنطقة. لذلك، فإن الاشتباك اليوم يدور بامتياز في "دهاليز الوعي". وإدراكنا لهذه المسألة يحدد لنا بوصلتنا: يجب أن نخوض معركة الوعي على حد النزيف، ودون مواربة أو ارتباك، بهدف تحصين جماهيرنا ضد حملات الاستسلام، لكي يستمر الطوفان في تدفقه التاريخي".
ركزتم على أهمية الانطلاق من ثوابت واضحة لتحليل المعركة. ما هي هذه الثوابت التي تعتبرونها بمثابة القاعدة الصلبة؟
- أي تحليل يتجاهل الثوابت سيقود بالضرورة إلى نتائج ضبابية ومرتبكة، ولهذا نستند إلى ثلاثة ثوابت رئيسية:
أولًا؛ ثابت المسار التاريخي فطوفان الأقصى ليس حدثا معزولا، بل هو جزء أصيل وحلقة مركزية في المسار التاريخي لنضال الشعب الفلسطيني، سبقته حلقات كمعركة "سيف القدس" في أيار /مايو 2021، وستتلوه حلقات أخرى حتى تحقيق الأهداف الوطنية كاملة.
ثانيًا؛ ثابت المشروعية، وتتبدى في ثلاثة مبادئ أولها مبدأ الحق الذي كرسه القانون الدولي بحق الشعوب الخاضعة للاستعمار في تقرير المصير ومقاومة المحتل دون تدخل في أيديولوجيتها. وثانيها مبدأ الدفاع لردع العدوان الصهيوني المتنامي في ظل عجز الشرعية الدولية. وثالثها مبدأ درء المخاطر الأمنية والسياسية التي تستهدف تصفية القضية، سواء عبر تسارع مسار التطبيع أو عبر نظرية "جز العشب".
ثالثًا؛ المنهج حيث تميل موازين القوى العسكرية لصالح العدو، مما يفرض اختلافا في الأهداف. فالعدو يبحث عن أهداف عسكرية ردعية وإثقال الكلفة الإنسانية، بينما تسعى حركة التحرر إلى أهداف سياسية بالدرجة الأولى، تتمثل في تعزيز شرعية المقاومة، خلق التناقضات في صفوف العدو، وإحداث تعارضات بينه وبين حلفائه.
على المستوى الاستراتيجي، كيف ترون شكل الصراع اليوم بين مشروع المقاومة ومشاريع الإجهاض؟
- نحن أمام مسارين استراتيجيين متضادين، لكل منهما اتجاه دفع رئيس ومضاد، المسار الأول وهو مسار الإنجاز الاستراتيجي، ويتمثل في الحضور غير المسبوق لفلسطين في الساحة الدولية كقضية حق وعدالة، وتغلغل السردية الفلسطينية في وجدان الشباب والأجيال الجديدة في أميركا وأوروبا، وتحول فلسطين إلى عنوان أخلاقي في ظل سقوط منظومة القيم الرأسمالية. هذا المسار بدأ يترجم نفسه حتى في صناديق الاقتراع، وبات يهدد بتجفيف المنابع التاريخية للمشروع الصهيوني سياسيا وأيديولوجيا.
أما المسار الثاني وهو مسار الإجهاض الاستراتيجي، فهو ما يقوم به العدو لصد هذا الإنجاز، من خلال استمرار حرب الإبادة في غزة بالتوازي مع التمدد الاستيطاني في الضفة، والعدوان على سورية ولبنان، ومحاولة توسيع دائرة التطبيع وبناء تحالفات جديدة في أميركا اللاتينية، إفريقيا ككونغو وأوغندا وكينيا، وفي آسيا كالهند وقبرص.
في ظل هذه المعطيات، ما هي المهام الملحة المنوطة بالقوى الداعمة لنضال الشعب الفلسطيني وقواه الحية؟
- إن استمرار تدفق مسار الإنجاز يستوجب الانخراط الواعي في خمس مهام أساسية وهي تعزيز مسار الإنجاز وتوسيع التحالفات مع القوى الديمقراطية العالمية المتضررة من التمدد الصهيوني وطبيعته الديكتاتورية والطائفية.
وعزل الكيان الصهيوني سياسيا وقانونيا على المستوى الدولي باعتباره مجرم حرب يمارس الإبادة والتوسع. وتحصين الساحة الفلسطينية وتوحيدها عبر بناء قيادة وتوجيه فعل أساسية، وهنا تبرز الأهمية الوطنية لمثل مبادرات الإنقاذ الوطني.
علاوة على تطوير أداء حركات التضامن والإسناد العربية وربطها بالتنسيق مع شبكات التضامن الدولية الموحدة. وصولًا إلى صياغة التكتيكات الملائمة في مختلف الميادين؛ القانونية والحقوقية، الإعلامية لحماية الجماهير من الإعلام المضاد، الثقافية لبناء الوعي، والاجتماعية والجماهيرية عبر الحشد الميداني والتعبوي اليومي.