اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كاريكاتور العهد

نقاط على الحروف

 بعد 25 أيار... المقاومة على طريق تحريرنا الثالث 
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

 بعد 25 أيار... المقاومة على طريق تحريرنا الثالث 

168

كاتب من لبنان

منذ يومين وأنا أفكّر في أيام تحرير جنوبيّ لبنان من العدو "الإسرائيلي" في عام ألفين. ومنذ أيام وأنا أقرأ ما يكتبه محبّو هذه المناسبة العظيمة والانتصار الإلهي، وما يكتبه الذين يزعمون أن هذا الحدث لم يكن انتصارًا، وإنما كان انسحابًا "إسرائيليًّا" من جنوبي لبنان لأن العدو شاء أن يخرج تنفيذًا للقرار 425. وقد زاد من حدة الانقسام بين المحبّ والمنكر لهذه المناسبة وعظمتها العدوانُ "الإسرائيلي" المستمر على جنوبي لبنان خاصةً، وكل لبنان عامةً. والنقاش في موضوع أهمية هذا الذكرى لن يفيد، فالذي لم يقتنع من قبل بأهمية ما حصل عام ألفين لن يقتنع اليوم، والذي جعل نفسه صديقًا لـ"الإسرائيلي" لن يصبح عدوًّا لها اليوم.

في الخامس والعشرين من أيار 2000 لم يكن الجنوب منطقة تتحرر، بل كان قلبًا يعود إليه نبضه، وروحًا تعود إليها روحها بعد سنوات من الاختناق.  قبل ذلك اليوم كانت قرانا المحتلة حلمًا يعانق نوم ليلاتنا المشتاقة، وأمنية وقنوتًا في صلواتنا وأدعيتنا، أن ينصر الله المجاهدين، وتحرَّر الأرض، وقد كنا على يقين بالتحرير وإن طال الزمن.

قبل ذلك اليوم كنا نزور الجنوب غير المحتل وتنظر عيوننا إلى قرانا الأسيرة بعيون الشوق والأمل، ونرفع أيدينا ملوّحين لها من بعيد، والوعد أن نعود إليها في يوم لا شكّ آتٍ.

كنّا، أبناءَ الشريط المحتل، نعيش غرباء خارج قرانا، في بيروت والضاحية وغيرهما من مدن وقرى لبنان. نعم كنا غرباء، فأحيانًا تكون الغربة على بعد مسافة قليلة من قريتك ومنزلك، حين يمنعك العدو وعملاؤه من لمس تراب طفولتك. وكنا نحمل في قلوبنا ذكريات قرانا كما يحمل المنفيّ وصية أبيه الأخيرة. 

في أيار عام 2000، حدث ما ظنه كثيرون مستحيلًا. انهار جيش لحد كبيتٍ من الوهم، وهرب الاحتلال في ظلام الليل، تاركًا خلفه مواقعه وتحصيناته، وأصحابَ نفوس دنيئة باعوها يومًا له بأبخس الأسعار. يومها لم يكن الناس يعودون إلى القرى فقط، بل كانوا يعودون إلى أنفسهم.

أتذكّر النسوة اللواتي وقفن باكيات من الفرح عند مداخل القرى، أو مزغردات ناثرات الورود على رؤوس العائدين، والرجال الذين قبّلوا الجدران، والأطفال الذين دخلوا البيوت ضاحكين كأنهم يكتشفون وطنًا خرج للتو من الأسطورة. يومها فهمنا أن الأرض تحفظ أصحابها، وأن البيوت تنتظر أهلها مهما طال الغياب.

ستة وعشرون عامًا مرّت، ولا يزال الجنوب يدفع ثمن موقعه المتقدم في الدفاع عن لبنان وفلسطين. هذا الجنوب المحاذي لفلسطين المحتلة لم يكن يومًا مجرد قرى حدودية؛ كان الخندق الأول، والشاهد الأول، والجرح المفتوح على امتداد القضية. 

في ذكرى التحرير العظيمة، لا نسترجع الماضي بوصفه حنينًا فقط، بل بوصفه دليلًا على أن الشعوب التي تتمسك بحقها تستطيع أن تكسر أكثر مشاريع القهر ظلمًا. وما جرى في جنوبنا لم يكن حدثًا عابرًا في التاريخ اللبناني، بل لحظة أعادت تعريف معنى الإرادة والكرامة والسيادة.

واليوم، أعود بذاكرتي إلى قريتي عديسة، التي دمر بيوتها العدو منذ عامين، وجرف زيتونها وتينها، كما فعل في الكثير من قرى الجنوب، واليقين يملؤني بأن التحرير الثالث قريب لا محالة، لأن رجال الله ما زالوا هناك، في الجنوب، يواجهون ذلك الوحش الذي لا ترد ناره سوى النار، لا جلسات المستسلمين على طاولات الذل في واشنطن أو غيرها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة