اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي اعتراف بالهزيمة في هرمز وتراجع في سقف الأهداف

مقالات مختارة

سقوط سردية الهزيمة.. كيف أعادت المقاومة صياغة معادلة الوعي والميدان؟
مقالات مختارة

سقوط سردية الهزيمة.. كيف أعادت المقاومة صياغة معادلة الوعي والميدان؟

48

علي حيدر-صحيفة الأخبار
 
ليست كل الحروب متساوية في نتائجها. بعضها ينتهي بانزياحات موضعية في خرائط الاشتباك، وبعضها الآخر يغيّر ما هو أعمق: بنية الصراع وطريقة فهمه. ما كشفت عنه معركة «العصف المأكول» التي تخوضها المقاومة في مواجهة الحرب الاسرائيلية - الاميركية، لا يمكن اختزاله في ميزان نيران أو خسائر، بل في تحوّل مزدوج طال الإدراك والميدان معاً، وأعاد صياغة المعادلة التي تحكم الصراع بين المقاومة والاحتلال الإسرائيلي.

بدأت الحرب بسردية حاول خصوم المقاومة فرضها كمسلّمة، مستغلين الضربات القاسية التي تلقتها في الحرب السابقة: حزب الله في حالة تراجع، بيئته منهكة، وقدرته على المبادرة تآكلت. هذه السردية لم تكن مجرد توصيف، بل كانت جزءاً من معركة بحدّ ذاتها، هدفها إنتاج هزيمة نفسية تسبق الميدان. لكن ما حدث فعلياً أن الميدان نفسه قوّض هذه الرواية، لا من خلال خطاب مضاد، بل عبر أداء ملموس فرض إعادة قراءة شاملة لدى جميع الأطراف.

التحول الذي أحدثته المقاومة لا يكمن فقط في إسقاط سردية «الهزيمة»، بل في إنتاج واقع ميداني جديد انعكس مباشرة في وعي وتقديرات اللاعبين كافة: قادة العدو، خصوم المقاومة، حلفاؤها، وحتى بيئتها الداخلية. وهنا تكمن أهمية ما جرى؛ إذ لم يعد الحديث عن «صورة» المقاومة، بل عن أثرها الفعلي في إعادة تشكيل الحسابات.

على مستوى العدو، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على هذا التحول. فالمؤسسة العسكرية التي كانت تدفع باتجاه توسيع نطاق العمليات، وجدت نفسها أمام واقع ميداني يفرض الحذر وإعادة التقدير. ويأتي ذلك من إدراك أن المواجهة مع طرف قادر على الاستمرار والتكيّف ليست جولة يمكن التحكم بمسارها بسهولة. فحين يصبح الخصم غير قابل للكسر السريع، يتحول من هدف إلى معضلة. وهذا بحد ذاته إنجاز استراتيجي للمقاومة، لأنها لم تكتفِ بتحمّل الضغوط، بل نجحت في نقل جزء من عبء القلق إلى الطرف المقابل، من دون اغفال أننا لا نزال أمام معركة مفتوحة على خيارات وسيناريوهات عدة.

وعلى مستوى خصوم المقاومة في الداخل، فقد واجه هؤلاء مأزقاً من نوع مختلف. فالسردية التي بُنيت على أن الحزب بات عبئاً وأنه فقد قدرته، اصطدمت بوقائع يصعب حتى على المكابرين إنكارها. ومع كل يوم من المواجهة، تراجعت القدرة على التمسك بهذا الخطاب من دون الوقوع في تناقض مع ما يراه الناس. وهنا حصل تحول هادئ لكنه عميق: من محاولة نفي دور المقاومة، إلى اضطرار ضمني للاعتراف بأنها لا تزال فاعلاً لا يمكن تجاوزه.

في المقابل، لم يتلقّ حلفاء المقاومة وبيئتها رسالة صمود فحسب، بل رسالة قدرة. فالفارق كبير بين قوة تصمد وقوة تفرض إيقاعها. وما أظهرته المواجهة أن الحزب لم يكن في موقع الدفاع السلبي، بل في موقع إدارة المعركة وفق حساباته، بما في ذلك اختيار التوقيت، وتكييف أسلوب العمل، والاستفادة من الخبرات المتراكمة. وهذا ما عزز الثقة داخل بيئته، على أساس قراءة واقعية للأداء.

وهنا تظهر نقطة جوهرية: الإنجاز الحقيقي للمقاومة لا يُقاس فقط بقدرتها على البقاء، بل بقدرتها على تغيير سلوك الآخرين تجاهها. فالعدو وجد نفسه أمام واقع على النقيض مما كان يفترضه، واذا ما تجاوزنا الخصوم الذين لا تحكم الكثيرين منهم القراءة الواقعية، فإن الحلفاء ازدادوا ثقة، والبيئة الشعبية تعززت ثقتها بخياراتها التي لم تحد عنها في ذروة الضغوط الميدانية والتهويلية والنفسية. هذا هو التحول العميق: انتقال المقاومة من موقع «موضوع للنقاش» إلى موقع «معطى ثابت» في كل تقدير سياسي أو عسكري.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من بنية تراكمية أثبتت مرة أخرى قدرتها على التعلم والتكيف. فالمقاومة لم تدخل الحرب بوصفها نسخة مكررة عن نفسها، بل كقوة راكمت خبرات، واشتغلت على سد الثغرات، ونجحت في تحويل الضغط إلى فرصة لإعادة تنظيم الأداء. وهذا ما يفسر قدرتها على العمل في ظروف معقدة من دون أن تفقد تماسكها أو وضوح قرارها.

وفي موازاة ذلك، كشفت الحرب حدود الرهان على الدبلوماسية اللبنانية حين تُفصل عن عناصر القوة. فالدبلوماسية التي لم تستطع تحقيق إنجازات ملموسة، بدت وكأنها تتحرك في فراغ، في حين كان الميدان يعيد رسم حدود الممكن. وهنا حصلت مفارقة واضحة: كلما تراجعت فعالية الخيار السياسي المجرد، ازداد حضور المقاومة كدور وطني، لا كشعار.

ما جرى في هذه المواجهة يعيد التذكير بحقيقة أساسية في هذا النوع من الصراعات: القوة ليست فقط ما تملكه، بل ما تفرضه على وعي الآخرين. وحين تنجح جهة ما في تغيير طريقة تفكير خصومها وحلفائها على حد سواء، فإنها تكون قد حققت إنجازاً يتجاوز حدود الميدان المباشر.

في المحصلة، لم تكن هذه الحرب مجرد اختبار لقدرات المقاومة، بل اختباراً لمدى قدرتها على إعادة تشكيل المعادلة. وقد أظهرت الوقائع أن التحول لم يكن في الإدراك فقط، بل في الميدان الذي أعاد بدوره صياغة الإدراك. وبين هذين المستويين، تثبّتت حقيقة أن المقاومة لا تزال لاعباً مركزياً في معادلة الصراع، وأن أي قراءة لمستقبل لبنان والمنطقة لا يمكن أن تتجاوزها. وفي زمن تتغير فيه الموازين بسرعة، يبقى الثابت الوحيد هو أن من يفرض نفسه في الميدان، هو من يعيد كتابة قواعد اللعبة في الوعي أيضاً.

الكلمات المفتاحية
مشاركة