نقاط على الحروف
في مواجهة المساعي الرامية إلى إخضاع المؤسسات القضائية الدولية للضغوط السياسية، تبرز العقوبات التي تفرضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المحكمة الجنائية الدولية بوصفها حلقة جديدة في الصراع على حدود المساءلة الدولية، ولا سيما مع ملاحقة المحكمة مسؤولين عن جرائم مرتبطة بالعدوان على قطاع غزة.
وبينما تستخدم واشنطن العقوبات للضغط على المحكمة والقائمين على عملها، تثير هذه الإجراءات أسئلة جوهرية بشأن شرعية العقوبات الأحادية، واستقلال القضاء الدولي، وإمكان إخضاع الدول المهيمنة وحلفائها للقواعد القانونية نفسها التي يُفترض أن تسري على الجميع.
وفي حديث لموقع العهد الإخباري، أكدت المتخصصة في القانون الدولي الدكتورة لونا فرحات أن العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية غير قانونية وغير شرعية بموجب القانون الدولي، موضحةً أنها تعكس خشية الإدارة الأميركية من مفاعيل العدالة الجنائية الدولية، ومحاولة للضغط على المحكمة ودفعها إلى التراجع عن إجراءاتها، ولا سيما تلك المرتبطة بملاحقة مسؤولين صهاينة على خلفية الجرائم المرتكبة في قطاع غزة.
عقوبات أحادية خارج إطار الأمم المتحدة
توضح فرحات أن تقييم العقوبات الأميركية ينبغي أن ينطلق من القواعد التي تحكم استخدام العقوبات في القانون الدولي، مشيرةً إلى أن العقوبات التي تفرضها دولة بصورة منفردة على دولة أخرى أو على كيان دولي، خارج إطار ميثاق الأمم المتحدة، تثير إشكالية قانونية أساسية.
وتلفت إلى أن العقوبات الدولية ترتبط، وفق الإطار الذي ينظمه ميثاق الأمم المتحدة، بصلاحيات مجلس الأمن الدولي والإجراءات المنصوص عليها في الفصل السابع، عندما تتوافر الشروط التي تستدعي اتخاذ تدابير لحفظ السلم والأمن الدوليين. وبناءً على ذلك، ترى أن الإجراءات الأميركية ضد المحكمة الجنائية الدولية لا تستند إلى أساس قانوني يبرر فرضها بهذه الصورة، لأنها صادرة بصورة أحادية وخارج إطار مجلس الأمن.
وتشدد فرحات على أن المحكمة الجنائية الدولية لم ترتكب، وفق تقييمها، انتهاكًا للقانون الدولي يستوجب إخضاعها للعقوبات، بل تضطلع بمهمة التحقيق في الجرائم الدولية وملاحقة المسؤولين عنها، بما يهدف إلى تثبيت قواعد القانون الدولي ومبدأ عدم الإفلات من العقاب.
وتضيف أن خطورة هذه الإجراءات لا تتصل بالمحكمة وحدها، بل تمتد إلى طبيعة النظام الدولي نفسه؛ إذ إن إخضاع مؤسسة قضائية دولية للعقوبات بسبب ممارستها اختصاصاتها يفتح الباب أمام استخدام النفوذ السياسي والاقتصادي لتقييد عمل المؤسسات التي يفترض أن تتمتع بالاستقلال.
هل تستطيع واشنطن تعطيل العدالة الدولية؟
وعن مدى قدرة العقوبات الأميركية على عرقلة تحقيق العدالة للضحايا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ترى فرحات أن هذه الإجراءات لن تؤدي إلى وقف عمل المحكمة، وإن كانت ستضعها تحت ضغط سياسي كبير.
وتشير إلى أن الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية تستطيع أن تؤدي دورًا أساسيًا في مواجهة آثار العقوبات، من خلال مواصلة دعم المؤسسة القضائية الدولية وحماية الأشخاص والجهات التي تتعامل معها في إطار مهامها القانونية.
وتلفت إلى أن مقر المحكمة في لاهاي بهولندا، ما يجعل الإجراءات الأميركية ذات انعكاسات تتجاوز المحكمة لتطاول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مصالح دول أوروبية وأشخاص ومؤسسات يعملون معها.
وتوضح أن التهديد بفرض عقوبات على كل من يتعامل مع المحكمة، سواء أكان من الموظفين أم القضاة أم المستشارين أم الشركات التي تقدم الخدمات لها، يخلق ضغوطًا على الجهات التي تسهم في ضمان استمرار عملها.
إلا أن مواجهة هذه الضغوط، وفق فرحات، ممكنة من خلال اتخاذ الدول المعنية تدابير لحماية مواطنيها ومؤسساتها من الآثار التي قد تترتب على العقوبات الأميركية.
وتشير في هذا السياق إلى تحركات أوروبية تهدف إلى حماية الأشخاص الذين يتعاملون مع المحكمة، وإلى مواقف أعلنتها دول أوروبية بشأن التزاماتها تجاه مذكرات التوقيف الصادرة عنها. وترى أن استمرار دعم الدول الأطراف للمحكمة يشكل عاملًا مهمًا في الحد من قدرة واشنطن على فرض إرادتها على مسار العدالة الجنائية الدولية.
عداء أميركي قديم للمحكمة الجنائية الدولية
وتؤكد فرحات أن موقف إدارة ترامب لا يمثل بداية العداء الأميركي للمحكمة الجنائية الدولية، بل يأتي امتدادًا لنهج أقدم يعود إلى مرحلة تأسيس المحكمة والمفاوضات التي أفضت إلى اعتماد نظام روما الأساسي.
وتوضح أن الولايات المتحدة لم تنضم إلى نظام روما الأساسي، وأن إدارات أميركية متعاقبة أبدت تحفظات على اختصاص المحكمة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بإمكان إخضاع مواطنين أميركيين للتحقيق أو الملاحقة أمامها.
وتستعيد فرحات في هذا السياق ما يُعرف بـ"قانون حماية أفراد القوات المسلحة الأميركية" الذي أقرته الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج بوش الابن، ويُشار إليه أيضًا باسم "قانون غزو لاهاي"، في إشارة إلى رفض واشنطن خضوع أفرادها لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية في ظروف معينة.
وتشرح أن من دوافع هذا التوجه خشية الولايات المتحدة من التحقيقات التي قد تطول أفرادًا من قواتها، خصوصًا بعد إعلان المحكمة نيتها التحقيق في جرائم يُشتبه في ارتكابها في أفغانستان، ما قد يفتح المجال أمام مساءلة أفراد من الجيش الأميركي.
وبحسب فرحات، فإن العقوبات التي أعادت إدارة ترامب فرضها، أو وسّعتها، تأتي ضمن السياق نفسه، لكنها ترتبط أيضًا بمحاولة الضغط على المحكمة للتراجع عن إجراءاتها المتعلقة بمسؤولين صهاينة، ومنع المضي في المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
وترى أن هذا المسار يكشف عن إشكالية أعمق في الموقف الأميركي، تتمثل في قبول اللجوء إلى المؤسسات القضائية الدولية عندما تتوافق إجراءاتها مع المصالح الأميركية، ورفض اختصاصها أو محاربتها عندما تصبح إجراءاتها مصدر تهديد لواشنطن أو لحلفائها.
ازدواجية المعايير وحماية الحليف الصهيوني
وتؤكد فرحات أن التعامل الأميركي مع المحكمة الجنائية الدولية يقوم على ازدواجية واضحة في المعايير، موضحةً أن واشنطن أبدت استعدادًا للتعاون مع المحكمة في حالات تتصل بأشخاص تصنفهم ضمن الجماعات الإرهابية، أو عندما تتوافق الملاحقات مع أولوياتها السياسية والأمنية، في مقابل معارضتها إجراءات المحكمة عندما تتصل بمصالحها أو بمصالح حليفتها "إسرائيل".
وتقول إن هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا بشأن عالمية العدالة الجنائية الدولية: هل تُطبّق القواعد القانونية على جميع المتهمين، بصرف النظر عن جنسياتهم ومواقعهم السياسية، أم تصبح الملاحقة خاضعة لموازين القوة والتحالفات؟
وفي هذا الإطار، تربط فرحات العقوبات الأميركية بمحاولة حماية المسؤولين الصهاينة من الملاحقة الدولية، معتبرةً أن الضغط على المحكمة لا يستهدف إجراءات محددة فحسب، بل يبعث برسالة إلى المؤسسات القضائية الدولية مفادها أن ملاحقة شخصيات تحظى بدعم واشنطن قد تترتب عليها أثمان سياسية واقتصادية.
وتؤكد أن جوهر العدالة الجنائية الدولية يكمن في عدم التمييز بين المتهمين، وأن شرعية المحكمة ينبغي ألّا تتوقف على رضا الدول المهيمنة عن قراراتها. فإذا كانت الملاحقة تستند إلى اختصاص قانوني وإجراءات قضائية، فإن الاعتراض عليها ينبغي أن يسلك المسارات القانونية، لا أن يتحول إلى عقوبات تستهدف المؤسسة والقائمين عليها.
الأساس القانوني للعقوبات موضع اعتراض
وفي معرض توضيحها للأسانيد القانونية التي تستند إليها في اعتبار العقوبات الأميركية غير مشروعة، تعود فرحات إلى مسألتين أساسيتين: الأولى عدم ثبوت انتهاك المحكمة الجنائية الدولية للقانون الدولي، والثانية صدور الإجراءات الأميركية بصورة أحادية وخارج إطار الآليات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
وتوضح أن المحكمة، في ممارستها اختصاصاتها، تسعى إلى تطبيق قواعد القانون الدولي ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الداخلة ضمن اختصاصها، ولا يمكن اعتبار مجرد قيامها بالتحقيق أو إصدار مذكرات توقيف سببًا مشروعًا لمعاقبتها سياسيًا.
وتضيف أن العقوبات لا تصبح مشروعة لمجرد أن الدولة التي تفرضها تستند إلى مصالحها الوطنية، مشددةً على ضرورة التمييز بين الإجراءات التي تتخذ وفق الأطر القانونية الدولية وبين التدابير الأحادية التي تستخدمها دولة للضغط على مؤسسة دولية.
وتلفت فرحات إلى أن الاعتراضات على العقوبات لا تقتصر على خبراء القانون الدولي، بل أشارت إلى أن أفرادًا أميركيين تأثروا بهذه الإجراءات لجؤوا إلى القضاء في الولايات المتحدة للطعن فيها، بسبب انعكاساتها على حقوقهم الدستورية وعلاقاتهم المهنية مع المحكمة الجنائية الدولية.
ووفق ما عرضته فرحات، فإن قبول المحاكم النظر في هذه الطعون يعكس وجود إشكالات قانونية تتصل بتأثير العقوبات على حقوق الأشخاص المعنيين وتبرز هذه المسألة أن الجدل حول العقوبات لا يقتصر على القانون الدولي، بل يمتد إلى النظام القانوني الأميركي نفسه، عندما تؤثر التدابير التنفيذية في حقوق أشخاص أو جهات تعمل مع مؤسسة قضائية دولية.
معركة العدالة تتجاوز العقوبات
وتخلص فرحات إلى أن العقوبات الأميركية ينبغي ألّا تُفهم بوصفها إجراءً ماليًا أو سياسيًا منفصلًا عن سياق أوسع، بل باعتبارها جزءًا من مواجهة تتصل بمستقبل العدالة الجنائية الدولية وقدرتها على العمل باستقلالية بعيدًا عن ضغوط الدول النافذة.
وتشدد على أن استمرار المحكمة في أداء مهامها يعتمد، إلى جانب استقلال قضائها، على تعاون الدول الأطراف ورفض تحويل العقوبات إلى وسيلة لإفلات المسؤولين من المساءلة. كذلك، إن التزام الدول بتنفيذ واجباتها القانونية تجاه المحكمة يبقى عاملًا أساسيًا في ضمان ألا تتحول موازين القوة إلى بديل من قواعد القانون.
وبين العقوبات والضغوط السياسية، يبقى السؤال الذي تطرحه هذه القضية أوسع من حدود العلاقة بين واشنطن ولاهاي: هل تستطيع العدالة الدولية مساءلة المسؤولين عن الجرائم عندما تتعارض الملاحقة مع مصالح الدول الكبرى وحلفائها؟
بالنسبة إلى فرحات، فإن الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية لا يتعلق بمؤسسة بعينها فحسب، بل بمبدأ عدم الإفلات من العقاب، وبحق الضحايا في أن تُبحث الجرائم التي تعرضوا لها ضمن مسار قضائي مستقل، بعيدًا عن الانتقائية السياسية.
فحين تصبح العقوبات وسيلة للضغط على القضاء، تكون القضية المطروحة هي قدرة القانون الدولي على فرض قواعده في مواجهة النفوذ، وضمان ألا تتحول العدالة إلى امتياز تمنحه الدول القوية أو تحجبه وفق مصالحها.