إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الأربعاء 25 شباط 2026 بتحليل الجوانب المتعددة المرتبطة بالوضع الإيراني الإقليمي والدولي، حيث ركزت بعض الصحف على أزمة الحصار البحري الذي تسعى الإدارة الأميركية لفرضه، وسلطت الضوء على مشاكل هذا الأمر من الجهة اللوجستية بالخصوص، كما اهتمت ببيان مستقبل وآفاق المفاوضات، وأخيرًا تتبعت الصحف الإيرانية الوضع الأميركي الداخلي في ظل شخصنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لكل مؤسسات الإدارة داخل بلاده.
دروس مستفادة من حاملة الطائرات الأميركية
وفي هذا السياق، قالت صحيفة وطن أمروز: "في أدبيات العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، لطالما عُرفت حاملات الطائرات "كرموز" محركة للقوة الصلبة والهيمنة الأميركية في المياه الدولية. مع ذلك، تُقدّم التقارير الوثائقية والتسريبات من داخل حاملة الطائرات الأكثر تطورًا وتكلفة في التاريخ الأميركي، "يو إس إس جيرالد آر فورد"، صورةً مختلفة تمامًا لهذه الهيمنة. فبينما يُشير المسؤولون السياسيون في واشنطن و"تل أبيب" إلى السفينة كأداة للتهديد العسكري، ودفع سياسات تغيير الأنظمة، والضغط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تُشير الحقائق داخل هذه السفينة العملاقة التي بلغت تكلفتها 13 مليار دولار إلى انهيار هيكلي وهندسي ونفسي.
وأكدت أن آلة الحرب الأميركية تعاني من أزمة صحية وهندسية في أبسط الاحتياجات الإنسانية لطاقمها؛ أزمة تُشكك بشدة في القدرة التشغيلية للسفينة وتُهدد هيبة الجيش الأميركي الظاهرية.
وتابعت: "حاملة الطائرات "جيرالد آر. فورد"، التي كان من المفترض أن تكون تحفة تكنولوجية للبحرية الأميركية، أصبحت الآن رمزًا لأخطاء التصميم الجسيمة وسوء ترتيب الأولويات في النظام العسكري الصناعي. ففي خطأ استراتيجي فادح، خصص مصممو السفينة عددًا أقل بكثير من المراحيض، لكن المشكلة لا تنتهي عند هذا الحد؛ فنظام الصرف الصحي في السفينة مصمم بتقنية شفط فراغي بالغة الحساسية. وفي هذا النظام المعقد وغير الفعّال، قد يؤدي تعطل صمام واحد في المرحاض إلى انهيار نظام الصرف الصحي بالكامل في جزء كبير من السفينة.
ووفقًا لرسائل بريد إلكتروني داخلية سربتها شبكة الإعلام العامة الأميركية (NPR)، فإن عمق هذه الكارثة يتجاوز بكثير مجرد عطل فني بسيط، بحسب الصحيفة، وفي إحدى هذه الرسائل، التي أرسلها قسم الهندسة إلى جميع رؤساء أقسام السفينة في 18 آذار 2025، أُعلن رسميًا أنه في غضون أربعة أيام فقط، سُجل 250 عطلًا كاملًا في نظام المراحيض بالسفينة. نتيجةً لهذا التصميم الكارثي، تشكلت طوابير انتظار تصل إلى 45 دقيقة لاستخدام دورات المياه! إضافةً إلى ذلك، أفاد مكتب المحاسبة العامة الأميركي (GAO) سابقًا أن تسليك هذه الأنابيب يتطلب استخدام أحماض خاصة لإزالة ترسبات الكالسيوم؛ وهي عملية تُكلّف مئات الآلاف من الدولارات، والأهم من ذلك، أنها لا تُجرى إلا عندما تكون السفينة راسية في أرصفة متخصصة على الأراضي الأميركية. ونظرًا لتمديد مهام السفينة في المياه المفتوحة، يكاد يكون من المستحيل إجراء إصلاحات كبيرة، وقد أدى الضغط المضاعف على دورات المياه القليلة السليمة إلى تسريع وتيرة الأعطال.
وقالت الصحيفة إن عواقب هذا القصور الهندسي لا تقتصر على المشكلات التقنية فحسب، بل خلقت أزمة بشرية وتنظيمية عميقة داخل السفينة. فبينما شاركت السفينة في عمليات هجومية أميركية غير قانونية وعابرة للحدود بالقرب من فنزويلا في الأشهر الأخيرة (بهدف التدخل في الشؤون الداخلية والاستيلاء على أصول البلاد)، وتتجه الآن نحو غرب آسيا لتنفيذ سيناريوهات بالوكالة لصالح العدو الصهيوني، فقد بلغت الصراعات الداخلية بين أفراد الطاقم ذروتها.
واعتبرت الصحيفة أن أزمة حاملة الطائرات "جيرالد فورد" تجسد صورةً طبق الأصل لحالة الإمبريالية الأميركية الراهنة؛ فهي ضخمة، باهظة الثمن، ومهيبة في مظهرها، لكنها فاسدة من الداخل، هشة، وعاجزة عن إدارة الأمور الواضحة. في العالم الحقيقي، بعيدًا عن أفلام هوليوود، يُحدّد الفائز في الحروب باللوجستيات والإرادة البشرية، لا بمليارات الدولارات. إنّ الأعداء الذين يتباهون بسياسة التخريب ودعم مغامرات الكيان الصهيوني، عاجزون اليوم عن إدارة نفايات سفنهم الرئيسية. هذا الواقع الموضوعي خير دليل على زيف مزاعم التهديدات العسكرية الأميركية.
وأردفت: "لقد غرقت حاملة الطائرات "جيرالد فورد" في مستنقع عدم كفاءتها وانهيارها الداخلي قبل أن تصل حتى إلى مدى الصواريخ".
أهمية الخطوات الصغيرة من أجل فهم دائم
وفي مقابلة مع صحيفة "إيران"، شرح شهروز شريعتي، الأستاذ المشارك في جامعة تربية مدرس، عملية المفاوضات الإيرانية، قائلًا: "ينبغي تقييم دخول إيران والولايات المتحدة في هذه الجولة من المفاوضات في إطار ضرورة استراتيجية لكلا الجانبين. ويبدو أن كلا الجانبين، على الأقل على المستوى التصريحي، يميلان إلى تفضيل مسار التفاهم على الخيارات العسكرية المكلفة. ويعود هذا الوضع إلى حسابات الربح والخسارة أكثر من كونه نتيجة للثقة المتبادلة. فإيران ليست مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية الراهنة، كما أن الولايات المتحدة، المنخرطة في أزمات دولية متعددة الأوجه، لا تملك القدرة أو الإرادة السياسية اللازمة لمواجهة محفوفة بالمخاطر مع مستقبل غامض في الشرق الأوسط"، وفق قوله.
وأضاف: "مع ذلك، فإن النهج الواقعي هو أنه في هذه المرحلة، لا يُعدّ الإعلان عن اتفاق شامل يحمل عبئًا سياسيًا ونفسيًا كبيرًا أمرًا متاحًا، بل يزيد من احتمالية فشل المفاوضات. لذلك، من المهم وضع توقعات معقولة من المحادثات وخفض مستوى هذه التوقعات. وتزداد فرص نجاح المفاوضات عندما تُحدد التوقعات بشكل واقعي أولًا، بحيث لا يسعى أي من الجانبين إلى فرض مطالب أحادية الجانب، ثانيًا، مع الحفاظ على قنوات اتصال غير رسمية وبناء الثقة تدريجيًا من خلال آليات التحقق الدولية، ثالثًا، تصميم الاتفاقية بشكل تدريجي، يسمح بتحقيق تقدمات صغيرة تُفضي إلى تعزيز الثقة وتجنب مخاطر فشل اتفاقية رئيسية، ورابعًا، إيلاء الاهتمام لدور الجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية، مثل دعم الاستقرار في الشرق الأوسط دون تدخل خارجي".
كذلك، رأى أن التردد في السياسة الأميركية تجاه إيران يعكس تصدعات أعمق في هيكل صنع القرار في البلاد، وجهود جماعات الضغط الصهيونية حول العالم. مع ذلك، في الولايات المتحدة، تتفق التيارات المؤيدة للحرب والضغط الأقصى، على ضرورة احتواء الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وتابع: "يبقى مصير إيران، بحجمها وقدراتها، بين التفاوض والحرب الشاملة، رهنًا بظروفٍ وسطى. وفي هذا السياق، تؤثر عدة متغيرات رئيسية تأثيرًا بالغًا على قرارات الأطراف. أولًا، التطورات الميدانية في المنطقة، كاستقرار الشرق الأوسط؛ ثانيًا، نهج إيران في إدارة برنامجها النووي؛ ثالثًا، ضغوط حلفاء الولايات المتحدة؛ رابعًا، المناخ السياسي الداخلي في واشنطن وطهران؛ خامسًا، نهج قوى أخرى، مثل روسيا والصين، التي قد تُغير موازين القوى. في نهاية المطاف، إذا ما أصبحت تكاليف الحرب أكثر وضوحًا بالنسبة للولايات المتحدة، وبرزت مكاسب الحوار، كاستقرار المنطقة والفوائد الاقتصادية، فإن منطق التفاوض سيسود. وهنا يبرز دور الدبلوماسية الإيرانية، القائمة على مبادئ الشرف والحكمة والمصلحة، لتلعب دوًرا حاسمًا في منع أي مغامرة".
تدمير بنية الحكم الأميركي
من جانبها، ذكرت صحيفة "مردم سالاري" أن الرئيس الأميركي يُدمر بنية النظام الحاكم للولايات المتحدة بأبشع الطرق الممكنة، حيث يُضحي بإرث الآباء المؤسسين لأميركا من أجل رغباته الشخصية، ما يُنذر بكارثة قد تُزعزع أركان السلطة في واشنطن.
وبينما يستعد دونالد ترامب لإلقاء خطابه السنوي أمام الكونغرس، تُشير أحدث استطلاعات رأي شبكة CNN إلى فجوة عميقة بين أولويات البيت الأبيض والمطالب العامة للمجتمع الأميركي، بحسب الصحيفة، إذ تُظهر النتائج أن المجتمع الأميركي بات أكثر تشككًا من أي وقت مضى في فعالية سياسات الحكومة في حل الأزمات الكبرى التي تُعاني منها البلاد. ولكن بعيدًا عن الرأي العام، ما يُقلق المحللين الدوليين هو التآكل المنهجي للهياكل الدبلوماسية الأميركية خلال عهد ترامب؛ وهي عملية تُعرف باسم نزع الطابع المؤسسي.
وقالت إن ما يُلاحظ في أروقة السلطة في واشنطن اليوم ليس مجرد تغيير بسيط للحكومة، بل هو نوع من المذبحة المنهجية؛ عملية تُصبح فيها المؤسسات الدبلوماسية والأمنية الراسخة ضحية لعبادة الشخصية والولاءات القبلية.
كما أضافت: "أدى تسييس السياسة الخارجية، وإضعاف المؤسسات المهنية، وتراجع الشفافية، وربط السياسة الخارجية بمصالح تجارية ضيقة، إلى تراجع الثقة العالمية بالولايات المتحدة وضعف القوة الناعمة لواشنطن. ويمكن وصف تراجع القوة الناعمة الأميركية في عهد ترامب بأنه تحول جذري من قوة ملهمة إلى قوة تفاوضية. وقد تضررت القوة الناعمة، التي عرّفها جوزيف ناي بأنها القدرة على الجذب والإقناع دون استخدام القوة أو المال، بشدة جراء سياسات أميركا أولًا. وشهد هيكل السياسة الخارجية الأميركية، الذي تشكل على مدى عقود من خلال عمليات مشتركة بين الوكالات وخبرات مهنية متخصصة، تغييرًا جذريًا خلال ولاية ترامب الثانية. فقد أدى استبدال الدبلوماسيين المخضرمين بأشخاص موالين للرئيس، وتعيين شخصيات أعمال تفتقر إلى الخبرة السياسية في مناصب حساسة (خاصة في الشرق الأوسط)، إلى طمس الخط الفاصل بين المصالح الوطنية ومصالح عائلة ترامب التجارية".
وخلصت إلى أن السياسة الخارجية الأميركية شهدت خلال الولاية الثانية لدونالد ترامب اتجاهًا غير مسبوق نحو تفكيك المؤسسات، وإضفاء الطابع الشخصي على العمل، وإضعاف الآليات المهنية؛ وهو اتجاه يرى العديد من المحللين أنه أضعف مكانة أميركا العالمية وقلل من فعالية أدوات قوتها التقليدية.