مقالات
في قلب المشهد التفاوضي الأميركي-الإيراني، تتشكل معادلة دقيقة تقوم على توازن هش بين رغبة مشتركة في تجنّب الحرب، ورفض متبادل لتقديم تنازلات تُفسَّر كهزيمة أو تراجع عن ثوابت ومصالح. يلتقي الطرفان عند نقطة مركزية: لا عودة إلى المواجهة الشاملة، ولكن ليس بأي ثمن. غير أن هذا التقاطع لا ينتج انسجامًا، بل يفتح مجالًا واسعًا للمناورة والشدّ المتبادل، حيث يسعى كل طرف إلى تعظيم مكاسبه ضمن هامشٍ ضيق من المخاطر.
في هذا السياق، يبرز العامل "إسرائيل" كمتغير ضاغط يدفع باتجاه كسر هذا التوازن، إذ لا يُنظر إلى التهدئة كغاية نهائية، بل كمرحلة مؤقتة ينبغي تجاوزها لإعادة فرض معادلات القوة بالقوة. هذا التباين البنيوي يضفي على المسار التفاوضي طابعًا غير مستقر، حيث تتداخل الضغوط العسكرية مع الحسابات السياسية.
إيران، من جهتها، تتعامل مع ما بعد الحرب باعتباره لحظة تثمير استراتيجي. فهي لا تسعى فقط إلى تثبيت وقف النار، بل إلى تحويل نتائج الصمود إلى مكتسبات سياسية ملموسة. وفي الطريق إلى ذلك، تشترط للمفاوضات وقف نار شاملًا بما فيه لبنان، وحصولها على أموالها المجمّدة. هذه القضايا ليست تفاصيل تفاوضية، بل تعبير عن تصور يرى أن أي تسوية يجب أن تعكس موازين القوى التي أُعيد إنتاجها ميدانيًا، بالمفهوم الواسع.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة حساسية الموقف الإيراني وحرصه على تجنّب تجدد الحرب، وتبني على ذلك استراتيجية ضغط مركّبة: حشد محسوب، وتمسك بسقوف تفاوضية مرتفعة، وانتقائية في تقديم التنازلات. الهدف دفع إيران إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث تُظهر مرونة في بعض الملفات مقابل تثبيت أخرى.
غير أن هذه الاستراتيجية تقابلها قراءة إيرانية موازية؛ فطهران تدرك حدود القدرة الأميركية على التصعيد، وتستنتج أن واشنطن، رغم خطابها الصارم، تتفادى الانخراط في خيارات عسكرية عالية الكلفة وغير مضمونة النتائج. ومن هنا، تمارس إيران ضغطًا مضادًا، يهدف إلى تعديل المواقف الأميركية، خاصة في الملفات المتصلة بالمصالح "الإسرائيلية"، وعلى رأسها لبنان.
ضمن هذه المعادلة، يبرز السؤال المركزي: هل يمكن أن يصل أحد الطرفين إلى تفجير المفاوضات؟ التقديرات المتبادلة تشير إلى أن ذلك غير مرجّح في المدى المنظور. فإيران تفترض أن الولايات المتحدة لن تُقدم بسهولة على إنهاء المسار التفاوضي، بسبب كلفة البدائل. في المقابل، تراهن واشنطن على أن إيران، رغم تشددها، لا تملك مصلحة في إسقاط المفاوضات التي تتيح لها تثبيت مكاسبها وتخفيف الضغوط.
لكن خطورة هذا المشهد تكمن في أن كل طرف يبني سلوكه، أيضًا، على افتراض أن الآخر لن يذهب بعيدًا في التصعيد. وهنا تتشكل مساحة رمادية تُدار ضمنها المناورات، حيث يُختبر الحد الأقصى من الضغط دون تجاوز الخط الأحمر.
في هذا الإطار، يتبلور نمط يمكن وصفه بأنه تصعيد مُنضبط على حافة الانفجار؛ حيث يرفع كل طرف مستوى الضغط إلى أقصاه -سياسيًا واقتصاديًا وربما أمنيًا بحدود- من دون أن يُسقط المسار التفاوضي. فالتشدد في العلن لا يُقصد به الإغلاق، بل إعادة تشكيل شروط التفاوض، بينما تُدار في العمق مرونة محسوبة تُبقي القنوات مفتوحة.
بهذا المعنى، لا يعود التصعيد نقيضًا للتفاوض، بل إحدى أدواته الأساسية. يتحرك الطرفان في مساحة اختبار مستمر: كل خطوة تصعيدية تُقابل بقراءة دقيقة، وكل سقف يُرفع يُستخدم لقياس قدرة الطرف الآخر على التحمل. وهنا يتحول "التشدد العلني" إلى أداة ضغط، و"ضبط التصعيد" إلى آلية لمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
الخلاصة أن ما يجري ليس تفاوضًا تقليديًا على بنود محددة، بل صراع إرادات مُقنّع بأدوات دبلوماسية. كل ورقة -من لبنان إلى الأموال المجمّدة- ليست هدفًا بحد ذاته، بل جزء من معركة أوسع لتثبيت موازين القوة. وفي ظل هذا التوازن الدقيق، يستمر الطرفان في الدفع نحو أقصى حدود الضغط، لكنهما يتوقفان قبل لحظة الانفجار، مدفوعَين بإدراك مشترك أن كلفة السقوط أعلى من كلفة البقاء على الحافة. لذلك، في هذه المرحلة، لا يُقاس سلوك الطرفين بمدى تمسّكهما بالشروط فحسب، بل بقدرتهما على إدارة حافة الهاوية دون السقوط فيها. فالسؤال ليس: من سيُفجّر المفاوضات؟ بل: إلى أي مدى يمكن لكل طرف أن يذهب في التصعيد التفاوضي دون أن يتحمّل كلفة الانهيار الشامل؟
إذا ما أصرّت إيران على تثبيت شروطها، ولا سيما في ما يتصل بلبنان والأموال المجمّدة، فإن التقدير الإيراني يفترض أن الولايات المتحدة لن تُقدم بسهولة على تفجير المسار التفاوضي. السبب لا يعود إلى ضعف في الموقف الأميركي، بل إلى إدراك طهران أن واشنطن، بعد جولة عسكرية مكلفة وغير حاسمة، باتت أكثر حذرًا من الانزلاق إلى مسار مفتوح لا يمكن التحكم بنتائجه. وعليه، تراهن إيران على أن أقصى ما قد تفعله الولايات المتحدة هو تصعيد الضغوط -سياسيًا واقتصاديًا وربما أمنيًا بحدود- من دون الوصول إلى نقطة القطع النهائي، أي أن "التفجير" في القراءة الإيرانية يبقى خيارًا نظريًا أكثر منه عمليًا، ما دام البديل عنه محفوفًا بمخاطر استراتيجية.
في المقابل، إذا ما أصرّت واشنطن على رفض هذه الشروط، فإن التقدير الأميركي ينطلق من فرضية موازية: أن إيران، رغم خطابها المتشدد، لا تملك مصلحة فعلية في إسقاط المفاوضات بالكامل. فهي، من منظور واشنطن، تحتاج إلى هذا المسار لتثبيت مكاسبها وتخفيف الضغوط عنها، وبالتالي ستبقي الباب مواربًا حتى في ذروة التصعيد. بناءً على ذلك، تراهن الولايات المتحدة على أن طهران ستلجأ إلى رفع السقوف التفاوضية، وربما اتخاذ خطوات ضغط مدروسة، لكنها ستتجنب القطيعة النهائية التي تعيدها إلى مربع المواجهة المفتوحة.
غير أن هذه الحسابات المتبادلة لا تعني غياب المخاطر، بل على العكس: تكمن الخطورة في أن كل طرف يبني استراتيجيته على افتراض أن الطرف الآخر لن يذهب بعيدًا في التصعيد. وهنا تتشكل "المنطقة الرمادية" التي تتحرك ضمنها المناورات، حيث يُختبر الحد الأقصى من الضغط دون تجاوز الخط الأحمر. ضمن هذه الحدود، يبقى التفجير الكامل للمفاوضات -حتى الآن- خيارًا مؤجلًا، لا يُلجأ إليه إلا إذا اقتنع أحد الطرفين بأن كلفة الاستمرار تفوق كلفة الانهيار. وحتى في هذه الحالة، لا يكون "التفجير" نهاية المسار، بل انتقالًا إلى شكل آخر من إدارة الصراع، قد يعيد إنتاج التفاوض لاحقًا بشروط أكثر قسوة.