مقالات مختارة
محمد رضا صادقي – صحيفة الأخبار
في الحروب، يختلف نقل الرسائل بين الطرفين المتصارعين تماماً عن إيقاف الحرب نفسها. فالوساطة الفعّالة لا تنشأ إلا عندما يمتلك طرف ما ـــ إلى جانب القدرة على التواصل مع كلا الطرفين ـــ إمكانية التأثير على حساباتهما الاستراتيجية، وتغيير كلفة استمرار النزاع، وتقديم حوافز وضمانات موثوقة لتنفيذ الاتفاق.
من هذا المنظور، تطرح أزمة عام 2026 بين إيران والولايات المتحدة ـــ في ظل استمرار المواجهات، والخلاف حول الملف النووي، والاضطراب في مضيق هرمز ـــ سؤالاً جوهرياً: أيُّ طرف يمتلك القدرة على تحويل الاتصالات الدبلوماسية إلى اتفاق مُستدام؟ تسلّط التقارير الصادرة عن مؤسسة «أوبزرفر» للبحوث (ORF) ومجلة «بوليتكس توداي» بشأن استعداد الصين لدعم الدبلوماسية، الضوء على هذه المسألة. وفي مثل هذه الظروف، لا تكمن ميزة الصين في مجرد مقدورها على الحوار مع طهران وواشنطن، بل في امتلاكها أوراق ضغط اقتصادية وسياسية وجيوسياسية قبالة كلا الطرفين.
قطر وباكستان؛ ميسّران يفتقران إلى أدوات القوة الكبرى
يمكن لقطر وباكستان في الأزمة الراهنة الحفاظ على قنوات التواصل، ونقل المُقترحات، وتهيئة الأرضية للمفاوضات غير المباشرة، إذ تتمتّع قطر بروابط أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة واتصالات إقليمية واسعة؛ كما تمتلك باكستان ـــ بحكم جوارها لإيران وروابطها السياسية والأمنية ودورها في رعاية المصالح الإيرانية بواشنطن ـــ قدرةً على تسهيل الاتصالات. ومع ذلك، ثمة فارق بين تسهيل المفاوضات، والوساطة الاستراتيجية، وضمان تنفيذ الاتفاق. فالْمُيَسِّرُ يُبقي مسار التواصل مفتوحاً؛ والوسيط يسعى لتحويل الخلافات إلى إطار لاتفاق؛ في حين يجب على الضامن أن يمتلك الأدوات والإرادة اللازمتين لدعم تنفيذ التعهدات.
إنّ التبعية الأمنية لقطر تجاه الولايات المتحدة، والقيود الاقتصادية والجيوسياسية لباكستان، تحدّان من قدرة البلدين على ممارسة الضغط أو تقديم حوافز واسعة النطاق لكلا الطرفين. فهما قادران على المساهمة في تبلور الاتفاق، لكنهما يفتقران إلى القدرة على ربط المفاوضات بحزمة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى لطهران وواشنطن بالحجم الذي تستطيعه الصين. بناءً على ذلك، لا تكمن المسألة في نفي دور هذين البلدين، بل في التمييز بين القدرة على نقل الرسائل والقدرة على تغيير حسابات الطرفين.
أوراق ضغط الصين أمام طهران؛ ضغط اقتصادي وحوافز سياسية
تتمتع الصين بمركز مزدوج: فهي من جهة شريك اقتصادي رئيسي لإيران والمشتري الأساسي لنفطها المُصدَّر؛ ومن جهة أخرى، تنافس الولايات المتحدة في مجالات التجارة والتكنولوجيا والأمن، بينما ترتبط معها في الوقت نفسه بروابط اقتصادية واسعة. يتيح هذا الموقع لبكين الارتقاء بموضوع الحرب إلى مستوى يتجاوز العلاقات الثنائية بين إيران والولايات المتحدة.
في العلاقة مع طهران، تتمثّل أهم ورقة ضغط صينية في الجانب الاقتصادي. فشراء النفط الإيراني من قبل المصافي الصينية ـــ ولا سيما المصافي المستقلةـــ يحظى بأهمية حيوية لعائدات الصادرات الإيرانية. وتستعرض تقارير لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية ـــ الصينية (USCC) أبعاداً مختلفة للعلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين الصين وإيران والشرق الأوسط.
يمكن لبكين استغلال آفاق استمرار شراء الطاقة، وتوسيع التجارة، والاستثمار، وإعادة الإعمار الاقتصادي لتشجيع طهران على القبول بالاتفاق. في المقابل، فإن تقليص التعاون الاقتصادي أو الحدّ من القنوات التجارية من شأنه زيادة تكاليف استمرار الحرب. ومع ذلك، لا تعني أوراق الضغط هذه السيطرة على الاقتصاد الإيراني أو القدرة على فرض اتفاق على طهران؛ إذ يظل اتخاذ القرار الإيراني خاضعاً لحساباتها الأمنية، ومصالحها الوطنية، وخطوطها الحُمْر. كذلك، لا ينبغي اعتبار التعاون بين طهران وبكين مكافئاً للتحالف العسكري أو التزاماً صينياً بالدفاع عن إيران. فالقدرة الصينية تكمن أساساً في التأثير الاقتصادي والدبلوماسي، لا في ضمان التدخل العسكري المباشر.
مثّل الاتفاق بين طهران والرياض في آذار 2023 نموذجاً مهماً للقدرة الدبلوماسية الصينية في الشرق الأوسط
أوراق ضغط بكين أمام واشنطن؛ ربط الحرب بتنافس القوى الكبرى
تتضح أهمية الصين بشكل أكبر عند النظر إلى علاقتها بالولايات المتحدة. فالاعتماد الاقتصادي المتبادل بين البلدين، إلى جانب الخلافات الاستراتيجية العميقة، يتيح كلُّ ذلك لبكين طرح تكاليف توسّع الحرب ضمن إطار أوسع من ميدان المعركة. إن الاضطراب في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، وانعدام الأمن في الطرق التجارية، ليست مجرّد مسألة إقليمية؛ بل تؤثّر على الاقتصاد العالمي ومصالح الصين نفسها. تستطيع بكين ربط خفض التصعيد في الخليج العربي وضمان أمن الملاحة بالحوارات الرفيعة المستوى حول الاستقرار الاقتصادي وإدارة التنافس الثنائي. ومثل هذه المبادرة لا تعني بالضرورة المساومة على المصالح الإيرانية؛ بل يمكنها أن توضح لواشنطن أن استمرار الحرب تترتّب عليه تكاليف تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة.
بطبيعة الحال، تُعد هذه الورقة محدودة أيضاً. فقد تقدم الولايات المتحدة لاعتباراتها العسكرية والأمنية الأولوية على التكاليف الاقتصادية، كما قد لا تكون الصين مستعدّة لتقديم تنازلات مهمة في منافستها مع واشنطن لقاء إنهاء الحرب. ومع ذلك، فإن نطاق العلاقات بين القوتين يتيح فرصة التفاوض على حزمة من الملفات الاستراتيجية؛ وهي فرصة لا تمتلكها قطر ولا باكستان على المستوى نفسه.
تجربة السعودية وإيران؛ المصداقية الدبلوماسية للصين
مثّل الاتفاق بين طهران والرياض في آذار 2023 نموذجاً مهماً للقدرة الدبلوماسية الصينية في الشرق الأوسط، إذ استضافت بكين المفاوضات ورعتها حتى أثمرت اتفاقاً لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؛ رغم أن العراق وعُمان كانا قد لعبا دوراً سابقاً في تسهيل المحادثات. أظهرت هذه التجربة أن الصين بمقدورها التواصل مع أطراف بينها خلافات عميقة، واستثمار رصيدها السياسي في مسار الوصول إلى اتفاق. مع ذلك، فإن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين دولتين إقليميتين يختلف جذرياً عن إنهاء حرب بين إيران والولايات المتحدة. فتجربة عام 2023 تُبرِز القدرة الدبلوماسية للصين، لكنها لا تضمن نجاحها في أزمة أكثر تعقيداً.
ويركّز تقرير معهد «بروكينغز» على نهج بكين تجاه الحرب الإيرانية وتداعياتها على الصين على هذه الازدواجية نفسها: فالحرب تفرض على الصين تكاليف اقتصادية وأمنية، غير أن الانخراط النشط في أزمة باهظة التكاليف لا ينسجم أيضاً مع الحذر التقليدي للسياسة الخارجية الصينية في الشرق الأوسط.
هل تمتلك الصين الإرادة لاستخدام أدواتها؟
لا تكمن المسألة الأساسية في مجرّد امتلاك الصين لأوراق القوة؛ بل في إرادتها السياسية لاستخدام هذه الطاقات. تتضرر بكين من استمرار الاضطراب في سوق الطاقة والتجارة العالمية، لكنها قد تتجنب في الوقت ذاته التورط في نزاع مباشر وباهظ التكلفة. إن تحويل القدرة الكامنة إلى وساطة فعّالة يعتمد على تقييم الصين لتكاليف الحرب، ومواقف طهران وواشنطن، ومدى إمكانية التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ.
يمكن لمبادرة صينية أن تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية:
1. أولاً: الخفض التدريجي للهجمات والاتفاق على أمن الملاحة في مضيق هرمز.
2. ثانياً: إنشاء إطار للتفاوض بشأن الملف النووي والخلافات الأمنية.
3. ثالثاً: ربط تنفيذ التعهدات بالحوافز الاقتصادية وآليات التحقّق المُتّفق عليها.
الخلاصة
ليست الصين الفاعل الوحيد الذي يمكنه السعي لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة؛ لكنها من بين القوى الكبرى تُعدّ من الدول القليلة التي تحتفظ بعلاقات مهمة مع كل من طهران وواشنطن في وقت واحد، وتستطيع استغلال طاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية والجيوسياسية للتأثير على الطرفين. تستطيع قطر وباكستان لعب دور الموصل والْمُيَسِّر، غير أن تحويل الاتصالات إلى اتفاق مُستدام يتطلب قوة تتجاوز مجرد نقل الرسائل. تكمن الميزة الكامنة للصين في قدرتها على ربط المصالح الاقتصادية، وأمن الطاقة، والحسابات الاستراتيجية للطرفين في عملية تفاوضية واحدة. ومع ذلك، فإن امتلاك الأدوات لا يعني بالضرورة وجود الإرادة لاستخدامها. فالاختبار الحقيقي لبكين لن يكون بفيض الرسائل التي تنقلها بين طهران وواشنطن، بل بمدى قدرتها على المساهمة في تغيير حسابات الطرفين وتهيئة الأرضية لإنهاء الحرب.