اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي فيديو| يا عاملٌ نَبِّئ جِبَالَكَ والسُّهول أنَّ المُقَاومَة الأبِيّة لَن تَزُول

مقالات

مفاوضات السفيرين في واشنطن: فرصة
مقالات

مفاوضات السفيرين في واشنطن: فرصة "إسرائيلية" لتكريس وقائع وكسب وقت

183

كاتب من لبنان

أطلقت الإدارة الأميركية مسار مفاوضات بين حليفها "الإسرائيلي" وحكومة لبنان في لحظة فارقة من الحرب بين الحلف الأميركي - "الإسرائيلي" من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية ومعها محور المقاومة من جهة أخرى.  

اجتماع تمهيدي لهذه المفاوضات في واشنطن الثلاثاء على مستوى السفيرين بحضور السفير الأميركي في بيروت، بعدما تحدثت السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض هاتفيًا مع سفير الكيان الصهيوني يحيئيل ليتر في نهاية الأسبوع الفائت. 

من الواضح أن لبنان يدخل هذه المفاوضات في لحظة انقسام داخلي في ضوء تفرد الحكومة باتخاذ القرار بشأنها من دون تأمين توافق حوله. كما أن أفق هذه المفاوضات غير واضح، في ضوء إصرار العدو على التفاوض مع لبنان "تحت النار"، بمعنى رفض وقف الحرب قبل تحقيق مكاسب ميدانية. ويمكن ربط تأجيل اجتماع السفيرين من نهاية الأسبوع الماضي الى الثلاثاء بمحاولة العدو التوغل واحتلال مدينة بنت جبيل ذات القيمة الرمزية. 

فخّ التفاوض المباشر

يبرر لبنان الرسمي انخراطه في المفاوضات بالسعي إلى وقف النار، لكن الجانب "الإسرائيلي" يقول شيئًا آخر مختلفًا كليًا. وقال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يوم الإثنين لدى لقائه وزير الخارجية الإيطالية في قصر بعبدا، إن "​لبنان​ يأمل في أن يتم خلال الاجتماع المرتقب في واشنطن بين سفراء لبنان و​الولايات المتحدة الأميركية​ و​إسرائيل​، الاتفاق على وقف إطلاق النار في لبنان بهدف بدء المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي سيتولاها فريق مفاوض لبناني لوضع حد للأعمال العدائية وما يليها من خطوات عملية لتثبيت الاستقرار في الجنوب خصوصًا ولبنان عمومًا" .

في المقابل، أكد السفير الصهيوني لدى واشنطن ​يحيئيل ليتر في بيان صدر عنه "رفض إسرائيل مناقشة وقف إطلاق النار مع حزب الله". وقال إن "إسرائيل" "وافقت على بدء مفاوضات سلام رسمية" مع الحكومة اللبنانية التي لا تربطها بها علاقات دبلوماسية. ونقلت صحيفة "هآرتس" عن مصادر مطلعة قولها إن السفير "الإسرائيلي" في واشنطن تلقى تعليمات بعدم الموافقة على اتفاق لوقف النار خلال المفاوضات مع لبنان، وأشارت مصادر الصحيفة إلى أن نتنياهو ينظر الى هذه المفاوضات باعتبارها فرصة لكسب الوقت دون التوصل الى وقف فعلي للعمليات العسكرية. 

ويفسّر الجانب "الإسرائيلي" هذه المحادثات كإشارة ضعف من لبنان الذي ذهبت حكومته الى تجريم المقاومة في جلسة 2 آذار/مارس الماضي، ما يشير إلى أنها لا تستند الى إجماع وطني، كما لا تستند الى قوة فعلية على الأرض، وهي التي سحبت قوات الجيش من الجنوب في بداية الحرب، ما ترك الأرض مستباحة أمام المحتل "الإسرائيلي". وتشير الوقائع الى أن العدو يرى فرصة لتكريس وقائع ميدانية وسياسية من خلال المزاوجة بين الحرب والمفاوضات في الوقت عينه، بينما تُمسك الحكومة اللبنانية بغصن الزيتون فقط وتقول إنها تحظى بدعم دبلوماسي أميركي، وهو دعم يميل الى "إسرائيل" في واقع الحال بالنظر الى العلاقات الوثيقة جدًا بين واشنطن و"تل أبيب". 

وفي ضوء تخلي لبنان عن اشتراط وقف النار قبل البدء بالتفاوض المباشر، تشجَّعَ العدو على ممارسة مزيد من الضغوط والانتهاكات. ويلاحَظ ارتفاع في وتيرة التدمير والمجازر في البلدات الجنوبية بعد يوم الأربعاء الدامي في 8 نيسان/ أبريل، والذي حصد فيه العدوان أرواح أكثر من 350 شخصًا وجرح أكثر من 1200 آخرين في سلسلة غارات على المناطق اللبنانية المكتظة بالسكان وفي طليعتها بيروت. 

وبينما وافقت حكومة نواف سلام في اليوم ذاته على بدء مفاوضات مباشرة مع العدو، تلقّف رئيس وزراء العدو الدعوة بالقول إنه وافق على العرض، ولكنه حدد "شرطين: نريد تفكيك سلاح حزب الله، ونريد اتفاق سلام حقيقي يدوم لأجيال". وهذا يعني محاصرة لبنان في دائرة شروط أمنية وسياسية قد تتجاوز قدرات الحكومة اللبنانية. 

هناك أمر آخر تجدر ملاحظته وهو أنه في وقت يقول رئيسا الجمهورية والحكومة اللبنانيان إنهما يريدان فصل لبنان عن المفاوضات الأميركية-الإيرانية في إسلام أباد، فإن الجانب الأميركي الذي دفع الى اجتماع واشنطن التفاوضي يهدف في الواقع إلى منع إفادة لبنان من أي ضغط إيراني لمصلحة لبنان بما يوقف العدوان "الإسرائيلي" عليه. وهذا يعني أن السلطة اللبنانية التي تدّعي أنها تريد "لبننة" الحل، إنما تذهب في واقع الحال بالاتجاه المعاكس حيث يكون الحل "إسرائيليًا" على نحو خاص في ضوء الاختلال بين كفّتها والكفّة "الإسرائيلية" في ميزان القوة الفعلي. فهل تدرك أنها بذهابها الى مفاوضات غير واضحة الملامح قد تقع في الفخ "الإسرائيلي"؟
من الجانب الأميركي، تندرج مفاوضات واشنطن في إطار التحرك للتحكم بالساحة الإقليمية ومن ضمنها لبنان، وقد تستخدمها الإدارة الأميركية لضبط الوضع أكثر مما هي لإنهاء الحرب على نحو يحقق مطالب لبنان الأساسية، في وقت يعطي الجانب الأميركي-"الإسرائيلي" أولوية للمواجهة مع الجمهورية الإسلامية.   

مؤهلات تفاوضية

من ناحية أخرى، تقول مصادر ديبلوماسية "إسرائيلية"، وفق ما نقلت إذاعة جيش الاحتلال، إن الهدف من مفاوضات السفيرين في واشنطن هو إنشاء إطار عام للمفاوضات مع جداول زمنية، وهذا يختلف عن إعلان الجانب الرسمي اللبناني عن الهدف منها. ويثير ذلك أسئلة حول أهلية السفيرة اللبنانية للبحث في هذا الشأن الخطير. 

نظرة إلى سيرة السفيرين المتفاوضين تضع الأمور في نصاب التساؤل المشروع:  

السفير الصهيوني في واشنطن يحيئيل ليتر صاحب سيرة حافلة ورجل متمرس سياسيًا. عمل في مواقع عدة في الحكومة "الإسرائيلية" لا سيما في وزارتي المالية والتعليم، وكان مستشارًا سياسيًا لأرييل شارون في وقت من الأوقات. وهو يستند الى إعداد أكاديمي طويل: مؤرخ فلسفي مُلمّ بالقانون والعلوم السياسية، محلل للسياسات العامة، باحث في معهد هرتزل في القدس المحتلة، ألّف ثلاثة كتب سياسية وكتب العديد من المقالات حول سياسات الشرق الأوسط. ثم هو ملتزم سياسيًا وأيديولوجيًا ضمن المشروع الصهيوني: حاخام وناشط استيطاني، منتسب إلى منتدى "كوهيليت" للسياسات وهي مؤسسة فكرية يمينية، كما خدم مسعفًا في الجيش "الإسرائيلي" وشارك في حرب لبنان عام 1982، قُتل ابنه الجندي الاحتياط موشيه ليتر في شمال قطاع غزة عام 2023 خلال الحرب على غزة.

أما سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض فتبدو سيرتها أقل ثراءً بكثير: عُينت في هذا الموقع من خارج الملاك الدبلوماسي قبل ستة أشهر فقط، خبرتها تكاد تنحصر في المجال الاقتصادي، حيث عملت لدى البنك الدولي. وتقول سيرتها الرسمية إنها "مثّلت البنك الدولي في مفاوضات إعادة هيكلة الديون السيادية ضمن مجموعتي الدول العشرين والسبع، وأسهمت في تنسيق الجهود بين الدول النامية والدائنين خلال مفاوضات معقدة، وعملت أيضًا ضمن برامج الأمم المتحدة لدعم التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأسهمت في ملفات التعافي الاقتصادي في لبنان وتعزيز الاستثمارات. وتحمل ماجستير في التمويل من جامعة جورج واشنطن، وإجازة في إدارة الأعمال من الجامعة الأميركية في بيروت". وكانت حمادة عضوًا في مجلس إدارة مؤسسة رينيه معوض، وهي "منظمة غير ربحية مقرها واشنطن تعمل على تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة في لبنان"، كما كانت عضوًا في فرقة العمل الأميركية المعنية بلبنان (ATFL) وهي منظمة غير حكومية بارزة في واشنطن يرأسها السفير الأميركي من أصل لبناني إدوارد غابرييل، وتنشط في "تقديم المشورة للكونغرس والإدارة الأميركية بشأن السياسات تجاه لبنان، وتشمل أنشطتها دعم الجيش اللبناني، برامج "قادة المستقبل"، والضغط من أجل إصلاحات هيكلية".

كيف حصل اختيار السفيرة معوض لهذه المهمة الحساسة، وليست لديها تجربة سياسية ونضالية توازي سيرة السفير "الإسرائيلي"؟ 

في كل الأحوال، يتبدى أنه بموافقة السلطة اللبنانية على بدء التفاوض مع العدو "الإسرائيلي" من دون وقف إطلاق النار، إنما توافق على الرؤية "الإسرائيلية" التي تقول: "التفاوض مع لبنان تحت النار"، أي تحت النار "الإسرائيلية". كما أنها ضحّت بورقة قوة أخرى وهي المقاومة عندما قدّمتها مسبقًا على مذبح التفاوض من خلال قرار 2 آذار الماضي الذي حظر المقاومة. فماذا في جعبتها لتفاوض به؟ 

وعليه، لا يوجد توازن بين موقف لبنان الرسمي وموقف العدو. وإذا استمرت السلطة اللبنانية في السعي للتفاوض المباشر مع العدو بدون الاستناد الى وحدة موقف داخلي أو إلى قوة المقاومة التي تواجه الاحتلال على الأرض، فهي تخاطر بتعريض لبنان لهزات داخلية كبيرة، في وقت يحتاج لبنان إلى التماسك الوطني أكثر من أي وقت مضى.

الكلمات المفتاحية
مشاركة