مقالات
كاتب من مصر
عيد المقاومة والتحرير يحمل في مسمّاه قاعدة أثبتت رسوخها التاريخي، وهي قاعدة اقتران التحرير بالمقاومة، كخيار حتمي ووسيلة وحيدة لانتزاع الحقوق المغتصبة. وهو ليس عيدًا لبنانيًا فقط، بل عيد عربي وإسلامي، بل وعيد لكل الأحرار ممن يؤمنون بالكرامة والعزة ويرفضون الذلة ولا ينامون على ضيم.
ولهذا العيد خصوصية في وجدان المصريين، لأسباب عدة، منها ما يتعلق بمصر وموقعها وتاريخها في الصراع، والتغيرات الدراماتيكية التي لحقت بأنظمتها الرسمية، وفصلت ما هو رسمي عما هو شعبي، وجعلتها دائمًا تحنّ إلى أصلها، ومنها ما يتعلق بلبنان والمفاجأة التي حققها، بعد أن نظر إليه المصريون كما نظر العرب والعدو باعتباره بلدًا صغيرًا لا يشكل وزنًا في الصراع بسبب حجم وتسليح جيشه، وبسبب خصوصيته السياسية والمجتمعية وتوازناته الداخلية.
ولنبدأ بما يتعلق بلبنان وبنظرة المصريين التي شابها الفخر الممزوج بالانبهار والتعجب، بعد أن جاء التحرير من بلد استضعفه العدو وظن أنه لقمة سائغة، ولم يكن رقمًا يُعتدّ به في حسابات جيش العدو التي قامت على تقدير قوة جيوش المنطقة التي واجهته تقليديًا، بل وبنى العدو معظم قاعدته الصناعية في الشمال لاطمئنانه إلى أن جبهة لبنان تُعد جبهة آمنة ولا تشكل خطرًا استراتيجيًا.
فإذا بلبنان يضرب مثلًا ونموذجًا للإرادة عبر المقاومة التي لا تُقارن إمكاناتها بإمكانات الجيوش، وإذا به يطرد العدو ويحرر الأرض، والأهم أن مقاومته تحولت إلى نموذج ملهم لجميع حركات المقاومة التي تشجعت واستفادت من تجربة المقاومة في لبنان لتصول وتجول، وكانت أولى ترجماتها في صورة انتفاضة فلسطينية كبرى بعد شهور قليلة من التحرير، واستمرت في الاستلهام لاحقًا لمواجهة مشروع تصفية القضية ومشروع "إسرائيل الكبرى".
وقد تابع المصريون البطولات القادمة من الجنوب اللبناني منذ تمركز منظمة التحرير بعد طردها من الأردن، وربما كان أول تعرف على وجه لبنان المقاوم عبر السيد موسى الصدر ولقائه الشهير مع الزعيم جمال عبد الناصر، ولكن ظلت البطولات محسوبة على أنها مجرد استغلال لجغرافيا لبنان الملاصقة لشمال فلسطين المحتلة، وأنها على يد الفدائيين الفلسطينيين.
ومع تطور الأحداث المأساوية ونشوب الحرب الأهلية، ظل التعاطف مع لبنان دون أمل أو رهان، أو حتى تصور لإمكانية أن يُحدث فارقًا أو تغييرًا في توازن الصراع، وتأكدت هذه النظرة بعد احتلال الجنوب وغزو الكيان للبنان في العام 1982 وخروج المقاومة الفلسطينية، حيث أضيفت مأساة لبنان إلى مأساة فلسطين، وأصبح لبنان مرثية جديدة في أدبيات العرب والمصريين مثل مرثية فلسطين بسبب تخاذل العرب وتدشين مسار كامب ديفيد.
إلا أن تشكل المقاومة في لبنان وبروز حزب الله، وتطور العمليات، أعاد إحياء الأمل، واصطفت قطاعات مصرية كبيرة حول أجهزة المذياع للاستماع إلى أخبار الجبهة عبر إذاعة "بي بي سي"، والتي كانت وقتها بمثابة المصدر الخبري الوحيد البعيد عن الإعلام الرسمي، والذي يحمل مصداقية للمصريين، ويحمل أخبارًا لا تذيعها محطات التلفزيون والراديو التي كانت تُعد على أصابع اليد وقتها.
وأصبحت عمليات المقاومة في لبنان وأعداد قتلى الصهاينة حديثًا لرواد المقاهي ولأروقة السياسيين والطلاب في الجامعات، ولا سيما الناصريين واليسار المقاوم، وكذلك الحركات الإسلامية الداعمة للمقاومة.
وهنا شكّل التحرير فرحة كبرى وعيدًا مصريًا لكل من ينتمي لمصر بوجهها المقاوم، وكل من عارض السلام المزعوم الذي لم ينفذ من غرف السلطات إلى الخارج، حيث الشعب الذي قدم الشهداء والجرحى في معاركه الطويلة مع الكيان.
وأصبحت المقاومة في لبنان محل فخر المصريين، ولا سيما أنها حققت انتصارًا حقيقيًا على الأرض وأثبتت أن الكيان يمكن هزيمته ودحره إذا ما خلصت النوايا وانتفت المصالح الضيقة.
وفيما يتعلق بمصر وخصوصيتها، فإن الوجدان المصري الشعبي يمكن تلخيصه في مقولة عبقرية لمفكر مصري عبقري، وهو جمال حمدان، والذي قال متحدثًا عن عبد الناصر والانتماء لفكره ومنهجه والمعروف بـ"الناصرية"، إن "الناصرية هي المصرية كما ينبغي أن تكون… أنت مصري إذًا أنت ناصري".
وهو كلام تأكد عبر كافة المراحل وفي مختلف الظروف والمحطات، وخاصة فيما يتعلق بالاستعمار والصراع مع العدو الإسرائيلي تحديدًا، حيث لم يتخلَّ الشعب المصري بمجمله ومختلف قطاعاته عن حالة العداء مع الكيان الصهيوني، ولم يتخلَّ عن الدعم والتعاطف مع كل من يحارب الكيان مهما كانت الدعايات السياسية والطائفية.
ولعل موقف مصر الشعبي الداعم لإيران في الحرب الراهنة هو أكبر مصداق على ذلك، رغم انقطاع العلاقات الدبلوماسية منذ 47 عامًا، ورغم حملات الدعاية والأكاذيب التي مورست لشيطنة إيران وفصل المصريين عنها.
وقد تحول الشهيد الأسمى، السيد حسن نصر الله، إلى أيقونة مصرية، ورفعت صوره إلى جانب صور الزعيم جمال عبد الناصر في التظاهرات الاحتفالية بانتصارات المقاومة، ولا سيما بعد انتصارات 2006، وقارن المصريون خطابه الذي استُهدفت البارجة "ساعر" بالتزامن معه، بخطاب جمال عبد الناصر الذي أعلن فيه تأميم قناة السويس على الهواء، ووجد المصريون الذين افتقدوا جمال عبد الناصر وزمنه في الشهيد نصر الله تعويضًا لهم.
وحتى من جنحوا لخيار السلام الموهوم وحاولوا إنشاء مؤسسات للترويج للتطبيع، مثل جماعة "كوبنهاغن"، لم يجرؤوا على الإساءة للمقاومة لمعرفتهم بشعبيتها في مصر، وقد كان هدفهم استقطاب الشعب لمشروع التطبيع، وبالتالي لم يقوموا باستعدائه، وقد ساهم نجاح المقاومة في التحرير في هدم أطروحة هذه الجماعات التي قامت على دعامة وحيدة وهي عبثية المقاومة وعدم جدواها، فإذا بالمقاومة تهدم أسسها، ناهيك عن وجود مقاومة شعبية عبر النقابات والطلاب لهذه الجماعات الشاذة عن الوجدان المصري.
وحتى الزعماء المصريون تجنبوا إلى حد كبير الصدام مع المقاومة في لبنان، ولم يحدث التوتر والصدام والعداء الذي تتصدره دول الخليج على سبيل المثال، وتحرص مصر الرسمية على وجود تواصل مستمر ولو بالحدود الدنيا، على خلفية معرفتها بشعبية المقاومة وعدم الدخول في تناقض مع الوجدان الجماهيري.
فقد عاشت مصر حالة الصراع مع الكيان، ولا تزال تنظر إليه باعتباره العدو الأول، ولا تزال تنظر إلى فلسطين والعرب باعتبارهم الأشقاء، مهما كان التراجع في التعبير عن الدعم أو الانحدار في الحركة السياسية وفاعليتها على الأرض، ومهما كان الاختراق الذي طال بعض القطاعات التي تأثرت بالدعايات السعودية والتكفيرية.
فقد احتضنت منذ أواخر الخمسينيات الراحل ياسر عرفات، وتأسست حركة فتح في مصر التي قادت العمل المقاوم وقتها، وأُعلنت منظمة التحرير وكان مقرها في القاهرة، كما دعمت مصر عبد الناصر الثورة الإيرانية في بواكيرها ودعمت الإمام الخميني، واحتضنت الجامعات والحركة الوطنية الشهيد فتحي الشقاقي ورفاقه المؤسسين لحركة الجهاد، وتنظر بإعجاب وحب كبيرين لكل زعيم مقاوم يذكرها بأبطال التراث الشعبي الذي يعشقه المصريون.
إن عيد المقاومة والتحرير يتزامن حاليًا مع معارك كبرى تخوضها المقاومة وتدافع فيها عن الجنوب جغرافيًا، وعن كامل لبنان وسيادته عمليًا، وكما استطاعت دحر العدو ومرتزقته في الداخل الممثلين بجيش لحد، ستطرد العدو وعملاءه. وربما كان مشهد استهداف العلم الصهيوني في البياضة وانسحاب قوات العدو منه على وقع ضربات مسيّرات المقاومة الانقضاضية، مشهدًا موحيًا ومبشرًا بما سيحدث قريبًا من تحرير ثالث، وتأكيدًا لمقولة الشهيد الكبير نصر الله بأن الكيان أوهن من بيت العنكبوت.