مقالات مختارة
مخزومي «شريك» جعجع... مع «صفر حضور» على الأرض
نواب بيروت وفاعلياتها يتصدّون لأحلام معراب
لينا فخر الدين_صحيفة الأخبار
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان، كانت بيروت الوجهة الأولى للنازحين الذين غادروا بيوتهم. بعضهم اختارها لقربها من مكان سكنه أو عمله، وآخرون لأنّهم اعتادوا شوارعها وأزقّتها وناسها. ومع توزّع النازحين بين الشقق والفنادق والمدارس ومنازل المضيفين، شكّلوا عنصراً أساسياً في الدورة الاقتصادية التي لا تزال عجلاتها تدور في العاصمة.
رغم ذلك، دفعت بيروت الثمن الأكبر في عملية الإيواء، إذ يُقدَّر عدد النازحين فيها بنحو 400 ألف من أصل نحو مليون، في ظل تقاعس واضح من الحكومة عن أداء واجباتها. وهو ما يعيد تكريس صورة بيروت كملاذ تاريخي احتضن اللبنانيين في مختلف المحطات. وبناءً عليه، يبدو طبيعياً، رغم حملات التحريض الإعلامي وبعض الإشكالات الفردية في مراكز الإيواء، إضافة إلى ضخامة أعداد النازحين، أن لا بوادر فتنة تلوح في الأفق، ولا مناخات فعلية معادية لهم، فيما يبقى الوضع الأمني مضبوطاً، باستثناء الهواجس العامة من استهدافات العدو التي تشمل مختلف المناطق.
وفيما يحلو لبعض «البيارتة» أن يعزوا هذا الاستقرار إلى أنّ «لبيروت ربّاً يحميها»، وإلى طبيعة أبناء المدن الذين يفضّلون تجنّب الاحتكاك و«المشي الحيط الحيط»، فضلاً عن قدرتهم العالية على التكيّف مع التحوّلات. غير أنّ هؤلاء يدركون أيضاً أنّ أجندة «روابط القرار» السنّية تخلو من أي توجّه نحو تأجيج الفتنة السنّية - الشيعية، وبالتالي، لا مؤشرات إلى استثمار في الشارع السنّي في هذا الإطار.
وينعكس ذلك في الأداء السعودي على الأرض، والذي بدا واضحاً من خلال تغيّب شخصيات محسوبة على الرياض السبت الماضي عن «لقاء معراب 3»، الذي كان يحتاج إلى «غطاء سنّي»، أو إلى شريك فاعل في خطاب التصعيد الذي يتبنّاه سمير جعجع.
مخزومي «شريك»... ولكن
صحيح أن «الشريك» السنّي البيروتي حاضر شكلياً، إلا أنّه يفتقر إلى الفاعلية، ولا يبدو قادراً على تلبية أجندة «القوات» في التحريض. فالنائب فؤاد مخزومي يفتقد، فعلياً، قاعدةً شعبية وازنة تخوّله لعب هذا الدور. ورغم محاولاته المستمرة منذ سنوات لـ«التخريق» في أحياء العاصمة، إلا أن سلّته في الغالب تبقى فارغة. ومع أنّه عمل أخيراً على استقطاب عدد من «زعماء الأحياء» في الطريق الجديدة ورأس النبع ورأس بيروت مقابل رواتب شهرية، غير أنّ فاعليات بيروتية تؤكّد أنّ مخزومي «لا يمون» عليهم إلى حدّ جرّهم إلى إشكالات أمنية، خصوصاً أنّ بعضهم مرتبطون فعلياً بأحزاب أخرى رغم تلقّيهم دعماً منه.
كذلك، يسعى مخزومي إلى الدفع باتجاه فرض خطة أمنية لمراقبة النازحين والتدقيق في تحرّكاتهم، سواء داخل مراكز الإيواء أو في الشقق المستأجرة. وفي هذا الإطار، زار أول من أمس رئيس الجمهورية جوزيف عون، ومفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان الذي تشير المعطيات إلى أنّه يرفض زجّه في هذا المسار، سواء عبر الضغط على الرئاسة أو من خلال إصدار موقف يدعو إلى تبنّي خطة أمنية بهذا الاتجاه.
في الخلاصة، تؤكّد أوساط بيروتية فاعلة غياب أي مؤشّرات جدّية إلى «تسخين» الشارع البيروتي لأسباب عدّة، في مقدّمها انعدام الرغبة السعودية في ذلك حالياً، وعدم قدرة مخزومي على قيادة هذا الشارع، واستحالة أن يتمكّن سمير جعجع من اختراقه، نظراً إلى طبيعة المزاج السنّي البيروتي المرتبط تاريخياً بالعداء لإسرائيل، رغم التباينات العميقة مع حزب الله. وهذا ما انعكس في صعوبة «هضم» البيان الصادر عن «معراب 3»، الذي خلا من أي إدانة للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، فضلاً عن تحفّظ عدد من النواب السنّة على فكرة الانخراط تحت مظلة معراب أو تنفيذ أجندة جعجع، مستعيدين تاريخه مع الشارع البيروتي. وفي هذا السياق، يُقرأ تغيّب النائب وضاح الصادق الذي حضر «معراب 2» عن «معراب 3» وتوجيهه انتقادات لمضمون بيان اللقاء الأخير، إلى جانب المقاطعة المعتادة لنوّاب بيروت السنّة لهذه اللقاءات.
لقاء طارق الدّنا
في المقابل، تبذل مجموعة من نواب بيروت وفاعلياتها جهوداً لاحتواء تداعيات النزوح والحفاظ على الاستقرار، عبر تطويق أي إشكال أمني قد يطرأ ومنع انزلاق الأوضاع نحو التوتير. وتجلّى ذلك في التعامل مع محاولة تسييس اللقاء البيروتي الذي عُقد في منزل طارق الدنا، أحد الناشطين في بيروت، للبحث في تداعيات النزوح على العاصمة.
وبحسب متابعين، فإن فكرة اللقاء انطلقت أساساً من الدنا نفسه، وهو يتمتّع بشبكة علاقات واسعة مع شخصيات سياسية، وسبق أن عمل كمفتاح انتخابي لمصلحة لائحة الرئيس فؤاد السنيورة في بيروت، وتداول في هذه الفكرة مع المرشح المُفترض سيف سليم دياب، قبل طرحها على عدد من النواب والفاعليات. ونجحت هذه المبادرة في جمع طيف واسع من نواب بيروت وفاعلياتها، رغم التباينات بينهم (من دون دعوة نواب «الثنائي»)، إلا أنّها لم تُترجم إلى خطوة لاحقة كان يطمح إليها الدنا، بالدعوة إلى مؤتمر موسّع لمناقشة الواقع البيروتي في ظل النزوح.
وتشير المعلومات إلى أنّ المجتمعين كادوا يقعون في «فخ» تسييس اللقاء وتصويره كأنه موجّه ضد حزب الله، بعدما حاول بعض الحاضرين، من بينهم النائبة بولا يعقوبيان، إدراج بند «بيروت منزوعة السلاح» ضمن النقاشات. إلا أنّ هذا الطرح قوبل باعتراض غالبية الحضور، وفي مقدّمهم النائبان نبيل بدر وعدنان طرابلسي، اللذان شدّدا على ضرورة إبقاء اللقاء ضمن إطاره الاجتماعي والأمني، بهدف معالجة تداعيات النزوح، ولا سيما الإشكالات الأمنية وارتفاع معدّلات السرقة.
وفي موازاة ذلك، يُتداول أنّ مخزومي، الذي غاب عن اللقاء (ومثّله مدير مؤسسته سامر صفح ومستشاره مروان الأيوبي)، اقترح استضافة اجتماع ثانٍ في منزله، مع إدراج بند «بيروت منزوعة السلاح» في البيان الختامي، وهو ما رفضه المشاركون. وفيما ينفي مقرّبون منه ذلك، إلا أنّ بيان «منتدى حوار بيروت»، الذي عُقد في منزله قبل يومين، تضمّن هذه العبارة في البند الأول من توصياته!
في المقابل، يختار تيار «المستقبل» الابتعاد عن الأضواء في هذه المرحلة، تفادياً لأي مواقف قد تُفسَّر على أنها استفزاز للرياض. غير أنّ شخصيات تدور في فلكه تؤكّد أنّ التيار يراقب الشارع البيروتي عن كثب، انطلاقاً من قناعة بأنّ «النار تحت الرماد» وقد تنذر بتطورات غير محسوبة. لذلك، يحرص على ضبط قاعدته الشعبية والمساهمة في تبريد الأجواء، ومعالجة أي إشكال بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، من دون حضور مباشر أو علني لعناصره على الأرض. ويشير متابعون إلى أنّ تعيين محمد يموت منسّقاً للتيار في بيروت قبل أشهر أعاد تحريك حضوره في العاصمة، نظراً إلى ما يتمتّع به من شبكة علاقات واسعة وفعّالية ميدانية تتيح له متابعة التفاصيل عن كثب.
وإلى جانب «التيار الأزرق»، يحافظ النائب نبيل بدر على تمايزه عن بقية زملائه، إذ يوسّع دائرة مساعداته للنازحين، بالتوازي مع ضبط قاعدته الشعبية والتدخل لمعالجة أي توتّر محتمل، فضلاً عن إبقاء قنوات تواصله مفتوحة في الأحياء التي يعزّز فيها حضوره. وقد أبلغ بدر سائليه عن موقفه، بأنه يرى أن «الابتعاد عن الاستقطاب هو العمل الصائب هذه الأيام»، وأنه لا يوافق «على أي فكرة تؤدّي إلى تخريب بيروت تلبيةً لرغبات من لديهم أجندات خاصة سواء داخلية أو خارجية»، مشدّداً على أن «بيروت لا يمكن أن تُدار من معراب».