نقاط على الحروف
تتجلّى ملامح الهزيمة في عيون النخب "الإسرائيلية" والغربية بشكلٍ أكثر وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى، حيث يعكس إعلام العدو حالةً من التخبّط والاعتراف بالفشل الذريع الذي يصفه يائير لابيد، زعيم المعارضة "الإسرائيلية"، بأنه كارثة سياسية ودبلوماسية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الكيان. فبينما يحاول مكتب بنيامين نتنياهو المناورة والهروب إلى الأمام بالادعاء أنّ وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين لا يشمل الجبهة مع لبنان، ذهبت صحيفة "معاريف" العبرية في تقريرها الصادر بذات التاريخ إلى أبعد من ذلك، حيث وصفت الاتفاق المبرم مع الولايات المتحدة بأنه استسلام استراتيجي متكامل الأركان، مشيرةً إلى أنّ 41 يومًا من القتال العنيف وتدمير آلاف المباني المدنية لم تحقق أيًا من أهداف الحرب المعلنة، بل انتهت بانتصار إيراني ساحق، مع وجود توقعات أمنية بعودة حزب الله إلى الميدان بقوة تنظيمية وعسكرية أكبر مما كان عليها، ما يجعل الشمال "الإسرائيلي" في مواجهة تهديد وجودي مستدام لا يمكن الفكاك منه.
وتتوالى الاعترافات القاسية من الداخل "الإسرائيلي" لتكشف عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها الكيان، إذ يرى المحلل العسكري آفي أشكنازي أنّ طموحات نتنياهو ودونالد ترامب تحطّمت تمامًا أمام الإرادة الإيرانية الصلبة، واصفًا تحوّل الموقف "الإسرائيلي" من زئير الأسد المُدّعى إلى ولولة القطط بعد أن تبخّرت وعود النصر المطلق تحت وطأة الواقع الميداني. وفي ذات السياق، أقرّ رئيس مجلس مستوطنة المطلة بحقيقة ميدانية مرّة مفادها أنّ الجيش "الإسرائيلي" لن يتمكن من تفكيك حزب الله حتى بعد مرور 100 عام، وهو اعتراف صريح يُسقط الرواية الرسمية التي سوّقت طويلًا لإعادة المستوطنين وتأمين الحدود الشمالية عبر القوة العسكرية فقط.
وهذا الإخفاق المحلي يتقاطع بشكلٍ عضوي مع تقارير كبريات المؤسسات الإعلامية الأميركية والبريطانية الصادرة في 8 نيسان/ أبريل 2026، حيث اعتبرت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية أنّ صفقة ترامب لوقف إطلاق النار تمثل فشلًا استراتيجيًا هائلًا للولايات المتحدة وحلفائها، مؤكدةً أنّ إيران تدخل المفاوضات المرتقبة في باكستان بوضعٍ أقوى بكثير، بعد نجاحها في فرض شروطها السياسية وربط ملفات المنطقة ببعضها بعضًا، دون أن تنجح الغارات الجوية المكثفة في كسر إرادتها أو الحد من نفوذها النووي المتنامي الذي بات أمرًا واقعًا.
وفي قراءةٍ متعمقة لسلوك الإدارة الأميركية، أكدت صحيفتا "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" أنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" لم تحققا هدف الاستسلام غير المشروط الذي كان يطمح إليه ترامب، بل إنّ الصمود الإيراني في مواجهة سياسة الضغط الأقصى العسكري، مضافًا إليه القدرة على تهديد الملاحة الدولية وإغلاق مضيق هرمز، أجبر واشنطن على السعي وراء هدنة لتجنّب انهيار اقتصادي عالمي شامل. وقد لفتت التقارير الأميركية إلى أنّ وصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية والضغط الشعبي المتزايد في الدول الغربية جعلا استمرار الحرب عبئًا لا يمكن تحمّله، وهو ما دفع البيت الأبيض لتنسيق وقف إطلاق النار مع طهران عبر وسطاء دوليين، متجاهلًا الرغبات المتطرفة لبعض القادة في تل أبيب الذين كانوا يأملون في توريط أميركا في حرب إقليمية شاملة لا تُبقي ولا تذر، وهو ما يعكس شرخًا واضحًا في المصالح بين الحليفين.
من جانبٍ آخر، تشير التحليلات الواردة من معهد دراسات الأمن القومي في "تل أبيب" إلى أنّ الاعتماد المفرط على القوة الجوية لفرض معادلات سياسية جديدة قد أثبت فشله الذريع أمام استراتيجية "وحدة الساحات" التي أدارتها طهران بذكاء وحنكة. فبينما كانت "إسرائيل" تراهن على عزل الجبهات والاستفراد بكل ساحة على حدة، أصرت إيران على أنّ أي اتفاق يجب أن يشمل لبنان، ما وضع الكيان أمام حقيقة أنّ حزب الله لا يزال يمتلك اليد العليا في الميدان رغم كل التضحيات وحجم الدمار. هذا الواقع المأزوم دفع زعيم حزب الديمقراطيين، يائير غولان، لاتهام نتنياهو بالكذب الممنهج على الجمهور، مؤكدًا أنّ الوعود بالأمن لأجيال كانت مجرد شعارات انتخابية زائفة، في حين أنّ النتيجة الفعلية هي أخطر فشل استراتيجي عرفته "إسرائيل" منذ نشأتها، حيث تُرك البرنامج النووي الإيراني قائمًا ومحصّنًا، وخرجت طهران من هذه الجولة كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة قادمة.
إنّ التنسيق الأميركي "الإسرائيلي" المسبق حول وقف إطلاق النار، كما كشفت القناة الثانية عشرة العبرية، يُظهر أنّ واشنطن باتت تدرك حدود القوة في التعامل مع محور المقاومة، وأنّ الحفاظ على مصالحها النفطية واستقرار السوق العالمي مقدّم على الرغبات التوسعية "الإسرائيلية" الضيقة. هذا التوجّه الأميركي الجديد ترك النخبة السياسية والعسكرية في الكيان في حالةٍ من اليأس الوجودي، حيث يرى زعماء المعارضة مثل أفيغدور ليبرمان أنّ هذه التهدئة تمنح نظام "آيات الله" فرصةً ذهبية لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم الصفوف وتطوير الترسانة العسكرية، ما يعني في المنظور العسكري أنّ الجولة القادمة ستكون أكثر تعقيدًا وصعوبة على الجيش "الإسرائيلي" الذي بدأ يعاني فعليًا من استنزاف بشري ومادي غير مسبوق في تاريخه الطويل.
تُظهر هذه القراءة المتقاطعة للمصادر العبرية والغربية أننا أمام منعطف تاريخي حاسم في الصراع الإقليمي، حيث تراجعت الهيبة العسكرية التي طالما تغنّى بها الكيان، وسقطت معها أوهام تغيير خارطة الشرق الأوسط بالقوة الصلبة. إنّ قبول "إسرائيل" بشروط الهدنة، ومحاولات نتنياهو اليائسة لتصوير الفشل كنصرٍ وهمي، لا تنطلي على المستوطنين الذين يدركون جيدًا أنّ الأمن لم يتحقق وأنّ الردع "الإسرائيلي" قد تهشّم تمامًا أمام صمود محور المقاومة. ومع دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، تبدأ مرحلة جديدة من الصراع السياسي والدبلوماسي، تخرج منها إيران وحلفاؤها بمركز ثقلٍ أكبر، بينما يغرق الكيان في أزماته الداخلية العميقة، بانتظار استحقاقات ميدانية وسياسية قد تضع حدًا نهائيًا لأحلام الهيمنة التي تكسّرت على صخرة الواقع الصلب.
وعلى صعيد التحليل الأكاديمي والجيوسياسي، تتّسم آراء المؤرخين والمحللين الأميركيين تجاه الصراع مع إيران بتركيزٍ عميق على التبعات الاستراتيجية والاقتصادية، حيث برزت قراءات نقدية واضحة للمسار الذي اتخذته الإدارة الأميركية في هذا الصراع. يرى روبرت بيب، وهو أستاذ العلوم السياسية والمؤرخ المختص في الاستراتيجيات العسكرية، أنّ الولايات المتحدة سقطت في ما يسميه فخّ التصعيد، ويؤكد في تحليلاته الأخيرة أنّ محاولات تغيير النظام عبر الضغط العسكري لم تنجح تاريخيًا في إسقاط الأنظمة القوية والمتجذّرة، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا تزيد من لحمة الجبهة الداخلية للخصم، ويشدد بيب على أنّ الحل العسكري وحده لن يمنع إيران من تطوير قدراتها، وأنّ المخرج الوحيد المستدام هو العودة إلى المسار الدبلوماسي الجاد لتجنّب حرب استنزاف طويلة الأمد قد تُنهك القدرات الأميركية.
أما المحلل الجيوسياسي بيبي إسكوبار، فيتبنّى رؤية أكثر حدّة ومباشرة، حيث يصف الحرب بأنها خطأ تاريخي فادح، ويرى أنّ واشنطن انجرفت إلى هذا الصراع متجاهلةً كافة التحذيرات العسكرية والاستخباراتية الرصينة. ويشير إسكوبار في تحليلاته إلى أنّ الولايات المتحدة تواجه لأول مرة خصمًا قادرًا على الرد بالمثل وامتلاك زمام المبادرة، موضحًا أنّ غياب الرؤية الواضحة لما بعد الحرب جعل القوات الأميركية في حالة ارتباك استراتيجي واضحة، خاصةً مع تعثّر محاولات السيطرة على ممرات الطاقة العالمية وتأثر أسواق النفط بشكلٍ حاد وخطير. وتتقاطع هذه الآراء عند نقطة جوهرية واحدة، وهي أنّ القوة العسكرية المفرطة لم تحقق نصرًا حاسمًا للغرب أو للكيان، بل أدّت إلى تعقيد المشهد الجيوسياسي وزيادة المخاطر على الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي برمّته، ما يفرض واقعًا جديدًا يعترف بقوة إيران ونفوذها كحقيقة لا يمكن القفز فوقها في أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة.