اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بالصور| حفل تخرّج حفظة القرآن الكريم في بعلبك

مقالات

الدبلوماسية والمنظومة الدولية في خبر كان.. السلاح يحمينا من غطرسة ترامب و
مقالات

الدبلوماسية والمنظومة الدولية في خبر كان.. السلاح يحمينا من غطرسة ترامب و"اسرائيل"

65

صحافية لبنانية

يعيش العالم حالة ارتباك، وهو يترقب جنون ترامب أو تعقله. الرجل هدّد بضمّ كندا، وبإرسال قواته إلى المكسيك، وقبلها طالب سكّان طهران بإخلائها، ثمّ نفذت قواته الضربات في قلب إيران، وتوّعد باستهداف قائد الجمهورية الإسلامية شخصيًا، ثمّ خرج يطالب تسعين مليون إيراني بالاستسلام غير المشروط. ثمّ طالت إجراءاته العقابية دولًا على الخارطة الإفريقية، ليحارب النفوذ الصيني المقلق بالنسبة له بشعوب القارة السمراء واستقرارها في بلادها. وقبلها جمع قادة أوروبا أمامه ليملي عليهم ما قرّره وحده، في حربٍ أنهكت اقتصادياتهم، وخرج معلنًا للملأ كيف استطاع أن يجبر الرئيس الفرنسي على رفع أسعار الأدوية الفرنسية الصنع في الداخل الفرنسي تحت وطأة التهديد برفع الرسوم الجمركية. وترامب المهووس بإخضاع الآخرين دولًا وقادة وشعوبًا، لا يتوقف عند حد، نفذ عملية اختطاف للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من عقر داره. وبعدها خرج مزهوًا بالإنجاز وبوضع اليد على النفط الفنزويلي، ثمّ خاطب الأوروبيين ومعهم العالم بأنه سيضمّ غرينلاند، مؤكّدًا أن "أي وضع لا تكون فيه غرينلاند تحت السيطرة الأميركية يُعدّ غير مقبول". هذا هو عالم دونالد ترامب: حاكمٌ بلا منازع، على صورةٍ ترضي هوسه ونرجسيته وأدوار بطولة يعشق أداءها.

ولا يعرف طبع الاستبداد والفرعنة حدًا عند دونالد ترامب. ففي الوقت الذي يقر تشديد العقوبات على الإيرانيين ويغطي الحروب ضدّهم، يخرج ليهدّد إيران الدولة بالحرب، ويحرّض مخربي ساحاتها ومساجدها وممتلكاتها العامة والخاصة على البقاء في الشارع، في تعهد بحمايتهم. وعلى أثر التهديدات تعيش المنطقة حالة ارتباك، في وقت يضخ فيه الإعلام الأميركي و"الإسرائيلي" أخبار الاستعدادات للحرب بإخلاء القواعد وفتح الملاجئ وبيانات الدول الغربية تطالب مواطنيها بمغادرة إيران فورًا، ثمّ يقرر أنه لن ينفذ تهديداته. هكذا يُراد للمنطقة ومعها العالم أن تبرمج يومياتها ومستقبلها على تقلباته ووفق مخطّطاته وحده، وأن تُسخر لإنجاح صفقاته وأطماعه. والرئيس الأميركي الذي كان يصرح للعالم بأنه "منشغل بشأن إيران بسبب سقوط قتلى"، لم يجد الوقت الكافي للحديث عن الاحتجاجات العنيفة ضدّ وكالة الهجرة والجمارك التي تشهدها مدينة مينيابوليس، في ولاية منيسوتا الأميركية، على خلفية مقتل مواطنة أميركية برصاص عناصر الوكالة نفسها. وفي اللحظة التي كان يهدّد فيها بتوجيه ضربة قاصمة للجمهورية الإسلامية في حال تصديها للمخربين في داخلها، كان ترامب نفسه يهدّد المحتجّين في بلاده باللجوء إلى فضّ التظاهرات عسكريًا، واصفًا إياهم بـ"المحرّضين المحترفين والمتمرّدين". رغم أن ساحات المدينة الأميركية لم تشهد استهدافًا أوقع قتلى أو تعرض لممتلكات خاصة وعامة أو لدور العبادة، ولم يستخدم "المتمردون المحترفون" وفق توصيف ترامب السواطير لنحر رجال الشرطة، ولا لجؤوا إلى إحراق ممرّضين أو عناصر أمن وهم أحياء… إلا أن المسموح لترامب ممنوع على غيره. ولا عجب أن يقف ترامب حاميًا للمسلحين بالسواطير والرصاص والمولوتوف في إيران، ليس فقط لكون الجمهورية الإسلامية هدفًا يُراد إضعافه أو القضاء عليه، ولا لأن المخربين قد تلقوا التدريب والتسليح للعمل وفق مخطّطات "الموساد"، بل لأن نموذج التخريب ليس بعيدًا عن أفعال ترامب نفسه، يختطف ويسطو، والتاريخ القريب شاهد أنه عندما قرر في نهاية العام  2020 الاعتراض على نتائج الانتخاباتٍ الرئاسية التي أتت لصالح خصمه جو بايدن، حرّض أنصاره المسلّحين على اقتحام مبنى الكونغرس في واشنطن.

والمفارقة أنّ الحرص الذي يبديه ترامب على الأرواح لم يظهر أو يترك لوقف الإبادة في غزّة، التي راح خلالها أكثر ما يزيد عن سبعين ألف شهيد ممن تم إحصاؤهم فقط. ولا التجويع ولا حتّى المحارق التي أكلت من لحم أطفال وعائلات غزّة داخل خيامهم، والتي كانت تُبثّ على الهواء مباشرة. بل إن كلّ ذلك كانت يد ترامب شريكة فيه تسليحًا وتمويلًا لم يتوقف. وأكثر من ذلك، يذهب هو نفسه للمطالبة بطرد مليوني فلسطيني من غزّة، وتحويل القطاع إلى منطقةٍ تجارية تُدار أميركيًا. ولا عجب؛ فأينما حرّك الرئيس الأميركي إصبعه، لم يحضر على لسانه سوى "المناطق التجارية". يفرض في القوقاز ما أسماه "ممر ترامب للسلام والازدهار الدولي"، ممرًّا يعبر الأراضي الأرمينية ليصل أذربيجان بأحد جيوبها، وكأن الجغرافيا مجرّد مشروع استثماري، والشعوب تفصيل قابل للإزالة.

و”ممرّ ترامب” يحضر كمشروع منطقة تجارية في لبنان أيضًا، على شاكلة ما يُطرح لغزّة: ترحيلٌ كامل لأهالي قرى جنوبية لإحلال المشاريع والاستثمارات و”الازدهار”. العنوان الأخير يلازم دونالد ترامب منذ وصوله إلى الرئاسة الأميركية، يربطه تارة بالتطبيع وأخرى بالاحتلال أو الهيمنة، وبعمليات المحو والاستبدال والسطو على مقدّرات الدول، ومشاريع التقسيم والتفتيت في المنطقة.

هذا هو العالم في عصر دونالد ترامب؛ بلا ضوابط، وتعلن فيه مواقف وأفعال الرجل: الإنهاء الصريح للمنظومة الدولية، والإجهاز الكامل على وجودها قانونًا ومؤسسات. ونموذج الرئيس الفنزويلي مكبّلًا يُساق إلى المحاكمة أمام القضاء الأميركي شاهدٌ فاضح، يقول إن لا قانون يعلو على قوانين الولايات المتحدة، وإن القرار خاضع لجنون دونالد ترامب وأطماعه وحدها.

وأمام هذا الواقع، لا يزال في لبنان من يخرج يوميًا ليقول للبنانيين إن المقاومة فقدت جدواها، وإن ما يحمي لبنان اليوم هو: الدولة والدبلوماسية والمجتمع الدولي حصرًا.
والدولة التي يُراد لها أن تتولّى حماية لبنان، لم تتمكّن حتّى اليوم من البدء بإعادة إعمار ما دمّرته الحرب العدوانية الأخيرة، ولا يُسمح لها بتسليح جيشها إلا بالخردة، بل هي مُجبرة، وبموجب إملاءات أميركية، على إتلاف أي سلاح تصادره من المقاومة.
 
وعن الدبلوماسية فحدّث ولا حرج. من رأس الهرم وصولًا إلى يوسف رجّي، سلطةٌ تقابل الاعتداءات اليومية بخطاباتٍ لا تجد من تطالبه، غير المقاومة وجمهورها. رئيس الحكومة نواف سلام، الذي لا ينفكّ يكرّر في كلّ إطلالة، وتحت طنين المسيّرات "الإسرائيلية"، أن حكومته استعادت قرار السلم والحرب، يستنكر على اللبنانيين أن ينتظروا منه إدانةً بعد كلّ غارة تُسقط شهيدًا، أو تدمّر منزلًا، أو تشلّ حياة مجتمع بأكمله. والدبلوماسية التي يمنحها الشعب الفرصة، يُنقّب عنها اللبنانيون في مواقف وزير الخارجية يوسف رجّي، فلا يجدون لها أثرًا.

وأما “المجتمع الدولي” الذي يُطلب من اللبنانيين التعويل عليه، فقد بات في خبر كان، وكان فعلٌ ناقص بلا مفعول في النظرية والتطبيق. في عام 1978، أصدر مجلس الأمن القرار 425 الذي طالب بانسحاب “إسرائيل” من كامل الأراضي اللبنانية، ليبقى التنفيذ معلّقًا اثنين وعشرين عامًا، حتّى فرضته المقاومة ومن احتضنها والتفّ حولها، وهذا في زمنٍ كان فيه للقانون الدولي بعض حضورٌ وصوت.

أما في عهد ترامب فالمجتمع الدولي هيكل مزعوم، وأما البدائل، فثمة نموذجَان:

 اليمن، الذي توعّد ترامب أهله بأنهم سيبيدهم تمامًا، فكانت صواريخ أهله تلجم فرعنته.

 والجمهورية الإسلامية في إيران، التي خرج يطالبها بالاستسلام الكامل فهب أهلها بالملايين التحامًا، ثمّ ضربها فردت بالمقابل وفرضت وقفًا لإطلاق النار. وها هو يهدّدها مجددًا بالضربة المؤلمة، فتتوعده بردٍّ بلا اعتبارات إن أقدم على المغامرة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة