عربي ودولي
في مقالة مشتركة نشرتها مجلة "فورين بوليسي"، رأى فيليب غوردون الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأميركي السابقة كاميلا هاريس، وريبيكا ليسنر وهي نائبة مستشار الأمن القومي للاستراتيجية في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدين، إن الحرب مع إيران تشكل زلزالًا جيوسياسيًا سيسرع من التحولات العالمية ويكون له ارتدادات ستستمر فترة طويلة بعد وقف الحرب.
وقال الكاتبان إن "الولايات المتحدة وبقية العالم سيعيشون التداعيات الاستراتيجية للحرب على مدار أعوام قادمة، والحرب مع إيران قد تكون وجهت ضربة قاضية إلى النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة، وبان الأخيرة أصبحت تشكل التهديد الأساس للنظام الذي كانت تقوده.. الحرب مع إيران ساهمت في تطبيع الأعمال العدوانية كوسيلة لتسوية الخلافات بين الدول".
الكاتبان أشارا الى أن "الرئيس الأميركي دونالد ترامب قام بتطبيع جرائم الحرب كتكتيك عسكري وورقة مساومة دبلوماسية، وذلك من خلال التهديد بتدمير مصانع الطاقة والبنية التحتية المدنية وحتى محو حضارة بأكملها"، وأضافا "ترامب ساهم في تطبيع استخدام نقاط الاختناق الجيوغرافية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي كسلاح، وذلك من خلال فرض حصار على مضيق هرمز".
وبينما اعتبر الكاتبان أن الرئيس المستقبلي قد يعمل على إعادة إحياء المبادئ التي تخلّى عنها ترامب، شددا على أن الضرر قد وقع، ونبّها من أن الولايات المتحدة ستواجه صعوبة أكثر بكثير للدفاع عن النظام (العالمي) الذي قادته، وذلك حتى بعد انحسار الحرب مع إيران. كما حذّرا من أن الولايات المتحدة لن تستطيع التعويل على أصدقائها على غرار ما كان الوضع عليه في السابق، واعتبرا أن الحرب ألحقت ضرراً كبيراً بتحالفات واشنطن العالمية.
اكتمال "الطلاق" بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين
وبحسب الكاتبيْن، الحرب مع إيران قد تشكل لحظة اكتمال "الطلاق" بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، إذ لم يجرِِ التشاور مع هؤلاء الحلفاء وكلهم تقريبًا عارضوا الحرب.
الكاتبان تحدّثا أيضًا عن تداعيات كبرى على التحالفات الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ونبّها من أن الحرب حققت عكس المراد على صعيد وضع أولوية على الصين. كما ذكرا أن ترامب اضطر إلى نقل عدد كبير جداً من المعدات العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، وذلك من اجل مواصلة حملة القصف على إيران، و"الدفاع عن الحلفاء الإقليميين" ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية، والتعامل مع موضوع اغلاق مضيق هرمز، والاستعداد لعمليات برية محتملة.
كذلك حذر الكاتبان من تقويض استعداد الجيش الأميركي لنزاع محتمل مع الصين، وذلك بسبب الحرب مع إيران. واردفا بأن الحلفاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يشككون بما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحهم وامنهم إذا ما دعت الحاجة، ومن ان ذلك قد يؤدي إلى ابتعاد هؤلاء عن الولايات المتحدة والتقرب من الصين.
أما على صعيد الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، فاعتبر الكاتبان الضرر كان أكبر حتى، حيث اشارا إلى تحول سلبي في موقف الشارع الأميركي إزاء "إسرائيل" قبل الحرب حتى، وذلك بسبب الحرب على غزة والتوجه اليميني المتطرف لدى الحكومة الإسرائيلية. غير أنهما أضافا بان الدور الإسرائيلي الذي يحكى عنه في التحريض على الحرب على إيران سرع بشكل دراماتيكي هذا التوجه لدى الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، بما في ذلك لدى موالين معسكر MAGA.
تغيّر نظرة الأمريكيين الى "اسرائيل"
هذا ولفت الكاتبان إلى أن نسبة 60% من الأميركيين باتوا ينظرون بسلبية إلى "إسرائيل"، وذلك وفق استطلاع أجراه مركز بيو. كما أشارا إلى استطلاع آخر أجرته شبكة NBC News في نيسان/ أبريل الحالي كشف أن نسبة 74% من الاميركيين الأصغر سناً يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من "الإسرائيليين". ونبّها إلى تزايد الدعوات لحجب الدعم العسكري الأميركي لـ"إسرائيل"، إذ اشارا إلى تصويت جرى في الكونغرس الأسبوع الفائت بمنع بيع قنابل إلى "إسرائيل" الذي نال التأييد من 36 عضوًا في مجلس الشيوخ الأميركي، والذي شكل نسبة تأييد غير مسبوقة لهكذا اجراء، وارتفاع بفارق 12 صوتًا بالمقارنة مع عدد أعضاء المجلس الذين صوّتوا على إجراء مماثل قبل بدء الحرب على إيران. كذلك اعتبرا ان قيام الولايات المتحدة بإنهاء الدعم الأمني لـ"إسرائيل" بالكامل أصبح احتمال حقيقي.
هذا وتابع الكاتبان "الحرب مع إيران ستعزز علاقات خصوم الولايات المتحدة، حيث أشارا إلى ما قيل عن تزويد روسيا والصين طهران بالدعم الدبلوماسي ومعلومات استخباراتية. واعتبرا ان الحرب مع إيران جاءت بنتائج معاكسة لمنع نشوء محور من الخصوم يتضمن كل من الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. كما قالا ان فشل واشنطن الاستراتيجي في إيران سيعزز دور الصين كقوة عالمية، وان الحرب تقوي موقف بيكن قبل القمة المقررة بين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في أيار/مايو المقبل، وتحدثا في هذا السياق عن حاجة ترامب إلى استقرار الاقتصاد العالمي. وأردفا "هذا يعزز من احتمالات التوصل إلى اتفاقيات تصب في صالح الصين، سواء في مجال التجارة او التكنولوجيا المتقدمة او ملف تايوان". كذلك قالا إن حاجة العالم إلى بدائل عن النفط والغاز وغيره ستزيد من الطلب على التكنولوجيات النظيفة، حيث تهيمن الصين في هذا المجال.
ختامًا، تحدّث الكاتبان عن استفادة روسيا بشكل قد يغير المسار الاستراتيجي للنزاع في أوكرانيا، إذ أشارا إلى أن الحرب مع إيران منحت موسكو أرباح ضخمة تصل إلى مئات ملايين الدولارات في اليوم، وذلك على ضوء ارتفاع أسعار النفط بقرابة نسبة خمسين في المئة. ولفتا إلى أن ارتفاع أسعار النفط جعل واشنطن تقوم بتعليق العقوبات على المشتريات من النفط الروسي، حيث قالا إنه قد يستمر هذا التعليق إلى أجل غير مسمى في حال بقيت الأسعار مرتفعة.