مقالات مختارة
حسن حيدر_صحيفة الأخبار
في ليلةٍ خيّم عليها صمت الجبال المحيطة بقرية «مهيار» القريبة من مدينة «شهرضا» جنوبي محافظة أصفهان، كانت الخطّة الأميركية تُحاك بعناية لإنتاج مشهد «هوليوودي» يُكرّس صورة نصر حاسم داخل إيران. لم تستهدف العملية إنقاذ طيّار فحسب، بل صُمّمت لتكون إنجازًا استثنائيًا يُنسب إلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. غير أن محاولة التتويج هذه انتهت بفشل عسكري أعاد إلى الأذهان حادثة صحراء طبس عام 1980.
المعطيات الميدانية تشير إلى أن الهدف الرئيس من عملية الإنزال كان الوصول إلى مخزون حسّاس من اليورانيوم الإيراني. تقول الرواية إن واشنطن كانت تراهن على «صورة النصر» من خلال قيام جنود أميركيين باقتحام منشأة نووية، باستخدام معدّات حفر وكاميرات توثّق لحظة إعلان إنهاء «الخطر النووي الإيراني» بضربة واحدة، تماماً كما في استعراضات سابقة أريد منها إبراز القوة الأميركية.
بدأت القصة بنقل قوة أميركية قوامها يتراوح ما بين 150 و200 عنصر من القوات الخاصة، مزوّدين بأحدث الأسلحة ومعدّات الحفر، إلى خلف تضاريس جبلية وعرة على ارتفاع منخفض جداً لتفادي الرادارات. واستفادت القوة من طبيعة المنطقة الجغرافية، متنقّلة بين الجبال بصمت للوصول إلى نقطة نائية في صحراء جنوب أصفهان، قرب قرية «مهيار» ضمن نطاق «شهرضا».
عند الساعة الثانية والنصف فجراً، وبالتزامن مع إعلان أميركي عن عمليات بحث عن الطيار المفقود، رَصدت عناصر إيرانية منتشرة في المنطقة مؤشرات أولية على نشاط جوي غير معتاد، فتمّ إبلاغ قوى الأمن الداخلي و»الحرس الثوري»، بعد سماع أصوات مروحيات وطائرات في عمق الصحراء، لتبدأ التحركات فورًا.
أوّل الواصلين كان فريق من وزارة الاستخبارات الإيرانية قطع مسافة 180 كيلومتراً وتمكّن من الاقتراب من موقع يُشتبه بأنه نقطة الإنزال. عند هذه اللحظة، أدركت القوات الأميركية انكشاف موقعها، فبادرت الطائرات المسيّرة بإطلاق صواريخ دقيقة، ما أدى إلى سقوط أربعة عناصر داخل مركباتهم. كما لاحقت المسيّرات عنصرَين آخرين حاولا الاحتماء بالتضاريس الجبلية، واستهدفتهما على مسافة تقارب 300 متر من موقع الضربة الأولى.
ومع تصاعد المواجهة، لجأت الطائرات الأميركية إلى قصف مكثّف ومركّز استهدف الطرق المؤدية إلى منطقة الإنزال، وضربت كلّ ما يتحرّك ضمن دائرة نصف قطرها نحو 5 كيلومترات من تمركز القوات. وتُفيد الرواية بأن ذلك القصف لم يكن عشوائيًا، بل استهدف عزل الموقع وشلّ حركة أيّ تعزيزات إيرانية محتملة. وفي هذا السياق، يُشار إلى دور إسرائيلي في توفير غطاء جوي إضافي، حيث شاركت طائرات مسيّرة ومقاتلات إلى جانب طائرات أميركية من طراز «A-10» و»MQ-9» في عمليات التمشيط. ووفق السرد المتداول، ركّز الدور الإسرائيلي على الرصد الإلكتروني والتشويش وتأمين حماية إضافية للمجال الجوي، في محاولة لضمان نجاح العملية ومنع اقتراب أيّ قوات من موقع الإنزال.
وبما أن الرواية الأميركية المعلَنة كانت تتحدّث عن البحث عن طيار مفقود، تشير المعطيات إلى أن القوات المنفّذة سعت لتشتيت انتباه الجانب الإيراني عبر خطّة تضليل ميدانية، تمثّلت في إسقاط عشرات أجهزة تحديد المواقع (GPS) بواسطة مظلّات صغيرة في مناطق جبلية متفرقة، امتدّت حتى محافظة «كهكيلويه وبوير أحمد»، حيث قيل إن الطائرة المقاتلة سقطت. وبالفعل، عثرت القوات الإيرانية على بعض هذه الأجهزة، لكنها أدركت سريعا أنها جزء من عملية خداع، ما دفعها إلى إعادة توجيه قواتها والتركيز على منطقة «مهيار».
ومع اشتداد الاشتباكات، دخلت قوات الردّ السريع الإيرانية في مواجهة مباشرة مع المتسلّلين، وتمكّنت من الاقتراب من موقع الإنزال. وتحت ضغط النيران الأرضية، واجهت طائرات النقل من طراز «C-130» صعوبات كبيرة في الإقلاع، نتيجة الأضرار التي لحقت بها، إضافة إلى طبيعة الأرض الموحلة. كما تُشير الرواية إلى وجود آثار لإطلاق نار على أجنحة بعض تلك الطائرات.
وفي هذه المرحلة، صدرت أوامر أميركية بالانسحاب، فيما لم تتمكّن القوات من نقل معدّات الحفر والتجهيزات الثقيلة، ولا المروحيات والآليات التي كانت محمولة داخل طائرتَي الشحن الكبيرتين. وقبل إتمام الانسحاب، نفذت المقاتلات الأميركية ضربات جوية مكثّفة دمّرت موقع الإنزال بالكامل، محوّلةً المعدات والطائرات إلى حطام، بهدف منع وقوعها في أيدي الإيرانيين. كما انسحبت المروحيات المتبقّية تحت النيران، حاملة معها من سقطوا خلال الاشتباك.