اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "سي بي إس" عن مسؤولين أميركيين: إصابة 15 جنديًا بضربة إيرانية في الكويت

مقالات

ماذا بعد مهلة ترامب؟ حقيقة
مقالات

ماذا بعد مهلة ترامب؟ حقيقة "الخروج الصعب" واستراتيجية "الضربات المتقطعة"

297

دكتوراه في العلاقات الدولية

حين أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما أسماه "عمليات عسكرية" ضد إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، لم يكن اختياره لمصطلح "عمليات كبرى" بدلًا من "حرب" مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هو "اشتباك دستوري" مدروس مع "قانون صلاحيات الحرب" (1973) الذي صدر عقب حرب فيتنام.

لذلك، يسابق ترامب الزمن في الأيام الحالية؛ لإدراكه التام أن مهلة الـ 60 يومًا التي منحها الدستور والمشرّع الأميركي للرئيس للقيام بعمليات عسكرية ستنتهي في أواخر الشهر الجاري، وبمجرد انقضاء هذه المدة، سيجد ترامب نفسه مضطرًا قانونًا للحصول على إذن رسمي وتفويض من الكونغرس لاستمرار الحرب؛ وهو المأزق الذي يحاول تجنبه عبر وعوده الأخيرة بالخروج خلال أسبوعين أو ثلاثة قبل أن تفرض عليه القيود الدستورية كلمتها.

وفق هذا المنظور، يمكن قراءة التطورات للخروج بتصورات عن المسارات المتاحة:
١. الخروج بصورة "المنتصر": المرجح أن ترامب لا يريد الانزلاق إلى استنزاف طويل يلزمه بالعودة صاغرًا للكونغرس لطلب "تصريح حرب" وهو غير مضمون. هو يراهن على "كثافة النار" في المهلة المتبقية لفرض شروط قاسية على طهران (مضيق هرمز والملف النووي)، ليبيع جمهوره "انسحابًا ظافرًا" ينهي الأزمة قبل أن تتحول إلى ورطة قانونية داخلية.

٢. التصعيد تحت سقف القانون: أمام الصمود الإيراني، وهو المتعين والثابت، سيلجأ لضربات "جراحية" للمنشآت الحيوية والحساسة تحت ذريعة "الخطر الوشيك"، وهذا ما هدد به، وهي المنطقة الرمادية التي تمنحه حق التحرك العسكري دون إعلان حرب رسمي، مستفيدًا من الدعم الجمهوري في الكابيتول هيل.

وفق هذا الخيار (التصعيد تحت سقف القانون)، يتحايل ترامب على مهلة الـ 60 يومًا عبر تصوير كل ضربة عسكرية على أنها "حدث منفصل بذاته" لمواجهة تهديد طارئ، وليس "حربًا مستمرة".

وبناء عليه، يدّعي البيت الأبيض أن هذه الضربات "الجراحية" لا ترقى لمستوى "الأعمال العدائية الشاملة" (Hostilities) التي يتحدث عنها القانون.

٣. المواجهة الشاملة: يبقى خيار طلب "تفويض الحرب" (AUMF) قائمًا ولكنه "خيار الضرورة القصوى". وبالنظر إلى المسار التشريعي، يبدو أن القيود الدستورية على صلاحيات الرئيس قد تراجعت فاعليتها أمام الواقع الميداني؛ فرفض مجلس الشيوخ في آذار/مارس 2026 لقرار تقييد العمليات العسكرية ضد إيران (بأغلبية 53-47) وفّر غطاءً سياسيًا لتحركات الإدارة الأميركية. وحتى في حال صدور قرار معارض، فإن افتقار المعارضة لأغلبية الثلثين اللازمة لكسر "حق النقض" (Veto) الذي يستخدمه الرئيس الأميركي يجعل موافقة الكونغرس "تحصيلًا حاصلًا" من الناحية الإجرائية. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين "إعلان الحرب" الرسمي الذي يستوجب إجراءات تعبئة اقتصادية وقانونية شاملة للدولة، وبين طلب "تفويض استخدام القوة العسكرية" (AUMF)؛ حيث يمثل الأخير "خيار الضرورة القصوى" الذي يسعى ترامب عبره لشرعنة العمليات القائمة وتوسيع نطاقها جغرافيًا وزمنيًا دون الالتزام بالتبعات القانونية الثقيلة لإعلان الحرب الشاملة.
 
 ولا يفوتنا أنه برغم نبرة التهديد بـ "العصر الحجري"، يظل ترامب "رجل صفقات" يفضل الضغط الأقصى لتحقيق مكاسب سياسية بأقل كلفة بشرية واقتصادية ممكنة.

وفي الواقع، فإن انتقال خطاب ترامب من "العمليات الكبرى" إلى التهديد الصريح والفج والهمجي والخطير بـ "شطب إيران عن الخريطة" ووضع مهلة زمنية تنتهي فجر الأربعاء، ينقل الصراع من سياق الضغط العسكري التقليدي إلى سياق "الحرب الجنونية". هذا الاندفاع الديماغوجي يعكس حقيقة واحدة: فشل كل أدوات القوة الناعمة والضربات المحدودة في كسر إرادة جبهة المقاومة، ما دفع الإدارة الأميركية إلى رمي ورقة "التهديد الوجودي" كآخر مقامرة لإجبار طهران على الاستسلام.

إلا أن هذا التهديد، وبالرغم من بشاعته، يصطدم بحقائق كبرى؛ فإلغاء دولة بحجم إيران وتاريخها وقدراتها الردعية ليس مجرد قرار يُتخذ في "تغريدة" أو خطاب انتخابي، بل هو وصفة لانتحار إقليمي ودولي سيهز أركان النظام العالمي والاقتصاد الدولي قبل أن يحقق أهدافه.

في ضوء المعطيات الراهنة، يبرز السيناريو الثاني (التصعيد تحت سقف القانون) كأكثر المسارات احتمالًا وأشدّها خطورة؛ حيث يميل ترامب إلى استغلال "الثغرات الدستورية" للالتفاف على مهلة الـ 60 يومًا. فبدلًا من الانزلاق نحو "حرب شاملة" تستوجب تفويضًا صريحًا من الكونغرس قد لا يضمنه، من المرجح الاستمرار في تحويل المواجهة إلى سلسلة من "الضربات الجراحية المتقطعة"، مع تبرير كل ضربة على حدة بذريعة "الدفاع الاستباقي" و"الخطر الوشيك".

هذا المسار يمنحه "مرونة تكتيكية" للبقاء في حالة اشتباك مستمر دون تسميتها "حربًا"، مستفيدًا من غياب "أغلبية الثلثين" في الكونغرس القادرة على كسر "فيتو" الرئيس. إنها استراتيجية "استنزاف تحت السقف"؛ يسعى من خلالها ترامب لتوظيف سياسة "الضغط الأقصى الوجودي" كأداة أخيرة لانتزاع تنازلات في اللحظة الحرجة.

ومع ذلك، فإن هذا "الالتفاف القانوني" سيصطدم حتمًا بصلابة الجدار الإيراني وشروط جبهة المقاومة الثابتة، ما قد يترك ترامب عالقًا في "رمال متحركة" لا يملك غطاءً قانونيًا للتعمق فيها، ولا يملك نصرًا سياسيًا للانسحاب منها.

 
الكلمات المفتاحية
مشاركة