مقالات مختارة
ريم هاني - صحيفة الأخبار
يكثر الحديث عن جزيرة خرج الإيرانية، المسؤولة عن حوالي 90% من صادرات البلاد من النفط الخام، وذلك مع ظهور دعوات إلى ضربها أو الاستيلاء عليها. غير أن هذه الخطة من المتوقّع أن تصطدم بحسابات ترامب النفطية، ومخاوف من تكبيد القوات الأميركية المزيد من الخسائر.
يستسيغ بعض المسؤولين الأميركيين، على ما يبدو، توريط قوات بلادهم في عملية برية في الداخل الإيراني، في انعكاس لتراجع حظوظ الضربات الجوية في تحقيق الأهداف «الطموحة» التي كان قد أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب بداية الحرب. وبالتوازي مع حديث مصادر إعلامية، بما فيها موقع «أكسيوس»، عن نقاش يدور بين تل أبيب وواشنطن حول إمكانية إرسال قوات خاصة إلى إيران للاستيلاء على مخزون اليورانيوم، كان الطرفان يبحثان أيضاً احتمال الاستيلاء على جزيرة خرج الإيرانية، المسؤولة عن حوالي 90% من صادرات البلاد من النفط الخام.
في الواقع، تجمع الجزيرة النفط القادم عبر خطوط الأنابيب من أكبر الحقول المنتجة في إيران، بما في ذلك الأهواز ومارون وجاكساران. وفي الأيام التي سبقت العدوان الأميركي - الإسرائيلي، زادت إيران صادراتها من «خرج» بمستويات قياسية، بعدما حمّلت أكثر من 3 ملايين برميل يومياً خلال الفترة الممتدّة من 15 إلى 20 شباط، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف وتيرة صادراتها العادية المُراوِحة بين 1.3 مليون و1.6 مليون برميل يومياً، وفقاً لتقديرات بنك «جي بي مورغان». وتقدَّر الطاقة التخزينية في «خرج» بنحو 30 مليون برميل، فيما يتمّ حالياً تخزين ما يقرب من 18 مليون برميل من النفط الخام فيها، أي ما يعادل حوالي 10 إلى 12 يوماً من الصادرات في الظروف العادية.
ويقود مايكل روبين، المستشار السابق في البنتاغون لشؤون إيران والعراق في إدارة جورج بوش، على ما يبدو، عمليات الحشد لعملية محتملة للاستيلاء على الجزيرة، مجادلاً بأنه «إذا كان ترامب ينوي تكثيف الضغوط على إيران خارج نطاق الضربات الصاروخية والقصف، فإن الاستيلاء على «خرج» من شأنه أن يحرم النظام من مصدر تمويل رئيس». كما أقرّ روبين بأنه «يتواصل مع مسؤولي البيت الأبيض بشأن الأهمية الاستراتيجية للجزيرة»، زاعماً أنه «تمّ تعميم توصياته داخل مجلس الأمن القومي». وطبقاً له، فإن «ترامب يعتمد على دائرة صغيرة من المستشارين، وليس من الواضح ما إذا كان هؤلاء يدركون الأهمية الاستراتيجية لـ»خرج»». ويحاجّ روبين وأمثاله بأنه في حال لم تتمكن إيران من بيع نفطها، فهي لن تكون قادرة على «دفع رواتب أعضاء الحرس الثوري الإيراني»، الذي يقف عائقاً أمام «انهيار النظام».
وفي حديث إلى وسائل إعلام في الأيام الماضية، أكّد روبين أنه «بغضّ النظر عن حجم القصف الذي نقوم به، لن يكون هناك تغيير في النظام حتى نقوم بتقسيم الحرس الثوري، وإذا كان هناك من طريقة غير عنفية إلى حدّ ما للقيام بذلك، فهذا أفضل». وتزامنت هذه المواقف مع تسليط وسائل إعلام غربية الضوء، بشكل متزايد، على الجزيرة، والادّعاء بأن «نحو نصف صناعة النفط في البلاد، والتي تبلغ قيمتها 50 مليار دولار، تخضع لسيطرة الحرس الثوري»، بما في ذلك «أسطولُ شبحٍ» ضخمٌ من ناقلات النفط التي تنقل النفط الخام الخاضع للعقوبات إلى الخارج، ولا سيما إلى الصين.
تصطدم خطة السيطرة على جزيرة خرج، كما سابقاتها، بجملة من الحسابات الأميركية التي تجعل تحقيقها صعب المنال
على أن الخطة الجديدة المقترحة تصطدم، كما سابقاتها، بجملة من «الحسابات» الأميركية التي تجعل تحقيقها صعب المنال، إذ طبقاً لتقديرات «جي بي مورغان»، فإن استهداف الجزيرة «سيوقف، بشكل فوري، الجزء الأكبر من صادرات إيران من النفط الخام، ما قد يؤدّي على الأرجح إلى أعمال انتقامية شديدة في مضيق هرمز أو ضدّ البنية التحتية الإقليمية للطاقة». وبحسب المصدر نفسه، فإنه «على الرغم من أن القوات العراقية ضربت بعض المحطات والناقلات خلال الحرب التي استمرّت ثماني سنوات مع إيران، إلا أن الجزيرة الإيرانية ظلّت عاملة إلى حدّ كبير، وعادة ما كان يتمّ إصلاح الأضرار بسرعة، ما يدلّ على أن تعطيلها سيتطلب هجمات متواصلة وواسعة النطاق».
وبالفعل، خلال أزمة الرهائن في إيران عام 1979، فرض الرئيس السابق، جيمي كارتر، عقوبات على إيران، إلا أنه امتنع عن إصدار أوامر بشنّ ضربات على الجزيرة. وخلال حرب الناقلات الإيرانية - العراقية في ثمانينيات القرن العشرين، أعطى خليفته، رونالد ريغان، الأولوية لحماية الشحن واستهداف السفن الإيرانية وبطاريات الصواريخ، من دون المسّ بالجزيرة، وهو ما يتكرّر، إلى حدّ ما، في حرب ترامب على المنطقة اليوم. وفي حديث إلى وكالة «رويترز»، أكّد مسؤول أميركي سابق أنه في حال «كان الهدف هو الانتقال بسرعة إلى حكومة جديدة، فلن نرغب في تدمير تلك البنية التحتية»، منبّهاً إلى أن «الاستيلاء على خرج في وقت مبكر جداً من الحملة، ينطوي على مخاطر على القوات الأميركية».
وكانت عادت جزيرة خرج إلى الضوء بالتزامن مع انتشار معطيات عن ضغوط أميركية تُمارَس على إسرائيل لتجنب استهداف منشآت الطاقة في إيران، وخاصة البنية التحتية النفطية. وطبقاً لمسؤول إسرائيلي تحدّث إلى موقع «أكسيوس»، فقد تمّ نقل الرسائل الأميركية على مستوى سياسي رفيع وإلى رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، فيما قال مسؤول إسرائيلي ثانٍ إن «الولايات المتحدة طلبت منا إخطارهم مسبقاً بأيّ ضربات مستقبلية على منشآت نفطية في إيران».
وبعيداً عن زعم الإدارة الأميركية أن طلبها هذا مرتبط بأسباب من مثل عدم «قلب» الرأي العام ضدّها، أو الرغبة في «التعاون» مع قطاع النفط الإيراني بعد الحرب، في تكرار لنموذج فنزويلا، والذي يستبعده الكثير من المراقبين، فإن المخاوف الأميركية الفعلية تكمن في احتمال أن تؤدي الضربات على الجزيرة إلى هجمات انتقامية إيرانية واسعة النطاق على البنية التحتية للطاقة في جميع أنحاء دول الخليج، ما قد يسهم في «ارتفاع أسعار النفط العالمية بشكل أكبر». وعليه، قدّر مصدر مطّلع على التفاصيل أن ترامب يرى في الضربات على منشآت الطاقة والنفط الإيرانية ما هو أشبه بـ«خيار يوم القيامة».
وإلى جانب الجزيرة المشار إليها، استهدف قصف أميركي، بعد أسبوع من الضربات الصاروخية المتبادلة مع إيران، محطة تحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية، فيما تقع جزر أخرى، من مثل لارك وسيري، التي تضمّ بدورها منصّات نفطية ومستودعات تخزين ضخمة، وغيرها، في دائرة الاستهداف الأميركي المحتمل.