اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الشيخ قاسم يبرق إلى السيد مجتبى علي الخامنئي مهنئًا بانتخابه قائدًا ومرشدًا

لبنان

مرصد قانا لحقوق الإنسان يشجب تدخّل وزير العدل في عمل القضاء
لبنان

مرصد قانا لحقوق الإنسان يشجب تدخّل وزير العدل في عمل القضاء

48


أصدر مرصد قانا لحقوق الإنسان البيان الحقوقيّ رقم 23 وهذا نصه:

بشأن قرار وزير العدل إحالة قاضٍ على التفتيش بسبب قرار قضائي
قرّر وزير العدل عادل نصّار إحالة المستشار المدنيّ في المحكمة العسكريّة، القاضي عبّاس جحا، إلى التفتيش القضائيّ على خلفيّة صدور حكم عن المحكمة بحقّ ثلاثة شبّان من المقاومة كانوا يحملون سلاحًا دون ترخيص ويتوجّهون إلى القتال في الجنوب، حيث عدّ الوزير قرار المحكمة بحقّهم غير كافٍ.

إنّ هذا التصرّف من قبل وزير العدل يطرح أمرين أساسيّين: مسألة منع إمداد المقاتلين في مواقع القتال ومسألة استقلاليّة القضاء. 

منع إمداد المجاهدين بالمقاتلين والأسلحة في ساحة المعركة
إنّ منع إمداد المجاهدين بالمقاتلين والأسلحة يشكّل مناصرة للعدوّ الذي يستبيح السيادة والأرض ويقتل الناس ويتلف أرزاقهم دون أن تقوم الحكومة بأيّ تحرّك يذكر للمواجهة.
 ومناصرة العدوّ، عدا عن كونها تنكّرًا لأبسط الواجبات الوطنيّة ما يرقى إلى حدّ الخيانة العظمى، فهو يقع تحت طائلة قانون العقوبات، إذ نصّت:  المادّة 276: يعاقب بالأشغال الشاقّة المؤبّدة كلّ لبنانيّ أقدم بأيّ وسيلة كانت قصد شلّ الدفاع الوطنيّ، على الإضرار بالمنشآت والمصانع والبواخر والمركبات الهوائيّة والأدوات والذخائر والأرزاق وسبل المواصلات وبصورة عامّة بكلّ الأشياء ذات الطابع العسكريّ أو المعدّة لاستعمال الجيش أو القوّات التابعة له.

يقضى بالإعدام إذا حدث الفعل في زمن الحرب أو عند توقّع نشوبها أو أفضى إلى تلف نفس. 

ولمّا كانت المقاومة هي التي تقوم مقام الجيش الذي تحاصره الحكومات بعدم التسليح، ولمّا كانت في حالة حرب مع العدوّ، فإنّ أحكام المادّة 276 عقوبات تنطبق على مانعي إمدادها والطالبين من عناصر الجيش التصدّي لمقاتليها.

استقلاليّة القضاء
إنّ استقلاليّة القضاء مبدأ مقدّس يضمنه القانون الدوليّ والقوانين الوطنيّة في الدول كافّة. أمّا دور  وزير العدل تجاه القضاء فهو دور "الوسيط" أو "الوكيل الإداريّ". هو المسؤول عن توفير الموارد والبنية التحتيّة التي تمكّن القضاة من أداء عملهم بحرّيّة وحياديّة، وهو الصوت الذي يدافع عن احتياجات القضاء أمام الحكومة والبرلمان. لكنّه في الوقت نفسه، يجب أن يكون الحارس الأمين لاستقلال القضاء، بأن يمتنع عن أيّ تدخّل في صميم العمل القضائيّ، تاركًا ذلك للقضاة أنفسهم من خلال مجالسهم المستقلّة.

استقلاليّة القضاء في القانون الدوليّ
تكفّلت وثيقة المبادئ الأساسيّة لاستقلال السلطة القضائيّة الصادرة عن  الأمم المتّحدة (1985) بإلزام الدول بضمان استقلاليّة القضاء، فورد فيها:
1- تكفل الدولة استقلال السلطة القضائيّة وينصّ عليه دستور البلد أو قوانينه. ومن واجب جميع المؤسّسات الحكوميّة وغيرها من المؤسّسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائيّة.
ويترجم الاستقلال في سلطة القاضي المطلقة في اتّخاذ القرارات لدى نظره في الدعاوى: 
3-تكون للسلطة القضائيّة الولاية على جميع المسائل ذات الطابع القضائيّ كما تنفرد بسلطة البتّ فيما إذا كانت أيّ مسألة معروضة عليها للفصل فيها تدخل في نطاق اختصاصها حسب التعريف الوارد في القانون.

من هنا يحظر كلّ تدخّل من قبل السلطة التنفيذيّة في نظر القضاء في الدعاوى واتخاذ القرارات بشأنه.

4- لا يجوز أن تحدث أيّ تدخلات غير لائقة، أو لا مبرّر لها، في الإجراءات القضائيّة.

وجاء بخصوص العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة في شرح المادّة 14:
التعليق العامّ رقم 32 للجنة حقوق الإنسان الذي يمثّل التفسير الرسميّ للمادّة 14. توضح اللجنة أنّ استقلال القضاء يعني أنّ القضاة يجب أن يكونوا قادرين على الفصل في القضايا دون أيّ قيود أو تأثيرات غير لائقة، وأنّ هذا الاستقلال يجب أن يكون مضمونًا فيما يتعلّق بـ "السلطة التنفيذية" بشكل خاصّ.

كما جاء في التقرير المواضيعيّ للمقرّرة الأمميّة الخاصّة المعنيّة باستقلال القضاة والمحامين، مارغريت ساترثويت في تشرين الأوّل/أُكتوبر 2024، تأكيد على الاستقلاليّة .

هذا وأصدرت لجنة الحقوقيّين التابعة للأمم المتّحدة سنة 2021 قرارًا هامًّا عدّ فتوى ملزمة في قضيّة القاضي الإسبانيّ بالتاسار غارثون، والذي يوضح حدود المساءلة الجنائيّة والتأديبيّة للقضاة. فقد رأت اللجنة في قرارها "أنّ إدانة القاضي غارثون وعزله بسبب تفسيره للقانون شكّلت انتهاكًا لحقّه في محاكمة عادلة. وشدّدت على المبدأ القائل بأنّه "لا ينبغي أن يخضع القاضي لإجراءات جنائيّة أو تأديبيّة بناءً على مضمون ما يقرّره في أحكامه"".
 
أمّا من الناحية الأكاديميّة، فيذهب كتاب "وزراء العدل في منظور مقارن " (Ministers of Justice in Comparative Perspective)  لا إلى الحدّ من سلطة الحكومة ووزرائها تجاه القضاء، بل إلى نتيجة جذريّة مفادها أنّ وجود وزارة للعدل تمارس صلاحيّات إشرافيّة على القضاء، مهما كانت الضمانات، يشكّل انتهاكًا لمبدأ الفصل بين السلطات. ويوصي الكتاب بإلغاء هذه الوزارات ونقل وظائفها إلى وحدات حكوميّة أخرى لا تمسّ باستقلال القضاة.

في القانون المقارن
فرنسا: 
جاء في الدستور الفرنسيّ الحاليّ لسنة 1958:
المادّة 64: "رئيس الجمهوريّة هو الضامن لاستقلال السلطة القضائيّة. ويُساعده في ذلك المجلس الأعلى للقضاء. ويحدّد قانون عضويّ loi organique وضع القضاة.
 القضاة غير قابلين للنقل" .

وقد نظّم الاستقلاليّة الأمر التشريعيّordonnance  رقم 58-1270 الصادر في 22 ديسمبر 1958، الذي لم يكتفِ في المادّة الخامسة بضمان استقلاليّة قضاة الحكم بل حتّى قضاة النيابة، فتصّ على أنّ: "أعضاء النيابة العامّة يخضعون لتوجيه وإشراف رؤسائهم التسلسليّين وتحت سلطة وزير العدل (Garde des Sceaux).  وأثناء الجلسة، تكون كلمتهم حرّة".

وقد فسّر المجلس الدستوريّ الفرنسيّ هذا النصّ في قراره (8 ديسمبر 2017)، عندما طعن اتّحاد نقابات القضاة في دستوريّة المادّة 5، بأنّ هذه المادّة تتوافق مع الدستور. وعلّل ذلك بالاستناد إلى المادّة 30 من قانون الإجراءات الجنائيّة الفرنسيّ التي تنصّ على أنّ وزير العدل يوجّه "تعليمات عامّة" تتعلّق بالسياسة الجنائيّة، ولا يحقّ له إعطاء أوامر في قضايا فرديّة. 
ألمانيا
ينصّ القانون الأساسيّ لجمهورية ألمانيا الاتحادية (الدستور):
المادّة 97: 
(1)    القضاة مستقلّون ولا يخضعون إّلا للقانون.
وحتّى فصل القضاة ونقلهم لا يمكن أن يجريا على يد الحكومة، إذ تنصّ المادّة نفسها على أنّ:
(2)    القضاة المعيّنين بشكل دائم لا يمكن فصلهم أو نقلهم إلّا بحكم قضائيّ وللأسباب المبينّة في القوانين.
إسبانيا:
جاء في القانون الأساسيّ الإسبانيّ 6/1985:
تشمل صلاحيّات المجلس الأعلى للسلطة القضائيّة المستقلّة التعيينات والترقيات والنقل والتفتيش والمسؤوليّة التأديبيّة لأعضاء السلك القضائيّ.
أمّا الحكومة فصلاحيّاتها بعيدة عن الوظيفة القضائيّة، إذ: إنّ إدارة الموارد المادّيّة والبشريّة للمحاكم (أي الميزانيّة والمباني والمعدّات) هي من مسؤوليّة السلطة التنفيذيّة، ممثّلة بوزارة العدل...
استقلاليّة القضاء في لبنان
ينصّ الدستور اللبنانيّ:
المادّة 20- السلطة القضائيّة تتولّاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها ضمن نظام ينصّ عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاء والمتقاضين الضمانات اللازمة.

أما شروط الضمانة القضائيّة وحدودها فيعيّنها القانون. والقضاة مستقلّون في إجراءات وظيفتهم.

وجاء في قانون تنظيم القضاء العدليّ، القانون رقم 36 الصادر بتاريخ 5/1/2026:
المادّة 54 - القضاة مستقلّون في أداء مهامّهم، ضمانًا لحقوق المتقاضين وحرّيّاتهم. 
يقتضي على القضاة المحافظة على استقلاليّتهم فعلًا وظاهرًا...
تضمن الدولة للقضاة علاوة على الضمانات التي تنصّ عليها القوانين المرعيّة الإجراء التعويض عن كلّ ضرر يلحق بهم أو بأحد أفراد عائلاتهم أو بأموالهم بسبب الوظيفة وفي أثنائها وبمناسبتها. تشمل هذه الضمانة بشكل خاصّ جميع الأضرار الناجمة عن التدخّل في وظائف القضاة أو الحاصلة في معرض التصدّي لهذا التدخّل.
غير أنّ وزير العدل لم يأبه لا للوثائق الدوليّة ولا للقانون الداخليّ فأعطى نفسه الحقّ في التدخّل في شؤون القضاء، وحاول إرهاب القاضي جحا. 

ولم يقف تصرّف وزير العدل عند هذا الحدّ، بل تجاوز القانون عن طريق تعريض سمعة القاضي للتشويه عن طريق عدم احترام مبدأ السرّيّة في تحويل القضاة إلى التفتيش القضائيّ، ما يخرق المادّة 130 من القانون التي تنصّ على أن:
"يدعى الشخص المعنيّ إلى التحقيق قبل اثنتين وسبعين ساعة على الأقلّ من موعد الجلسة، بصورة سرّيّة".

وفي موقف يدافع  عن استقلاليّة القضاء في مواجهة الوزير، أصدر "نادي قضاة لبنان" بيانًا جاء فيه: أنّ "إحالة القاضي عبّاس جحا، المستشار لدى المحكمة العسكريّة الدائمة، إلى التفتيش القضائيّ، من وزير العدل، على خلفيّة صدور حكم عن هذه المحكمة، تشكّل فضيحة مدويّة، ومسًّا بهيبة القضاء، واعتداءً صارخًا على استقلاليّته. وتؤكّد الذهنيّة السائدة والمستمرّة، في تجاهل هذه الاستقلاليّة".

أضاف البيان: "إنّ وزير العدل، أيًّا تكن أفكاره السياسيّة أو انتماءاته الحزبيّة، لا يملك أن يوجّه إلى القضاء أيّ تعليمة، إن لناحية الأشخاص الواجب ملاحقتهم، أو توصيف الأفعال المرتكبة منهم وما إذا كانت تشكّل جرائم من عدمه. والأكيد أنّه لا يعود له التدخّل في قناعة القاضي عند إصدار حكمه. ناهيك بأنّ الصلاحيّة التي أولاها قانون تنظيم القضاء العدليّ لوزير العدل بإحالة قاضٍ إلى التفتيش، يفترض أن تبقى سرّيّة وفق ما تقتضيه أصول الملاحقة أمام التفتيش القضائيّ. وبالتالي، يذكّر نادي قضاة لبنان وزير العدل بوجوب ممارسة هذه الصلاحيّة وفقًا للأصول والامتناع عن التشهير بالقاضي احترامًا لهيبة القضاء واستقلاليّته".

وختم: "وعليه، فإنّ النادي إذ يقف إلى جانب القاضي عبّاس جحا في ما يتعرّض له من تعدّ على استقلاليّته، يناشد هيئة التفتيش القضائيّ اتّخاذ القرار الجريء والعادل والملائم لمنع وزير العدل من التعدّي على استقلاليّة القضاء والقضاة والنأي به وبهم عن التجاذبات السياسيّة". 

إنّ مرصد قانا لحقوق الإنسان، الذي أخذ على نفسه واجب الدفاع عن حقوق الإنسان والشعوب، وخاصّة الإنسان والشعب اللبنانيّين، والذي صدمه تدخّل الوزير في عمل القضاء، في قضيّة ذات علاقة بمقاومين في زمن الحرب، النابع من موقف سياسيّ معادٍ أصلًا للمقاومة ضدّ العدوّ الصهيونيّ، ليناشد كلّ الحقوقيّين الحريصين على استقلاليّة العمل القضائيّ، وكلّ المؤمنين بواجب الدفاع عن لبنان في مواجهة العدوّ، أن يشجبوا موقف الوزير ويقفوا إلى جانب القاضي عبّاس جحا الذي تعرّض للاعتداء.  
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة