اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي سلطة صاغرة تتوسّل العدو

مقالات مختارة

استنفار لحفظ المكاسب الإماراتية: الحرب تهشّم «أسطورة الخليج» في أفريقيا
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

استنفار لحفظ المكاسب الإماراتية: الحرب تهشّم «أسطورة الخليج» في أفريقيا

71

محمد عبد الكريم أحمد- صحيفة "الأخبار"

استشعرت الإمارات، منذ تشرين الأول الماضي، مؤشّرات إلى تآكل صورتها «اللامعة» في أفريقيا، وهو ما دفعها إلى التعاقد مع شركة «آبو غروب» (APO Group) الأفريقية الرائدة، على إدارة علاقاتها العامة في القارة. وتمثّلت مهمّة هذه الشركة في تحسين صورة أبو ظبي في الدول الأفريقية، ولا سيما جنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا والسنغال، إلى جانب تزويد وسائل الإعلام المحلية بمواد إعلامية تتّسق مع ذلك الهدف. وجاءت تلك الخطوة بناءً على الرؤية التي تبنّاها ساسة وأكاديميون إماراتيون حول «اللحظة التاريخية» لبلادهم ودول الخليج في أفريقيا، والقائمة على افتراض تراجع أدوار قوى إقليمية تقليدية - في إشارة إلى مصر - هناك، والداعية من ثمّ إلى وراثة هذا الدور، واستثمار «اللحظة التاريخية» في تعظيم النفوذ الإماراتي - المتقاطع طبعاً مع نظيره الإسرائيلي - عبر الروافع الاستثمارية والمالية الضخمة.

غير أن تطورات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من انكشاف لطبيعة دور الإمارات باعتبارها نقطة ارتكاز للعمليات العسكرية والأمنية الأميركية - الإسرائيلية، ومجرّد دولاب أمني - عسكري في ترتيبات واشنطن الشرق أوسطية، شكّلت ضربة لخطاب «التفوّق» الإماراتي في أفريقيا. ودفع ذلك بعض المعنيّين من داخل نظام محمد بن زايد إلى إطلاق تصريحات مستميتة في الدفاع عن سياسات أبو ظبي في أفريقيا وتبريرها وتطبيعها؛ وبرزت، في هذا الإطار، تعليقات مستشار ابن زايد، عبد الخالق عبدالله، خلال مقابلة تلفزيونية في 27 آذار، تناولت سياسات بلاده في السودان وأفريقيا. وكان أثار عبدالله نفسه جدلاً منذ عام 2019، بتصريحات «استعلائية»، اعتبر فيها أن دول الخليج أصبحت مركز «ثقل الأمن القومي العربي» بعد تراجع أدوار الدول العربية الأخرى (في شمال أفريقيا إلى جانب العراق وسوريا)، وأن الخليج ورث بالفعل تلك الأدوار دولياً وإقليمياً، وهو ما يتّسق مع مضمون كتابه «لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر» الصادر عام 2018.

لحظة الإمارات «التاريخية» في أفريقيا

خلال السنوات الماضية، تصاعد خطاب إماراتي يعتبر أن أبو ظبي، وعواصم الخليج عموماً، تؤدّي دوراً في أفريقيا، يعوّض غياب قوى عربية تقليدية فيها، على رأسها مصر. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات شهيرة لابتسام الكتبي، في معرض تناولها لقوة بلادها ونفوذها في المنطقة (في السودان تحديداً)، قالت فيها إن بلادها «كبرت» و«صار عندنا عضلات»، في تعبير فجّ عن قوة الإمارات الخشنة في القارّة، والهادفة إلى حماية مصالحها واستدامة تخادمها مع أطراف أخرى أبرزها إسرائيل، ولا سيما في شرق أفريقيا ووسطها. وعبّرت تلك الفجاجة، بوضوح، عن طبيعة النظام الإماراتي ومزاج نخبته، ومن بينها قطاع مهم تلقّى جانباً من تعليمه أو خبراته البحثية في مصر، واحتكّ بعدد من أبرز الأكاديميين المصريين الذين يعبّرون، أحياناً، في دوائر مُغلقة، عن سخطهم من النخبة الإماراتية ونواياها العدائية تجاه مصر وبقية الدول العربية خارج دائرة الخليج، فضلاً عن تماهيها مع سياسة «القوة الأميركية» على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية كافة.

وفسّر الإماراتيون شعارهم القائل إن بلادهم «بوابة العالم إلى أفريقيا»، بالاستناد إلى مؤشّرات اقتصادية، من مثل تصدّر الإمارات قوائم تصدير السلع إلى عدد من الدول الأفريقية، وبلوغ حجم التجارة غير النفطية مع أفريقيا (جنوب الصحراء) نحو 25 مليار دولار في عام 2025، وعدّوا ذلك دليلاً على «اللحظة الإماراتية» في القارة. غير أن هذا الدور بات يوضع، عن حقّ، في إطار تحوّل الإمارات إلى دولة «إمبريالية فرعية» (Sub-imperial power)، يقوم توسّعها الكبير في أفريقيا على تخادم مخلص مع توجّهات القوى الإمبريالية الفاعلة وأطماعها، كما يتجاوز بعض عملها الإطار الاقتصادي إلى تعميق الفوضى و«إرهاب الدولة» في دول عربية أفريقية عدّة، أملاً في إسقاط هذه الدول بشكل كامل وفرض هيمنة تخادمية لصالح إسرائيل، على غرار ما يجري العمل عليه في ليبيا والسودان والصومال.

وفي هذا السياق، أشار حسام محجوب، في مقال مهم حول إمبريالية الإمارات الفرعية في أفريقيا (شباط 2025)، إلى ما وصفه بعقلية «التاجر الماهر»، مستشهداً ببدايات شركة «طيران الإمارات» عام 1985 بطائرة مستأجرة من «الخطوط الجوية الدولية الباكستانية»، أقلعت من دبي إلى كراتشي في باكستان، وصولاً إلى تحوّل مطار دبي، منذ عام 2023، إلى أحد أكثر مطارات العالم اكتظاظاً. واستخدم هذا المثال للدلالة على سبل نجاح الإمارات في أفريقيا، حيث تتجاوز أبو ظبي علاقاتها الثنائية التقليدية مع دول القارة، إلى دخولها في شراكات أعمال واستخبارات (إقليمية ودولية)، فضلاً عن تعاونها مع فاعلين من غير الدولة وعقدها صفقات مع قوى مناهضة للدولة. وإذ يستهدف ذلك استدامة نهب الموارد وتوظيف الفوضى السياسية، فهو يفسّر - في جانب منه - نجاح الإمارات في التغلغل في أفريقيا بمستويات أعمق بكثير مما تُحقِّقه ديناميات عمل العلاقات الدولية «التقليدية» التي تنتهجها دول أفريقية عربية في القارة.

من استعراض العضلات إلى خطاب "الغيرة"

لم يكن مفاجئاً أن تعكس تصريحات المسؤولين الإماراتيين قدراً من التباين في الخطاب. فقد بدا حديث الكتبي المُشار إليه أقرب إلى استعراض للقوة في أفريقيا بغضّ النظر عن كون الأخيرة نطاقاً سياسياً يُفترض احترامه وتقدير استقلاله، فيما اتّسمت مداخلات عبدالله، وهو يتحدّث عن «غيرة» سعودية - وغير سعودية - من دور الإمارات ونجاحها غير المسبوق في أن تكون قوة دولية مهمّة (وليست إقليمية فحسب)، بنبرة دفاعية. وفي خصوص السودان تحديداً، يمكن تلخيص مواقف عبدالله حوله، والتي لم تستغرق سوى نحو 10 دقائق من إجمالي اللقاء الذي اقترب من ساعتين، بأنها حزمة من التناقضات والأكاذيب، وإن على مستوى جديد من رؤيته التي عبّر عنها أكثر من مرة. ففي تصريحات سابقة (CNN Arabia) عام 2025، أكّد أن الإمارات «لا تنحاز إلى أيّ طرف» في النزاع السوداني، مع تحميله الجيش السوداني مسؤولية استمرار الحرب، معتبراً أن هذا الموقف يتّسق مع توجّهات الأمم المتحدة والدول الكبرى والإجماع العربي الذي يدعو إلى «محاربة الإرهاب». وأضاف أنه إلى جانب «هذا الدور الاستباقي لمحاربة الإرهاب أينما كان، لا يغيب عن بال الإمارات الدور الإغاثي الذي هو ركن أساسي من أركان سياستها الخارجية». لكنه عاد في حديثه الأخير إلى نهج المكايدة، لافتاً إلى أن بلاده ليست الداعم الوحيد لـ«قوات الدعم السريع»، مؤكداً وجود دعم لهذه الأخيرة من دول عدّة من مثل أوغندا وإثيوبيا وجنوب السودان.

وفيما لاحظ مراقبون لغة المظلومية في حديث عبدالله حول تكثيف الهجوم على دور بلاده (دون غيرها)، فإن الحديث نفسه كشف عن عمق تناقضات الدبلوماسية الإماراتية على نحو غير مسبوق، وانكشاف سردية «حياد» الإمارات، لكن هذه المرّة على لسان أحد أضلع صياغة دبلوماسية أبو ظبي في العقدَين الأخيرين. واعتبر مراقبون تصريحه الأخير إقراراً ضمنياً بضلوع بلاده في إسناد «الدعم السريع» (وحركات مشابهة في أجزاء متفرّقة من القارة ضمن صيغة الموارد مقابل الدعم)، مشيرين إلى التبعات القانونية المُفترضة لمثل هذا الاعتراف. وبغضّ النظر عن ما أشار إليه عبدالله من أن ما يدور في الغرف المُغلقة والأجهزة الاستخباراتية يختلف عن ما يُعلَن في الميديا، فإن دأبه على تبرير موقف بلاده في السودان (بغضّ النظر عن أهميته) يُظهِر أن أبو ظبي باتت معنيّة أكثر بالدفاع عن ذلك الموقف بكلّ السبل الممكنة.

في المحصّلة، تبدو «اللحظة الإماراتية» في أفريقيا أقرب إلى لحظة تاريخية إمبريالية، عبّر عنها عبدالله بوضوح بحديثه عن «هذه القارّة التي تُسمى أفريقيا»، والتي تعاني من «الاستبداد»، بحسب تعبيره الفجّ، ناظراً إلى الدول الأفريقية باعتبارها منجماً واعداً بالموارد، ومقدّماً بلاده على أنّ «لديها ما لديها، وتاريخها معروف في العطاء والسخاء والمساعدات الإنسانية» منذ نشأتها الأولى في عام 1971، وعليها «مسؤولية إنسانية قومية» لدعم هذه المنطقة، وهو ما ينسحب على الحالة السودانية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة