لبنان
أدّى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس وألقى خطبة الجمعة،فقال إن "الصراع اليوم بين القوى المتماثلة في الايديولوجية الواحدة التي تستدرج العالم الى الكارثة بعد الحرب العالمية الثانية المدمرة، الى حالة اللاتوازن والقوة المهيمنة الواحدة. ما هو موقع العالم الاسلامي وتحديدا ايران في هذا الصراع ؟ ان ايران تشكل اليوم الايديولوجية الاستثناء في هذه اللوحة مع القوى المقاومة، وتشكل العائق الايديولوجي النقيض لها التي تحمل شعار قوة الحق وتقدمه كبديل ايديولوجي منطقي واخلاقي وتستند اليه في سعيها لإيجاد منطق بديل هدفه تحقيق العدالة في مواجهة منطق توحش القوى الغاشمة التي تتمثل في الولايات المتحدة التي لا تعير المنطق والقانون والاخلاق اي اعتبار".
وقال:"ان هذا الاختلاف الذي يبلغ حد التناقض بين هذين الاعتبارين يمثل الصراع الحقيقي الذي لا يمكن تسويته بحلول وسطية، وهو التحدي الحقيقي الذي يمثله الاسلام مع الايديولوجية المادية الغربية الذي يمكن تأجيله، لكن لا يمكن حله، وهو صراع ابدي لا يمكن حله الا بانتصار احدهما على الاخر، ليس بالضربة القاضية وانما يتبادله الطرفان على مر التاريخ في عملية اختبار الهي للامم والشعوب، حسب ما يرسمه الاسلام في فلسفة الايجاد والخلق كإجابة منطقية ووحيدة لهذا السؤال. وبالمنطق نفسه يكتب لقوة الحق الانتصار ولمنطق حق القوة الهزيمة في هذا الصراع، حين يبلغ حق القوة الذروة في سقوط مدو كما يثبته منطق التاريخ مصدقا للحقيقة القرآنية في استعراضها لتاريخ الامم والشعوب كسنّة تاريخية الهية لا يمكن ان تتخلف او تتجاوز كما السنن الكونية. لذلك فإن هذا الصراع اليوم الذي تدور رحاه بين هاتين الايديولوجيتين، والذي يمثل الغرب احد اطرافه، وعلى رأسه الولايات المتحدة الامريكية، والجمهورية الاسلامية الايرانية وقوى المقاومة طرفه الاخر، هو الصراع الحقيقي الذي لن تتخلف فيه السنّة التاريخية الإلهية، وسيكتب فيه النصر الالهي لقوة الحق﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ وكما يقول علي ابن ابي طالب امير المؤمنين ( من صارع الحق صرعه ). ان امتنا ايها الاخوة لا يمثلها ال ( كرزايات ) الادوات الوظيفية للغرب التي سرعان ما يتخلى عنهم مشغلوهم عند ما تنتهي حاجة مشغليهم اليهم ويرمون في مزبلة التاريخ، والذين يتوهمون ان الفرصة قد واتتهم لتحقيق اغراضهم الدنيئة بالعمالة والخيانة لامتهم، وقد راينا لهم امثالا واشكالا متعددة خلال فترة قصيرة، اخرها ما جرى سوريا ممن استخدموا من قبل الولايات المتحدة والصهيونية العالمية في مؤامرة تقسيم سوريا الى جانب ادوات اخرى وتحت عناوين اخرى لتحقيق نفس الغرض، نأمل ان يعتبر منها بعض مقتنصي الفرص في بلدنا الذين يحسبون انفسهم اذكياء ولديهم القدرة على استخدام الغرب تكرارا لتجارب سابقة فاشلة اتت عليهم وعلى بيئتهم وبلدهم بالويلات والخراب، ليعيدوا اليوم نفس التجربة بدل ان يعتبروا من تجارب الماضي ويضعوا ايديهم بعضها مع بعض ليجنبوا بلدهم واهلهم ويلات جديدة لن تكون نتائجها بافضل مما مضى، ولا بافضل مما يرون بأم اعينهم مصير من غامروا باحلامهم المريضة".
اضاف:"أيها الأخوة، لقد تابعنا هذا الأسبوع الأحداث في شمال سوريا بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)،ويمكن من خلال ما حصل أن نستخلص الكثير من العبر . فكل ما جرى ويجري في هذه المنطقة كان وما يزال برعاية أميركية حيث تتواجد القوات الأميركية في تلك المنطقة وترعى منذ زمن عملية الإنفصال عن الحكومة السورية. ويبدو أن الأمور قد تغيرت لجهة هذه الرعاية ،بما يؤكد أن اميركا ليس لديها حلفاء لا في سوريا ولا في العالم أجمع ،بل هي تتعاطى مع الدول والمجموعات كأتباع تشتري وتبيع بهم ساعة تشاء وحين تقتضي مصلحتها ذلك، وهذا الأمر ليس جديدا عليها ،بل هي سياسة تاريخية شهدنا فصولها في العديد من المناطق والدول. لذلك نقول لكل من له عين ترى وأذن تسمع أن الرهان على أميركا ليس أكثر من سراب وأوهام واهية يفترض بالمراهنين أن يأخذوا العبر منها، بخاصة في بلدنا لبنان، ما يستدعي من الفئات اللبنانية كافة تغليب لغة المنطق والعقل والحوار لتعزيز الوحدة الداخلية والحؤول دون المزيد من الخسائر للجميع . فالوحدة الداخلية هي ميزان الاستقرار على الرغم من الرياح الخارجية المسمومة. وإننا في هذا المجال نخشى أن تطول فترة المراوحة بما تحمل من اعتداءات إسرائيلية يومية ، حيث يبدو واضحا أن الإدارة الأميركية لا تعير لبنان أي اهتمام في هذه المرحلة بل تترك للعدو الإسرائيلي أن يتصرف على هواه، وما تجميد وتعطيل لجنة الميكانيزم إلا مظهر من مظاهر هذه السياسة،في وقت يجري الحديث عن لجنة ثلاثية وزارية للتفاوض ما يدخل لبنان في مطبات ودهاليز جديدة لا يعلم إلا الله عز وجل مؤداها.
وهنا نستغرب توجهات السلطة اللبنانية التي لا تحرك ساكنا خصوصا في المجال الديبلوماسي والسياسي لتحريك عملية الجمود والتجميد التي يعيشها البلد التي نخشى أن تؤدي إلى اضطرابات في كل المجالات" .
تابع:"إن العالم يمر في مرحلة دقيقة ومصيرية في ظل السياسة الإستعمارية الجديدة التي تمارسها الإدارة الأميركية ،وهو ما يقلق ويربك حتى الغرب ودوله الإستعمارية ،وقد سمعنا الرئيس الفرنسي قبل أيام وهو يثير هذا الموضوع منتقدا الموقف الأميركي .وأخشى ما نخشاه أن تؤدي هذه السياسة إلى مزالق تقود العالم إلى مزيد من الحروب التي ينالنا منها نصيب. وقد شهدنا قبل أيام حدثا غير مسبوق في القدس المحتلة حيث عمل العدو على هدم مبنى مؤسسة رعائية أممية هي وكالة غوث اللاجئين (الأونروا) أمام نظر منظمة الأمم المتحدة ودولها ،ثم بعد ذلك يحدثونك عن القوانين الدولية والشرعية الدولية وحقوق الانسان ".
وقال:" ايها الاخوة، لقد قلنا اننا نمر اليوم في مرحلة دقيقة، ليس نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب اللبناني فحسب، بل أيضًا نتيجة ارتباك داخلي في مقاربة مفاهيم أساسية كالدولة، والسيادة، والمسؤولية الوطنية. وفي هذا السياق، فإن لدينا قراءة سياسية مختلفة، تنطلق من الواقع لا من الشعارات، ومن موازين القوى لا من الأمنيات: لا يمكن لأي نقاش وطني جدي أن يتجاوز حقيقة أن لبنان يتعرّض لعدوان إسرائيلي مستمر، موثّق دوليًا، ويشمل خروقات يومية للسيادة، واعتداءات مباشرة على المدنيين والبنى التحتية. ومع ذلك، نلاحظ أن الموقف الحكومي غالبًا ما يتعامل مع هذا العدوان كمعطى ثانوي، أو كأمر واقع يُدار بالصمت أو بالبيانات، لا بالفعل السياسي. اننا نأخذ على الحكومة اللبنانية أنها تتعامل مع مفهوم السيادة بمنطق انتقائي: تشدّد على حصرية السلاح عندما يتعلّق الأمر بالمقاومة، لكنها تلوذ بالصمت أو بالعجز حين يتعلّق الأمر بالاعتداءات الإسرائيلية، أو بالضغوط السياسية والاقتصادية الخارجية. فأين السيادة حين تُفرض على لبنان شروط سياسية مقابل المساعدات؟ وأين السيادة حين يُمنع الجيش اللبناني من الحصول على سلاح نوعي؟ وأين السيادة حين تُقدَّم روايات منقوصة عن الصراع إلى الخارج؟ إن السيادة لا تُجزَّأ، ولا تُستخدم أداة ضغط داخلية، ولا تُختصر بشعار يُرفع في المحافل الدولية من دون امتلاك أدواته. ان الدعوة إلى حصرية السلاح بيد الدولة، كما تطرحها الحكومة، تُقدَّم بوصفها مدخلًا لبناء الدولة. لكننا نرى أن هذه الدعوة، بصيغتها الحالية، تتجاهل الفجوة الهائلة بين المطلوب والمتاح. فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم، ولا القدرة الدفاعية الكافية، ولا الغطاء الدولي المتوازن، لا يمكن تحميلها وحدها مسؤولية حماية الحدود. ان تحميل الدولة بما هي ارض وشعب ومؤسسات ما لا تملك ليس بناءً للدولة، بل تهرّب حكومي من مواجهة أصل المشكلة: العجز عن فرض التزامات دولية على إسرائيل، والعجز عن تمكين الجيش، والعجز عن صياغة استراتيجية دفاعية وطنية جدّية".
وأضاف: "إننا ننتقد بشدّة الخطاب الحكومي الموجَّه إلى الخارج، حين يُقدَّم لبنان وكأن أزمته الأمنية محصورة بسلاح المقاومة، متجاهلًا الاحتلال والعدوان والخروقات. هذا الخطاب لا يخدم مصلحة الدولة، بل يضعف موقعها التفاوضي، ويمنح "إسرائيل" غطاءً سياسيًا، ويحوّل الانقسام الداخلي إلى مادة استثمار خارجي. وان السياسة الرشيدة لا تكون بتصدير الخلافات الوطنية، بل بإدارتها داخليًا، وبعرض موقف متماسك يحمي لبنان ولا يبرّر الضغط عليه. لم تكن المقاومة يومًا مشروعًا بديلًا من الدولة، بل استجابة لفراغ حكومي مزمن في ملف الدفاع. وكلما طال هذا الفراغ، وازدادت ازدواجية الخطاب الرسمي، تعمّقت الحاجة إلى عناصر قوة خارج الأطر التقليدية. والإشكالية ليست في وجود المقاومة، بل في غياب قرار حكومي شجاع يعترف بالوقائع، ويتعامل معها بمسؤولية، بدل الهروب إلى الأمام عبر شعارات لا تجد طريقها إلى التنفيذ".
وختم إن "انتقادنا للحكومة لا ينطلق من موقع الخصومة، بل من موقع الحرص على الدولة. فالدولة لا تُبنى بتجريدها من عناصر القوة، ولا بتوريطها في التزامات تفوق قدرتها، ولا بتحويلها إلى صندوق بريد للرسائل الدولية. ان الطريق إلى بناء دولة قوية عزيزة يمرّ عبر مصارحة سياسية شجاعة، تعترف بالعدوان، وتكفّ عن التمسك بالسيادة الانتقائية، وتفتح باب الحوار الوطني الجدي حول استراتيجية الدفاع الوطني او "استرتيجية الامن الوطني"، بدل الاكتفاء بتحميل المقاومة مسؤولية أزمة لم تصنعها، وتحميل الدولة ما لا تملك".