مقالات مختارة
صحيفة "الأخبار"
«البهدلة المُعلنة» التي تعرّض لها رئيس الجمهورية جوزيف عون في اتصاله مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لم تعد مجرّد تفصيل في العلاقة بين بيروت وواشنطن، بل باتت تعكس شكل الوصاية الأميركية المباشرة، وحدود ما يُسمح للسلطة به في مواجهة حزب الله، من دون أن تحصل في المقابل على أي ضمانات جدّية في مواجهة إسرائيل. والأخطر أن هذه الوصاية لم تعد تكتفي بفرض الشروط، بل باتت تدفع السلطة نحو مواجهة داخلية مفتوحة.
ونقل موقع «أكسيوس»، عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، قوله إن روبيو طالب بمحاسبة المسؤولين عن نقل المتفجّرات وتمويلها، ورفض إعادة الشحنة إلى حزب الله. كما أثار مسألة إقامة تواصل عسكري مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، إلى جانب إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في العام 1955، معتبراً أنه يشكّل عائقاً أمام مسار السلام.
بهذا المعنى، تجد سلطة الوصاية نفسها مُحرجة. فهي مُطالبة أميركياً بتشديد المواجهة مع حزب الله، لكنها لا تملك في المقابل أوراقاً كافية لفرض تسوية متوازنة على إسرائيل، ولا تستطيع انتزاع ضمانات جدّية من واشنطن بأن الضغط على الحزب سيقابله تخفيف للضغط على لبنان أو فتح باب إعادة الإعمار وعودة النازحين.
وفي هذا السياق، علمت «الأخبار» أن عون طلب من مخابرات الجيش التوسع في التحقيقات، وبعدها بادر النائب العام التمييزي رامي الحاج إلى إصدار استنابات قضائية إلى الأجهزة الأمنية من أجل توقيف رئيس لجنة الارتباط والتنسيق في حزب الله حسين العبدالله ومساعده علي أيوب، على خلفية علمهما بشاحنة المتفجرات ومسؤوليتهما عن الأمر، وبهدف معرفة هوية جميع المسؤولين الآخرين.
وكان عون قد سعى إلى دفع الجانب الأميركي نحو الضغط على إسرائيل، بحسب تسريبات القصر. لكن مسار المطالب الأميركية لا يوحي حتى الآن بأن هذا التوجه يحظى بالأولوية لدى واشنطن.
والنتيجة أن الدولة تمضي في مسار المواجهة الداخلية والاستفزاز. أمّا حزب الله، الذي أعلن عبر النائب حسن فضل الله رفضه التخلي عن المتفجرات، فقد نقل الخلاف من مستوى المعالجة الأمنية والقضائية إلى المواجهة المباشرة مع السلطة. وهو ما دلّ على أن حزب الله لم يعُد يتعامل مع الضغوط الداخلية بالمنطق الذي حكم مواقفه سابقاً، وأن تراكم المواجهات، مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وغياب أفق واضح للتسوية، قد يدفعه إلى إعادة حساباته بشأن حدود الاشتباك الداخلي.