مقالات
كاتب من مصر
بعد أكثر من شهرٍ من بداية العدوان الأميركي الصهيوني على إيران، بات العالم أمام مبارزةٍ استراتيجيةٍ كبرى بين فريقٍ يمتلك القوة الغاشمة ويعمل وفق استراتيجية الصدمة والرعب، وأرادها حربًا خاطفةً لا تتجاوز بضعة أيام، وفريقٍ يمتلك الحكمة والوعي الحضاري والاستراتيجي ويستند إلى قوة الحق، ويعمل وفق استراتيجية استنزافٍ مدروسةٍ تهدف لتحقيق نصرٍ استراتيجيٍ رادعٍ ومانعٍ من التفكير في إعادة تجربة العدوان على الثورة الإسلامية وقوى المقاومة جميعها.
وبعد أكثر من شهرٍ من الصمود الأسطوري لإيران والمقاومة في لبنان والعراق، والتحاق اليمن ببلورة عنوان المعركة الوجودية، استطاعت المقاومة تحقيق إنجازاتٍ تاريخيةٍ كبرى، ربما كانت ستتطلب سنواتٍ وعقودًا لتتحقق لولا حماقة أميركا وغطرستها وسوء تقديرها لعقيدة المقاومة وقدراتها، وهو ما تجيده المقاومة في تحويل التهديدات إلى فرص.
وهنا سقطت نظرية الصدمة والرعب الأميركية أمام عقيدة المقاومة الصلبة، وهو ما فتّت معسكر العدوان عبر خلافاتٍ معلنةٍ بين الحلفاء من جهة، وعبر خلافاتٍ داخليةٍ لدى كل طرفٍ من جهةٍ أخرى، وهو ما أسفر عن ارتباكٍ سياسيٍ تمثل في تصريحاتٍ متناقضة، وارتباكٍ عملياتيٍ تمثل في القفز على مراحل التصعيد ببنك الأهداف واللجوء إلى جرائم الحرب، والأهم هو الارتباك الاستراتيجي بفقدان بوصلة تحديد الهدف وصعوبة إيجاد مخرجٍ آمن، وهو ما ينبئ بهزيمةٍ استراتيجيةٍ تاريخيةٍ تتخطى آثارها نفوذ أميركا في المنطقة، لتصل إلى مركزها الدولي، وربما سقوط إمبراطوريتها على غرار ما حدث للإمبراطورية البريطانية في حرب السويس عام 1956.
أولًا: تغيّر أهداف الحرب ودلالاته
تغيّرت الأهداف الأميركية المعلنة على لسان ترامب، وشهدت مسارًا تنازليًا، وهو ما لا يعكس مرونةً تكتيكية، بل يعكس فشلًا استراتيجيًا، حيث لا توجد في الشؤون العسكرية مرونةٌ في الهدف الاستراتيجي.
فقد حدّدت أميركا في بداية العدوان هدفًا عنوانه إسقاط النظام والقضاء على المشروع النووي والصاروخي، وإنهاء التواصل الإيراني مع حركات المقاومة أو "الأذرع" وفق التعبير الأميركي.
ومع فشل الصدمة والرعب، ومع امتلاك إيران زمام المبادرة والإغلاق الذكي لمضيق هرمز أمام الأعداء، بدا الهدف المعلن هو فتح مضيق هرمز مع توجيه إنذاراتٍ ومهلٍ متتالية، ليبدو ترامب وكأنه يخاطب نفسه، حيث لم تتجاوب إيران مع لغة التهديد والإنذار. ثم بدأ في الحديث بأثرٍ رجعي، مدعيًا القضاء على النظام عبر اغتيال قادته، وتدمير المشروع النووي والدفاعات الجوية والصواريخ، مع حديثٍ عن مفاوضاتٍ "تسير بشكلٍ جيد"، دون تحديد الطرف المقابل، وذلك في ظل تصاعد الهجمات الإيرانية واستمرار إغلاق المضيق، بما يكذّب عمليًا هذه الادعاءات.
هذا الارتباك الأميركي ناجمٌ عن سوء تقدير قدرات المقاومة، والأهم عن عدم فهم عقيدتها التي تأبى الذلة، ولا تقبل لغة التهديد، ولا تعبأ بالمواجهات مهما كانت التضحيات.
في المقابل، بدا أن إيران قد تجهّزت جيدًا لهذه المعركة الوجودية، سواء على مستوى الترتيبات السياسية وتراتبية القيادات، أو على مستوى الإعداد العسكري والاقتصادي، مستفيدةً من عقودٍ من الحصار والاستهداف، ومجيدةً استخدام أوراق القوة بشكلٍ أذهل خصومها.
ثانيًا: أكاذيب ترامب والرد الإيراني العملي
حرصت إيران، في بياناتها وتصريحات قادتها، على تفنيد الادعاءات الأميركية، من التهديد بفتح المضيق إلى مزاعم تدمير القدرات العسكرية، عبر ردٍ عمليٍ ميداني تمثل في استمرار العمليات وتوسّعها، بما حوّل الخطاب الأميركي إلى مادةٍ للسخرية الإعلامية والسياسية.
ثالثًا: مظاهر الإفلاس الأميركي
بدا أن أميركا دخلت الحرب دون خططٍ بديلة، مع افتراضٍ مسبق بانهيار إيران، وهو ما انعكس في ارتباكٍ واضحٍ بعد الضربات الإيرانية، سواء في إدارة القواعد العسكرية أو في الفشل الاستخباري في تحديد الأهداف.
كما كشفت المواجهة عن قصورٍ في مواجهة تطور الدفاعات الجوية الإيرانية، ما أدى إلى خسائر في الطائرات المسيّرة والمقاتلة. ومع تصاعد الفشل، اتجهت العمليات نحو استهداف البنية التحتية والأهداف المدنية، في سلوكٍ يعكس نزعةً انتقامية أكثر منه استراتيجيةً عسكرية.
في المقابل، أظهرت إيران تماسكًا مؤسساتيًا وعسكريًا، رغم الضربات، بينما شهدت الساحة الأميركية تجاذباتٍ داخلية، وإقالاتٍ مفاجئة، واحتجاجاتٍ ضد الحرب.
رابعًا: تصدّع التحالف الغربي
أدت الحرب إلى تعميق الخلافات بين أميركا وأوروبا، خاصةً في ظل سياسات ترامب، حيث رفضت دول أوروبية الانخراط في التصعيد، ما انعكس في تبايناتٍ علنية، وتلويحاتٍ بإعادة النظر في التحالفات، بما في ذلك العلاقة مع "الناتو".
خامسًا: اهتزاز الثقة الدولية بأميركا
سادت حالةٌ من تراجع الثقة في الدور الأميركي، داخليًا وخارجيًا، مع تصاعد القناعة بأن الحرب تخدم "إسرائيل" بالدرجة الأولى، دون تحقيق مكاسبٍ حقيقية للحلفاء.
سادسًا: اكتشاف وهم الحماية الأميركية في الخليج
كشفت الحرب محدودية القدرة الأميركية على حماية حلفائها في الخليج، حيث بدا أن القواعد العسكرية نفسها عرضةٌ للخطر، وأن الأولوية تُمنح لحماية "إسرائيل"، ما أثار تساؤلاتٍ استراتيجية لدى دول المنطقة.
سابعًا: عواقب الفشل الاستراتيجي
تواجه أميركا و"إسرائيل" انكشافًا استراتيجيًا، مع قدرة إيران وقوى المقاومة على الوصول إلى أهدافٍ حساسة، ما أدى إلى تراجع الهيبة والمصداقية، وفتح الباب أمام مزيدٍ من التصعيد نتيجة صعوبة الاعتراف بالفشل.
كيف حوّلت إيران والمقاومة التهديد إلى إنجاز؟
في المحصلة، يمكن رصد أبرز المنجزات الاستراتيجية التي تحققت:
1: تحويل الضغط الدولي نحو أميركا، باعتبارها المتسبب في حربٍ أثرت على أمن الطاقة العالمي، خاصةً مع تهديد مضيقي هرمز وباب المندب، وما ترتب على ذلك من تداعياتٍ اقتصادية.
2: تقويض صورة التفوق العسكري الأميركي، عبر إثبات أن الإرادة والقدرات غير التقليدية يمكنها مواجهة أقوى الجيوش.
3: ترسيخ مفهوم "وحدة الساحات" كتحالفٍ استراتيجيٍ فعلي، يتجاوز التنسيق الميداني إلى التكامل السياسي.
4: تأكيد موقع إيران كقوةٍ إقليميةٍ وازنة، وإثبات حضور قوى المقاومة في لبنان واليمن والعراق كفاعلين أساسيين في معادلة الصراع.
خلاصة
تكشف هذه المواجهة عن تحوّلٍ عميق في موازين الصراع، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافيةً لحسم الحروب، بل باتت الإرادة والاستراتيجية والقدرة على الصمود عوامل حاسمة. وفي هذا السياق، يبدو أن ما جرى لا يمثل مجرد جولةٍ عسكرية، بل محطةً مفصليةً قد تعيد رسم التوازنات في المنطقة لسنواتٍ قادمة.