خاص العهد
في خطوة غير مسبوقة على الساحة اللبنانية، قرر رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميّل تنظيم مؤتمر علني حول "صناعة السلام: مسار نحو استقرار لبنان" بتمويل ألماني، ليكون أول فعالية سياسية تتناول نقاش "سلام" لبنان مع محيطه بشكل مباشر، والذي لم يُخفَ أنّ المقصود منه هو العدوّ "الإسرائيلي".
ويأتي هذا المؤتمر، المقرر عقده في فندق Le Gray ببيروت، وسط جدل واسع حول توقيته وأهدافه، خصوصًا مع مشاركة مؤسسة ألمانية يمينية معروفة باسم "كونراد أديناور" كجهة ممولة، في وقت لا تزال فيه الأراضي اللبنانية تتعرض للتهديدات والاعتداءات المستمرة من قبل العدوّ الصهيوني منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.
هذه الخطوة، رغم ما يروج له حزب الكتائب من أنها ترجمة لدعوة البابا إلى "السلام"، تثير مخاوف من تجاوز الموقف الرسمي للدولة اللبنانية، وتفتح الباب أمام نقاشات قد تهدد الإجماع الوطني، في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات على الأراضي اللبنانية.
وفي تعليق على هذه الخطوة المستنكرة، بيّن الدكتور يحيى غدار، الأمين العام للتجمع العالمي لدعم خيار المقاومة وعضو حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل"، أن مؤتمر حزب "الكتائب" الذي يُعقد تحت عنوان "صناعة السلام: مسار نحو استقرار لبنان" لا يُمثل مجرد نقاش سياسي عن "السلام"، بل يشكّل مؤشرًا خطيرًا على استمرار التواصل غير الرسمي والمُعمّق بين الحزب والعدو الصهيوني.
وأكد غدار، في تصريح لموقع العهد الإخباري، أن الجهة الراعية للمؤتمر، وهي مؤسسة كونراد أديناور، توصف في لبنان بأنها ألمانية، لكنها ترتبط عمليًا بالكيان "الإسرائيلي"، وتعمل ضمن شبكة مصالح وأجندات سياسية تخدم المشروع الصهيوني في المنطقة.
ولفت إلى أن المؤسسة التي تحمل اسم المستشار الألماني الأسبق، معروفة بدعمها التاريخي لـ "إسرائيل"، وقد أوقفت العديد من المؤسسات الأكاديمية في دول عربية تعاونها معها نتيجة انحيازها الواضح وإعادة توجيه الأبحاث والبرامج التعليمية بما يخدم المصالح "الإسرائيلية".
وأشار غدار إلى أن مؤتمر الكتائب يأتي في وقت تستمر فيه الاعتداءات "الإسرائيلية" على لبنان، بما يشمل استهداف الجيش اللبناني والمناطق الجنوبية واحتجاز الأسرى، وهو ما يجعل الدعوة إلى "السلام" مع العدوّ في هذا السياق أمرًا غير مبرر وغير مسؤول.
ورأى أن المؤتمر يُعد استمرارًا للخط السياسي القديم لـ "الكتائب" في التودد إلى "إسرائيل"، منذ تأسيس الحزب، وأن كلّ خطوة يقوم بها هذا الفريق الداخلي تعمل في خدمة أهداف العدوّ أكثر مما تتصور، بما في ذلك التغطية على الانتهاكات اليومية وخلق مناخ يسهل التطبيع السياسي والثقافي.
وشدّد على أن التغطية الألمانية الصورية على المشروع لا تغيّر من حقيقة أن الهدف الحقيقي هو الوصول إلى تطبيع سياسي مع "إسرائيل"، مستشهدًا بمشاركة شخصيات لها علاقات وثيقة مع المصرفيين والسياسيين في واشنطن، مثل رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس والسفير الأميركي السابق ديفيد هيل، وهو ما يعكس تورطًا مباشرًا في شبكة علاقات دولية تدعم المشروع الصهيوني.
وأكد غدار أن هذه الخطوة تُظهر أن حزب الكتائب لم يبتعد عن التوجهات القديمة التي تربطه بالعدو الصهيوني، وأن مجرد الحديث عن "السلام" تحت رعاية هذه المؤسسات يُعتبر غطاءً لتمرير أجندات التطبيع، ويستدعي تحركًا قانونيًا وشعبيًا عاجلًا لإيقاف أي محاولات مماثلة.
وأوضح أن المطلوب هو تحرك متكامل يشمل القوى الأمنية، العدلية، وأجهزة الدولة، إلى جانب الحراك الشعبي، لضمان عدم السماح بتمرير أي خطوة تُهدّد سيادة لبنان أو تمهّد الطريق للتطبيع مع الكيان الغاصب.
وختم غدار بالتحذير من أن استمرار هذه التحركات، إذا تُركت دون مساءلة، سيشكل خطرًا على السلم الأهلي، ويشرعن للكيان "الإسرائيلي" التغلغل أكثر في الشؤون الداخلية اللبنانية، مؤكدًا أن الشعب اللبناني يرى في "إسرائيل" كيانًا عدوًّا، وأن أي خطوات لتجاوز هذا الموقف الوطني ستكون مرفوضة ومهددة للاستقرار الداخلي.
الدكتور سكرية: مؤتمر الكتائب يشكّل مسعى للتطبيع مع العدوّ "الإسرائيلي"
بدوره، أعرب الدكتور عبد الملك سكرية، رئيس الجمعية الوطنية لمقاومة التطبيع وعضو حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل"، عن موقفه الرافض لمؤتمر حزب الكتائب اللبنانية المزمع عقده غدًا في بيروت، تحت عنوان "صناعة السلام: مسار نحو استقرار لبنان"، إذ إن هذه الفعالية تمثل محاولة خطيرة لتجاوز الموقف الرسمي للدولة اللبنانية، وهي خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية بالغة الحساسية.
وأوضح سكرية، في تصريح لموقع العهد الإخباري، أن الدعوات التي يروج لها المؤتمر، والتي تشمل شخصيات دولية مثل السفير الأميركي السابق في لبنان ديفيد هيل ورجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، تتناقض مع الثوابت الوطنية اللبنانية، وتُشكّل محاولة لتطبيع العلاقات مع العدوّ "الإسرائيلي" بشكل علني، في وقت لا تزال فيه الحدود الجنوبية للبنان عرضة للتهديدات اليومية والاعتداءات المستمرة.
وأشار سكرية إلى أن تمويل المؤتمر من مؤسسة كونراد أديناور الألمانية يحمل دلالات سياسية واضحة، كونها جهة يمينية متحالفة مع "إسرائيل"، وسبق أن أثارت ممارساتها الأكاديمية والدعم المالي جدلًا واسعًا في عدة دول عربية بسبب انحيازها الواضح لصالح العدوّ الصهيوني.
وأضاف أن الدعوات إلى نقاشات حول "سلام لبنان ومحيطه" تمثل تجاوزًا للسيادة الوطنية، وتفتح الباب أمام التساؤل عن إمكانية إدخال لبنان في صيغ اتفاقيات مثل الاتفاقيات الإبراهيمية، وهو ما يراه سكرية أمرًا يهدد الموقف الرسمي للبنان ويخالف الإجماع العربي حول القضية الفلسطينية.
وأكد سكرية كذلك، ضرورة اليقظة على مستوى الحكومة والأجهزة الأمنية اللبنانية لمنع أي محاولات لخرق السيادة الوطنية أو التأثير على توجه الدولة الرسمي.
وأوضح أن التركيز على دعوات "السلام" في وقت تتعرض فيه الحدود الجنوبية للاعتداءات اليومية، ووجود أسرى لبنانيين لدى العدو، واستمرار الاعتداءات على المدنيين، يجعل من مثل هذه المبادرات خطرًا إستراتيجيًا على لبنان وسلمه الأهلي.
وختم سكرية تصريحه بدعوة كلّ القوى السياسية والشعب اللبناني إلى التعامل بحذر مع أي مبادرة قد تُروّج للتطبيع، مؤكدًا أن حماية المصلحة الوطنية تتطلب الالتزام بالمرجعيات الثابتة، ومراعاة الواقع الميداني والتهديدات المستمرة، وعدم الانجرار وراء حسابات سياسية قصيرة المدى، على نحو يحفظ للبنان سيادته وموقفه الرسمي تجاه القضية الفلسطينية.