اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

مقالات

سقوط «العملية الخاطفة»: كيف فكّكت طهران إستراتيجية الحرب المركبة من الداخل؟
مقالات

سقوط «العملية الخاطفة»: كيف فكّكت طهران إستراتيجية الحرب المركبة من الداخل؟

54

في ظل تصاعد الضغوط العسكرية على إيران وارتفاع منسوب التهديدات الأميركية–"الإسرائيلية"، تتقدّم قراءة تحليلية تؤكد أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن فشل خطة هجومية داخلية كان يُعوَّل عليها لإحداث اختراق حاسم في العمق الإيراني، يمهّد الطريق أمام ضربات خارجية أكثر فاعلية وتأثيراً. فالتطورات الأخيرة أظهرت أن ما شهدته المدن الإيرانية لم يكن مجرد احتجاجات مطلبية عفوية، بل حلقة أساسية في إستراتيجية «حرب مركبة» راهنت على إسقاط القلعة من الداخل قبل استهدافها من الخارج.

الرهان الأساس لهذه الخطة انطلق من استغلال المطالب الاجتماعية والمعيشية بوصفها «الفرصة الذهبية» لفتح ثغرة أمنية واسعة. لم يكن الهدف إصلاحاً سياسياً أو تحسيناً اقتصادياً، بل تنفيذ عمليات دقيقة ومنظمة تستهدف البنى التحتية الاقتصادية والأمنية والعسكرية والخدمية، بما يُحدث أضراراً قد توازي أو تتجاوز ما خلّفته الحرب "الإسرائيلية" الأخيرة. غير أن البعد الأخطر تمثّل في السعي المتعمّد إلى رفع عدد الضحايا، باعتبار أن النزف البشري هو الأداة الأسرع لتفكيك التماسك الاجتماعي وإشاعة الفوضى.

وبحسب التقديرات المتداولة، سقط خلال موجة العنف والشغب نحو 2500 شهيد من المدنيين الأبرياء وعناصر الشرطة والقوى الأمنية، وهو رقم يفوق بأكثر من ضعفين عدد الشهداء الذين سقطوا في المواجهة العسكرية المباشرة مع "إسرائيل"، والذين لم يتجاوز عددهم 1100 شهيد. هذه المفارقة الرقمية تكشف بوضوح أن «الحرب من الداخل» كانت أشد ضراوة وأكثر توحشاً في استهداف المجتمع الإيراني من أي مواجهة عسكرية تقليدية.

في هذا السياق، سعت الجهات المحرّكة لأعمال الشغب إلى استدراج الدولة الإيرانية نحو رد فعل عنيف وشامل. وبين يومي 8 و9 كانون الثاني/يناير، شهدت بعض المدن احتجاجات عنيفة اتخذت طابعاً مسلحاً، استُخدمت فيها الأسلحة النارية وأعمال التخريب المنظم ضد الممتلكات العامة والخاصة. كان الهدف كسر هيبة الدولة، جرّ القوات الأمنية والعسكرية إلى الشوارع، فرض مشهد المدرعات وحظر التجوال، ثم تقديم هذا الواقع للإعلام الدولي بوصفه دليلاً على «سقوط المدن» و«انهيار السيطرة». هذا السيناريو الذي بُنيت عليه تقارير استخباراتية وإعلامية غربية، وقع فيه بالفعل عدد من القادة الغربيين، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي.

غير أن إدراك المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية لطبيعة هذا الفخ أبقى ردودها ضمن إطار «الصبر الإستراتيجي». فقد جرى تفويت الفرصة على المجموعات المسلحة من خلال الامتناع عن الانجرار إلى مواجهات شاملة، والاكتفاء بالرد الدقيق والمباشر على مصادر النيران فقط. هذا النهج حرم المخطط من صور الفوضى الواسعة التي كانت ستُستخدم لاحقاً سلاحًا في الحرب النفسية لتأليب الرأي العام الدولي وتشديد الضغوط الخارجية.

نقطة التحول الحاسمة جاءت بعد يومين فقط من ذروة العنف. ففي أعقاب أحداث 8–9 كانون الثاني/يناير، خرج نحو 26 مليون شخص إلى الشوارع والساحات في مختلف المدن الإيرانية، في حشود شعبية وُصفت بأنها من الأكبر في تاريخ البلاد. هذا النزول الجماهيري لم يكن ردّ فعل عاطفياً، بل موقفاً سياسياً وأمنياً واضحاً، عبّر عن رفض الفوضى والعنف المسلح، وأكد أن «الشارع المقابل» حاضر وقادر على قلب المعادلة.

هذا المشهد أعاد رسم التوازن في الميدان، وخلق ما يمكن تسميته «توازن ردع شعبي». فقد تراجعت المجموعات الفوضوية، ليس فقط تحت ضغط الإجراءات الأمنية، بل خوفاً من الصدام مع جمهور واسع ومنظم يرفض استباحة الأمن العام. كذلك كشفت التحقيقات لاحقاً، أن قسماً من المشاركين في أعمال التخريب تحركوا بدوافع مالية عبر تمويل خارجي، فيما انجرف آخرون بدافع الاندفاع الشخصي والمغامرة، دون إدراك للأبعاد الإستراتيجية لما يجري.

في جوهر المشهد، تخوض إيران اليوم حرباً هجينة مركبة متعددة الأضلاع، تشمل التهديد العسكري الخارجي، والتخريب الأمني الداخلي، والحرب النفسية والإعلامية، إضافة إلى الهجمات السيبرانية واستهداف البنى الرقمية. وقد أدركت طهران أن اجتماع هذه الأضلاع في توقيت واحد يشكّل تهديداً بالغ الخطورة، فاعتمدت إستراتيجية قائمة على تفكيك الحرب بدل الاكتفاء بمواجهتها كحزمة واحدة، والتعامل مع كل محور بآليات مخصصة ضمن عقيدة دفاعية جديدة عنوانها الجاهزية القصوى والردع الشامل.

في مواجهة عسكرة الداخل، نفذت الأجهزة الاستخباراتية عمليات دقيقة أسفرت عن كشف الخلايا النائمة وتفكيك شبكاتها، ما أعاد السيطرة على الشارع وقطع الطريق على أي  مواكبة داخلية  للضربات الخارجية. وعلى صعيد الحرب النفسية، واجهت طهران حملات التزييف بسلاح  الحقائق الموثقة، وخاضت معركة دبلوماسية نشطة مع بعثات أجنبية، عارضةً وثائق تثبت حجم التحريض والتضليل الذي مارسته غرف عمليات خارجية.

وبالتوازي، تعاملت إيران مع الحرب السيبرانية بإجراءات تقنية صارمة شملت قطع الإنترنت في ذروة التهديد، لحماية الأنظمة الحيوية وقطع قنوات التواصل بين المشغّلين الخارجيين وأدوات الشغب، ما أصاب غرف العمليات المعادية بالشلل المعلوماتي. هذا التحصين الداخلي ترافق مع رفع الجاهزية للردع الخارجي إلى أعلى مستوياتها، حيث لم يعد الخطاب الإيراني دفاعياً فقط، بل شمل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية، ورسائل ردعية تطاول عمق الكيان "الإسرائيلي"، مع التلويح بخيار «الضربات الاستباقية» لإحباط أي هجوم وجودي قبل وقوعه.

 ومع سقوط  الأوهام التي راهنت على تآكل إيران من الداخل، خرجت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من هذه المواجهة المركبة، بتماسك أمني واجتماعي أكبر، بعد نجاحها في تفكيك عناصر الحرب الهجينة، من خلال الجمع بين الحسم الاستخباري والوعي الشعبي والجاهزية للردع الشامل، وهو ما يُعد الضمانة الأهم لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة ستذرُّ نيرانها الرماد في عيون الجميع.

الكلمات المفتاحية
مشاركة