مقالات مختارة
ريم هاني - صحيفة الأخبار
أشعلت تصريحات ماركو روبيو حول دخول بلاده الحرب بناءً على إصرار إسرائيل على ضرب إيران، غضبًا حادًّا في صفوف حركة «ماغا». ولم يتأخّر الديمقراطيون، من جهتهم، في استغلال هذا الغضب لشنّ حملة على الرئيس، والحشد لتمرير قرار «سلطات الحرب».
«فشلت واشنطن في منع حليفها، الأصغر بكثير، والذي تتولّى هي مهمة تسليحه وتمويله وحمايته، من مهاجمة إيران، ما أجبرها على أن تضرب هي أيضًا»؛ هذا ما همس به وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو - أو هكذا على الأقلّ تُرجمت كلماته - في آذان عدد من مناصري تيار «ماغا»، وهو ما كان كفيلًا بإشعال غضب حادّ في صفوف الحركة. ويأتي ذلك بعدما اعترف روبيو، في تصريحات إلى الصحافيين في ممرّات «الكابيتول هيل»، سبقت الإحاطة الاستخباراتية السرية التي انعقدت الاثنين، لأول مرّة، بأن "إسرائيل" هي الطرف المحرّك للحرب، في وقت وصل فيه الدعم الشعبي للكيان في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياته تاريخيًا.
وممّا قاله روبيو: «كنّا نعلم أنه سيكون هناك تحرّك "إسرائيلي" ضدّ إيران، وكنّا نعلم أن ذلك سيؤدّي إلى هجوم ضدّ القوات الأميركية من قبل النظام الإيراني، وأننا إذا لم نتحرك ضدّهم بشكل استباقي قبل أن يشنّوا تلك الهجمات، فسنعاني من خسائر أكبر... وحينها سنضطرّ إلى الإجابة على تساؤلات حول سبب علمنا بذلك وعدم تحرّكنا». وأردف: «كنّا على دراية بالنوايا "الإسرائيلية" وفهمنا ما سيعنيه ذلك بالنسبة إلينا، وكان علينا أن نكون مستعدّين للتحرّك نتيجة لذلك».
وعلى الرغم من ادّعاء روبيو، لاحقًا، أن العملية كانت «ستحدث في نهاية المطاف، في غضون عام أو نصف عام»، بسبب قدرات طهران الصاروخية المتنامية، فقد أثارت تصريحاته غضب العديد من المراقبين والناشطين والإعلاميين الموالين لحركة «ماغا»، باعتبار أنها تثبت أن بلادهم ذهبت إلى الحرب، للدفاع عن مصلحة «دولة أخرى»، ضاربةً عرض الحائط باستراتيجية «أميركا أولًا». ومن جهتهم، سرعان ما استغلّ الديمقراطيون تصريحات روبيو، وافتقارها إلى أيّ معلومات قادرة على تدعيمها «استخباراتيًا»، لشنّ هجوم على الإدارة، ومقارنة مواقف ترامب حول التهديدات الوشيكة الآتية من البرنامج النووي الإيراني، بمزاعمه السابقة، في حزيران، حول أن واشنطن «قضت» على تطلّعات نظام طهران النووية.
وقال مارك وارنر، النائب الديمقراطي لرئيس لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ، إنه «لم يكن هناك تهديد وشيك للولايات المتحدة من قبل الإيرانيين، بل كان هناك تهديد لـ"إسرائيل". وفي حال اختلط التهديد الذي تواجهه إسرائيل بالتهديد الوشيك الذي تواجهه الولايات المتحدة، فإننا نكون قد أصبحنا في منطقة مجهولة». وأكّد النائب جيم هايمز (ديمقراطي، كونيتيكت)، العضو البارز في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، وأكّد أفراد «عصابة الثمانية» الذين أطلعهم روبيو على العملية، أن «كلّ ما سمعته من الإدارة قبل هذه الضربات على إيران وبعدها، يؤكد أن هذه حرب اختيارية من دون نهاية استراتيجية». أمّا زعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز (ديمقراطي، نيويورك)، فاعتبر إن إدارة ترامب تحتاج إلى سلطة الكونغرس لشن هكذا هجمات، إلا في حال وجود ظروف ملحّة، وهو ما «لم يكن متوفّراً».
وحتى قبل ضربات نهاية الأسبوع، كان الديمقراطيون، بمن فيهم السيناتور آدم شيف من كاليفورنيا، يضغطون على الكونغرس لتمرير قرار يمنع إدارة ترامب من مهاجمة إيران من دون إذن صريح من الكونغرس. وفي حين زعم روبيو، في تصريحاته أمام الصحافيين، أنه أبلغ «عصابة الثمانية» بنيّة واشنطن شنّ الضربة، وأنه ما من قانون يحتّم على ساكن البيت الأبيض أخذ موافقة الكونغرس، وافقته المتحدّثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، عندما ادّعت أن وزير الخارجية أجرى اتصالات مع أعضاء «العصابة» قبيل بدء العملية مباشرة السبت. على أن الكثير من المشرّعين يرون أن ما فعله روبيو انحصر في منح «إخطار» بوقوع الهجوم، وليس «التشاور» فعلياً حوله، أو إعطاء الكونغرس فرصة لمناقشته أو التصويت عليه.
أقرّ روبيو لأول مرة بأن إسرائيل كانت الجهة المحرّكة للحرب الأخيرة، ما أثار غضب بعض مؤيّدي «ماغا»
وعلى أيّ حال، عبّر النائب رو خانا (ديمقراطي، فريمونت)، الأحد، عن تفاؤله بأن «الديمقراطيين سوف يتّحدون في محاولة تمرير قرار سلطات الحرب، وأن بعض الجمهوريين سوف ينضمّون إليهم، نظراً إلى أن الضربات لم تكن تحظى بشعبية في أوساط جزء من قاعدة (ماغا)»، فيما قدّر النائب توماس ماسيه (جمهوري، كنتاكي)، الذي تعاون مع نظيره لفرض الإفراج عن ملفات جيفري إبستين، أنه سيعمل معه مرّة أخرى لدفع التصويت في الكونغرس حول الحرب مع إيران، والتي «لا تجسّد سياسة (أميركا أولًا)».
وانسحب التشكيك في جدوى الحرب على جملة من المؤثّرين والناشطين المؤيّدين لترامب، الذين جادلوا في برامجهم ومنشوراتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بأن الرئيس أصبح «رهينة» للصقور العسكريين والمحافظين الجدد الذين ترشّح ضدهم. وقال مايك سيرنوفيتش، وهو شخصية بارزة مؤيّدة للرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، على موقع «أكس»، إن «تعليقات روبيو تعكس لحظة قياسية»، مردفاً: «قال ما كان يمكن تخمينه، ولكن قوله ذلك علناً يشكّل تغييراً جذرياً في السياسة الخارجية، ويجب أن تكون هناك دعوات إلى التراجع»، فيما حذّر إريك برينس، أحد المتبرّعين لترامب، ومؤسس شركة «بلاك ووتر» الأمنية، من أن القرار «سيفتح علبة كبيرة من الديدان والفوضى والدمار». كذلك، عبّر مستشار ترامب السابق، ستيف بانون عن حيرته، متسائلاً، في برنامجه الصوتي «غرفة الحرب»: «لو علمنا أن إسرائيل ستضرب وإيران ستردّ علينا، فأين كان التنسيق؟ نحن بحاجة إلى تفسير استراتيجي».
«التضارب»
بعد سلسة من الرسائل عبر «الفيديو»، والمقابلات الهاتفية مع الصحافيين، والتي تضمّنت مواقف متضاربة حول ما تريده الإدارة الأميركية، فعليًا، من العدوان على إيران، راوحت بين القضاء على البرنامج النووي حينًا، وإسقاط النظام في طهران حينًا آخر، حدّد ترامب، في أول تصريحات رسمية له في البيت الأبيض الاثنين، «أربعة أهداف»، مرجّحًا أن تستمرّ الحرب «من أربعة إلى خمسة أسابيع، وربما أطول من ذلك بكثير»، على حدّ تعبيره، في مواقف عَنت، بالنسبة إلى العديد من المراقبين، «تراجعًا» عن هدف إسقاط النظام.
وفي هذا الإطار، أوضح ترامب أن الولايات المتحدة تسعى إلى تدمير قدرات إيران الصاروخية الباليستية وبَحريتها، وقدرتها على تطوير أسلحة نووية، ودعم القوى الموالية لها في المنطقة. وأتى ذلك بعدما كان حثّ، السبت، الإيرانيين على «استعادة حكومتهم»، وهو ما تمّ تفسيره على نطاق واسع على أنه دعوة ضمنية إلى الإطاحة بالنظام. وأردف الرئيس، في تصريحه الاثنين، أنه أمر بالهجوم على إيران لإحباط «التقدّم النووي لطهران وبرنامج الصواريخ الباليستية الذي كان ينمو بسرعة وبشكل كبير»، «ويشكّل تهديدًا واضحًا وهائلًا للغاية لأميركا وقواتنا المتمركزة في الخارج».
واللافت، أن مواقف ترامب، بدت، في غير محطّة، متعارضة مع مواقف كبار المسؤولين الآخرين في الإدارة، بمن في ذلك وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي رفض، قبل ساعات من تصريحات الرئيس، فكرة أن الولايات المتحدة هاجمت إيران بهدف الإطاحة بالنظام، مؤكدًا في تصريحات خلال مؤتمر صحافي مع الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أنه «لا يمكن تسمية هذه الحرب بحرب تغيير النظام، لكن النظام تغيّر بالتأكيد»، من دون أي دليل ملموس في هذا الصدد.
وإذ اعتبر هيغسيث أن العملية الأميركية «ستكون ناجحة»، فقد كشفت تعليقات كاين عن تباين في الآراء مع وزير الدفاع، بعدما اعتبر الأول أن «الأهداف العسكرية الأميركية في إيران سيكون من الصعب تحقيقها، وفي بعض الحالات ستتطلب عملًا صعبًا وشاقًا»، محذّرًا أيضًا من أن الولايات المتحدة قد تتكبّد المزيد من الخسائر مع استمرار الحرب. من جهته، أشار الجنرال ديفيد بترايوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لشبكة «بي بي سي» البريطانية، إلى أن «مقتل المرشد الأعلى الإيراني كان إنجازًا تاريخيًا»، محذّرًا، في المقابل، من أن «حثّ الشعب الإيراني على الانتفاض أمر محفوف بالمخاطر»، في وقت يبلغ فيه قوام «قوات الأمن التابعة للنظام نحو مليون فرد».