مقالات مختارة
محمد خواجوئي- صحيفة "الأخبار"
طهران | أظهر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عبر إعلانه تمديداً أحادي الجانب للهدنة مع إيران، قبل انتهاء مدّتها بساعات قليلة ليل الثلاثاء - الأربعاء، عدم رغبة بلاده في العودة إلى «الحرب الشاملة». إلا أن هذه الهدنة تبدو هشّة وغير مستقرّة، نظراً إلى العقبات الكثيرة التي تعترض مسار التسوية الدبلوماسية بين الجانبَين، واستمرار الحصار البحري الأميركي على إيران، وإبقاء طهران مضيق هرمز مغلقاً. ولذلك، عاود ترامب إطلاق عروضه عبر الإعلام، مقترحاً على إيران تمديد الهدنة بشكل متفّق عليه بين 3 و5 أيام، ومتحدّثاً عن احتمال عقد لقاء مع طهران غداً الجمعة.
وفي آخر تصريحاته التي أدلى بها إلى صحيفة «نيويورك بوست»، قال ترامب إن «من الممكن حدوث اختراق في المفاوضات خلال 36 إلى 72 ساعة». كما نقلت الصحيفة نفسها عن مصادر باكستانية، قولها إن جولة ثانية من المحادثات ممكنة بحلول الغد، فيما ذكرت وكالة «رويترز»، نقلاً عن مصادر أميركية، أن «ترامب مستعدّ لمنح إيران مهلة إضافية لوقف إطلاق النار من 3 إلى 5 أيام». ورداً على تمديد ترامب الأحادي الجانب، اعتبر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن «وقف إطلاق النار ليس له معنى في ظلّ الحصار البحري، وقيام الصهاينة بإشعال الحروب على جميع الجبهات»، مضيفاً أن «أعداء إيران لم يحقّقوا أهدافهم بالعدوان العسكري ولن يحقّقوها بالتنمر أيضاً».
ولعلّ المفارقة الأساسية في إعلان ترامب تمديد وقف إطلاق النار في ظلّ استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، هي أنه يرسّخ حال «اللا حرب واللا سلم». فالولايات المتحدة، رغم أنها تبدو غير راغبة في العودة إلى حرب واسعة، تسعى إلى الإبقاء على السيف مصلتاً فوق إيران ووضع الأخيرة في حال «تعليق» مستمر. ومن جهة أخرى، تعمل واشنطن، عبر فرض الحصار البحري، الهادف أساساً إلى منع صادرات النفط بوصفها المصدر الرئيس لإيرادات البلاد، على ممارسة ضغط اقتصادي خانق على طهران، على أمل أن يؤدّي هذا الوضع إمّا إلى أزمة داخلية واضطرابات اجتماعية، وإمّا إلى دفع الحكومة الإيرانية إلى «الخضوع» لمطالب ترامب وتوقيع الاتفاق الذي يريده، ويكون محورُه الأوّل إنهاء البرنامج النووي الإيراني. ومن شأن هكذا اتفاق أن يتيح للرئيس الأميركي تقديم «إنجاز» للداخل، يخفّف عنه ضغوط منتقديه، والمرتبطة بخياره الذهاب إلى الحرب مع إيران.
بتعبير آخر، فإن الأهداف التي لم تتحقّق في الحرب، تأمل الولايات المتحدة أن تبلغها عبر الحصار البحري والإبقاء على شبح التصعيد. وهنا، يبرز السؤال حول طبيعة الردّ الإيراني على هذا الواقع. ففي خلال الحرب، لم تكتفِ إيران بالردّ على الهجمات الإسرائيلية والأميركية عبر استهداف مواقع في الأراضي المحتلّة، وكذلك في دول خليجية حليفة لواشنطن، بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل لجأت أيضاً إلى فرض سيطرة فعليّة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرّات المائية الدولية، ما أدّى إلى نقل تداعيات الحرب إلى مستوى الاقتصاد العالمي.
وهكذا، تحوّل مضيق هرمز إلى محور اهتمام دولي، في وقت كانت فيه إيران تسعى إلى إرساء نظام عبور جديد في هذا الممرّ الاستراتيجي؛ وهو ما لا يُعدّ خبراً ساراً للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. في المقابل، ومنذ نحو عشرة أيام، باشرت واشنطن فرض حصار بحري على طهران بهدف الضغط على اقتصادها، وسعياً إلى تحييد الورقة التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية عبر السيطرة على «هرمز»، ومنعها من توظيفها كأداة ضغط على طاولة المفاوضات.
وفي ظلّ هذه المعطيات، يبدو أن ثمّة ثلاثة سيناريوات محتملة للردّ الإيراني على الواقع الجديد والمعادلة الأمنية التي تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيتها:
- السيناريو الأول، وهو الأقلّ احتمالاً، يتمثّل في استمرار إيران في الوضع القائم؛ أي الإبقاء على إعلان إغلاق مضيق هرمز من دون تنفيذ ردّ عملي على الحصار البحري الأميركي، وفي الوقت نفسه الامتناع عن الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة. ورغم أن هذا الخيار يحمل تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، إلا أنه قد يؤدّي، على المدى المتوسط، إلى استنزاف إيران تدريجياً وإلحاق أضرار بها.
- السيناريو الثاني، يقوم على أن تبادر إيران سريعاً، خلال الأيام المقبلة، إلى استئناف التفاوض مع الولايات المتحدة، أملاً في التوصّل إلى اتفاق يضع حدّاً للحصار البحري، ويؤدّي إلى إعادة فتح مضيق هرمز. غير أن طهران كانت امتنعت، في اليوم الأخير من وقف إطلاق النار، عن إرسال وفد تفاوضي إلى إسلام آباد، رغم إصرار الجانب الباكستاني الذي اضطلع بدور الوسيط على حضورها، وذلك بسبب تمسّك واشنطن بفرض الحصار البحري، الذي اعتبرته إيران خرقاً للهدنة. وبعد إعلان ترامب تمديد وقف إطلاق النار، كثّفت باكستان جهودها لإتمام الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران. وفي هذا الإطار، استقبل رئيس وزراء باكستان، شهباز شريف، السفير الإيراني، رضا أميري، أمس، لبحث مسار التفاوض بعد تمديد الهدنة. إلا أنه ليس واضحاً ما إذا كانت إيران، في ظلّ الظروف الراهنة، مستعدّة للتراجع عن شرطها المسبق المتمثّل في رفع الحصار البحري للدخول في المفاوضات، أم أنها ستواصل التمسّك بالشرط المذكور.
أمّا السيناريو الثالث، الذي يبدو الأكثر ترجيحاً، فيقوم على أن تبادر إيران إلى اتخاذ خطوات عملية لمنع تثبيت المعادلة التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها، وذلك بهدف تحييد الضغوط الأميركية، وبناء معادلة جديدة تعيد عبرها تفعيل أوراق الضغط لديها تمهيداً للتفاوض على أساسها. وقد تشمل هذه الخطوات احتجاز سفن وناقلات نفط أو شنّ هجمات علیها، واستهداف مواقع في الخليج، إضافة إلى إغلاق مضيق باب المندب بمشاركة حركة «أنصار الله» في اليمن. ومن شأن مثل هذه الإجراءات أن تمهّد لاحتمال تصعيد المواجهة واتساع رقعتها.
وفي هذا السياق، أعلن «الحرس الثوري الإيراني»، أمس، أنه احتجز سفينتين في مضيق هرمز بسبب «عدم امتلاكهما التراخيص اللازمة» و»التلاعب بأنظمة الملاحة لديهما»، موضحاً أنه تمّ اقتيادهما إلى المياه الساحلية الإيرانية لـ»تفتيش حمولتهما». وبحسب بيان «الحرس»، فإن إحدى السفينتَين تعود ملكيتها إلى إسرائيل. كذلك، أفادت تقارير إضافية بوقوع هجمات استهدفت عدداً من السفن في مضيق هرمز.
بناءً على ما تقدّم، يبدو أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، دخلت مرحلة جديدة، سيكون عنوانها الأساسي معادلة القوة في البحر، والتي ستحدّد مسار التطوّرات المقبلة.