مقالات مختارة
علي عواد- صحيفة "الأخبار"
في البيسارية، ضاق المكان بالمشيّعين واتّسعت السيرة. نعش مكلّل بالورد والعلم اللبناني، وأرزّ يتساقط من الشرفات، وصنوبرة تظلّل الضريح الأخير. هكذا ودّع الجنوب ابنته آمال خليل، التي أمضت عشرين عاماً توثّق قراه قبل أن تلتحق بأسماءٍ اغتالتها إسرائيل.
في جبّانة بلدة البيسارية كثير من شجر الصنوبر. غير أنّ ضريح الزميلة الشهيدة آمال خليل (1984 ـ 2026) وقع، من بين كل ذلك الشجر، تحت شجرة واحدة بعينها، كأن المكان أراد أن يضع على جثمانها سقفاً من ظلّ يحرسها من شمس نيسان. حين بدأ الثرى يُهال، هبّت نسمة باردة، فتناثر التراب في الهواء وراح يتوزّع بين صفوف الواقفين. لم يتحرّك أحد. بقي الكل في أماكنهم كأن أحداً لم يجد بعد الكلمات المناسبة لما حدث، ولا للطريقة التي حدث بها. ثم، ببطء، عاد الناس إلى حالة الوداع.
يوم أمس، كانت شوارع البيسارية في قضاء صيدا أضيق مما هي عليه في العادة. سدّتها الأجساد مع انطلاق الموكب، وصارت كل شرفة منصّة لمن لا يجد مكاناً. جاء الصحافيون والإعلاميون من كل لبنان، هؤلاء كانوا يعرفون آمال خليل في الميدان. حضرت الشخصيات العامة والسياسيون وأبناء البلدة. كما أتى الغرباء الذين لم يعرفوا خليل شخصياً، لكنهم قرأوها وشاهدوها طويلاً وبنوا من كلماتها صورتهم عن جنوب لم يزوروه. أما كاميرات الإعلام العربي والأجنبي فكانت كثيرة، كلّها جاءت لتوثّق ما عجزت خليل، هذه المرة، عن توثيقه.
حمل المشيّعون النعش المكلّل بالعلم اللبناني والورد الأبيض على أكتافهم وجابوا الشوارع، وكلّما مرّ في شارع ملأ الأجواء بالأرز والورود المنهمرة من الشرفات. بدت البلدة، في تلك اللحظات، أكبر مما هي في الخرائط. ارتفعت لافتات تندّد بجريمة الاغتيال وأخرى تقول «آمال الجنوب»، واستُذكرت مهنيّتها وإقدامها في الأحاديث المتقطّعة التي كانت تتسرّب بين الخطوات. وفي تلك الأحاديث، كان الاسم الأكثر تردّداً كلمة واحدة: الشجاعة. قالها الجميع، كل بطريقته، كأنّهم يبحثون في الكلمة الواحدة عن تفسير لما يصعب تفسيره.
خلال الصلاة على الجثمان، قال رجل بالقرب منها: «الله يرحمك يا أمي». لم تكن والدته، لكنّ ما اختاره من كلمات قال ما يعجز عنه الرثاء الطويل.
وجدوا عليها شيئاً من تراب الجنوب... شيئاً من آمال خليل
اثنان وأربعون عاماً. عشرون منها في التغطية الميدانية في أقسى بقاع الجنوب وأكثرها خطورةً. قرى صمدت وأخرى عصفت بها الحرب. وجوه ناس لم يكن أحد سيعرف بوجودهم لولا آمال خليل. مشاهد صوِّرت تحت وطأة القصف وأُرسلت من أماكن لا تصلها الكهرباء ولا الإنترنت إلا بصعوبة، ومسيرة بنتها كلمةً كلمة على مدى عقدين، حتى صارت، في وصف زملائها، من أكثر الأصوات الموثوقة في رواية ما يجري في الجنوب لمن لا يستطيع الوصول إليه. كانت تعرف الخطر، وهي التي تلقّت تهديدات صريحة بالقتل من «جيش» الاحتلال، واستمرت. هذا بالضبط ما كانت تفعله يوم الأربعاء.
برحيل آمال خليل، ارتفع عدد الصحافيين والإعلاميين الذين قتلتهم إسرائيل في لبنان منذ الثاني من آذار 2023 إلى سبعة وعشرين، فضلاً عن أعداد كبيرة من الجرحى. رقم يسهل أن يمرّ بين سطور نشرة إخبارية، وأن يُستقبل بالمعتاد من التعليقات وعبارات التضامن التي تذوي قبل أن تجفّ. أثقل بكثير أن تقف عند كل اسم خلفه، وأن تتخيّل الساعات التي مرّت قبل أن يُعثر على كل واحد منهم، والأماكن التي وجدوا فيها، والأشخاص الذين انتظروا أخبارهم من بعيد.
عادت الجبّانة إلى هدوئها بعد مراسم الوداع. تجوّل المشيّعون بين القبور، وتبادلوا الأحاديث بصوت خافت لا يتجاوز المسافة بين شخصَين. بدا أنّ بعضهم يؤجّل لحظة المغادرة، يجد في البقاء شيئاً يشبه الواجب الأخير. في ركن قريب، قال أحدهم لصاحبه: «بغياب الدولة وُلدت المقاومة». توقّف. ولم يكن ثمة ما يستدعي المتابعة.
في الخلفية، كان صوت التلاوة لا يزال يتردّد بين أشجار الجبّانة. حين انتهى كل شيء، وانصرف الناس تدريجياً، ولم يبقَ حول الضريح إلا القليلون الذين يجدون صعوبة في الرحيل، ظلّت شجرة الصنوبر كما كانت. جذورها في التراب الذي احتضن خليل، تضمّها من كل جانب. والتراب الذي تناثر بين المشيّعين لا يزال، على الأرجح، عالقاً في ثنايا ملابسهم. ربما انتبهوا إليه حين خلعوا معاطفهم، فوجدوا عليها شيئاً من تراب الجنوب... شيئاً من آمال خليل.