مقالات مختارة
حمزة الخنسا - صحيفة الأخبار
لم يكن النقيب إيتان شموئيل لمبرغ، ضابط قوة المدرعات آخر من طاردتهم المقاومة وقتلته داخل دبابته أمس قرب قلعة الشقيف. فالمقاومة تطبق في المعركة منذ الثاني من آذار الماضي، استراتيجيات متعددة تتجاوز تكتيك الاشتباك التقليدي مع قوات العدو المتقدمة.
فإلى جانب الاستراتيجية الجوية التي وفّرتها المسيّرات الانقضاضية، برز في خضمّ المعركة ما يعرف عسكرياً باستراتيجية «قطع الرأس وإعماء الخصم» التي تستهدف «الجهاز العصبي» لجيش العدو "الإسرائيلي" المتمثل بالضباط والمقرات وغرف العمليات وأنظمة الحرب الإلكترونية.
وأظهر الإقرار المتأخر لجيش العدو أمس الخميس، بأن المقاومة حاولت قبل نحو شهر اغتيال قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال اللواء رافي ميلو، تمسك المقاومة بهذه الاستراتيجية التي أصبحت ركناً أساسياً في خطتها العملياتية.
وقد اعتمدت المقاومة في طريقها لتحقيق هذا الهدف على الاستعلام الاستخباري الدقيق والفوري لاصطياد قادة التشكيلات في أثناء تنقلهم أو إشرافهم المباشر على المعارك، وبشكل خاص الضباط الميدانيون (من رتبة ملازم إلى مقدم، وقادة الفصائل والسرايا والكتائب)، لما لهم من مكانة استثنائية في العقيدة القتالية لجيش العدو. إذ إنهم لا يمثلون فقط هيكلية إدارية، بل يُعتبرون «مركز الثقل والمحرك العملياتي» لأي معركة على الأرض.
ويمتلك الضابط الميداني في جيش العدو (كقائد كتيبة أو سرية مثلاً) صلاحيات واسعة جداً، فهو من يقرر طلب إسناد جوي، أو قصف مدفعي، أو تغيير خطة الاقتحام بناءً على معطيات اللحظة، دون الحاجة للعودة إلى غرفة العمليات المركزية. هذا ما كان يمنح القوات المعادية مرونة وسرعة في التكيف مع تكتيكات حرب العصابات والكمائن المفاجئة. وبسبب أهميتهم العالية، تحول الضباط الميدانيون في جيش العدو إلى أكبر نقطة ضعف عسكرية ونفسية تستغلها المقاومة في لبنان.
سجل ملاحقة الضباط
تحدثت منصات المستوطنين أمس عن استهداف المقاومة مستعمرة شلومي بشكل دقيق تزامناً مع زيارة رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو لها، ما أجبر طاقمه الأمني على إخلائه فوراً إلى مكان آمن (ملاجئ محصنة). هذه العملية تمثل «رسالة نارية» بأن أعلى هرم سياسي "إسرائيلي" مكشوف استخباراتياً ويقع ضمن بنك الأهداف المباشر.
وقبل هذه الحادثة بساعات، كان الإعلام العبري منشغلاً بالكشف عن استهداف اللواء ميلو. ورغم نجاته من الاستهداف، إلا أن الوصول لمركبة أرفع قائد عسكري "إسرائيلي" في الجبهة الشمالية يُعد اختراقاً أمنياً وعسكرياً كبيراً لجيش العدو، ويدل على تعقب دقيق لمساراته.
قبل ميلو، كانت المقاومة قد استهدفت قائد اللواء 401 المدرع العقيد مئير بيدرمان في بلدة دبل في 20 أيار الماضي، وقد جاء الاستهداف بعد إشراف بيدرمان على محاولة توغل ليلية فاشلة باتجاه بلدة حداثا. وعند الفجر، انسحب قائد اللواء وعاد إلى مقر عمليات مستحدث في أطراف بلدة دبل.
كانت تحركات قائد اللواء تحت المراقبة البصرية الدقيقة من قبل استطلاع المقاومة، وعند الساعة 7:50 صباحاً، وصلت مسيّرة انقضاضية من نوع «أبابيل» إلى المقر وقامت بمسح ميداني. رصدت المسيّرة الضباط خلف ساتر تمويهي في الطابق الأخير، وعندما حاولوا الفرار إلى الداخل، لاحقتهم ببراعة وانفجرت داخل «غرفة العمليات» مباشرة، ما أسفر عن إصابة العقيد مئير بيدرمان بجروح بالغة وخطيرة في الرأس، إلى جانب ضابطين آخرين.
أظهر حزب الله تطوراً في سلاح الاستخبارات وجمع المعلومات، وأفقد العدو الكثير من تقنيات الرصد التي وضعت لحماية الجيش
قبل ذلك بيومين، استهدفت المقاومة قائد اللواء 300 في آليته داخل مستوطنة شوميرا بمحلّقة انقضاضية، كرد مباشر على استهداف المدنيين.
وبالمثل، استهدفت المقاومة قائد كتيبة في لواء «ناحل» النخبوي، وذلك في 31 آذار، بتفجير عبوات ناسفة واشتباك في بلدة بيت ليف، ما أدى إلى مقتل وجرح أفراد قوة مساندة "إسرائيلية"، بينهم قائد الكتيبة.
وفي حزيران الجاري، نفذت المقاومة استهدافاً متزامناً لضباط كبار في لواء النخبة «غولاني» في أثناء وجودهم في محيط قلعة الشقيف.
وفي سلسلة عمليات مماثلة، استهدفت المقاومة في 31 آذار موكباً قيادياً رفيعاً لجيش العدو في تلة العويضة، كما استهدفت طواقم قيادية داخل آلية «نميرا» في بلدة البياضة في 3 أيار، وآلية عسكرية تضم طاقماً قيادياً في بلدة الطيبة في 12 نيسان بمحلّقة انقضاضية.
لعنة الغطرسة التكنولوجية
نجحت المقاومة في جرّ الضباط وقادة جيش العدو الميدانيين إلى بيئة معادية. ففي وقت يعاني هؤلاء من «غطرسة تكنولوجية»، إذ تدربوا على مدى سنوات ليكونوا «مديري أنظمة» يراقبون الشاشات ويعتمدون على الذكاء الاصطناعي والدعم الجوي المطلق، قامت المقاومة بتعطيل التكنولوجيا (إسقاط الدرون دوم، اختراق التروفي بالمسيرات، إبعاد الطيران المروحي)، فاضطروا للقتال وجهاً لوجه في تضاريس معقدة، ما أظهر عجزهم عن اتخاذ قرارات ميدانية حاسمة، وسقطوا في فخاخ كلاسيكية، ودفعوا ثمناً دموياً باهظاً أدى إلى شلل الفرق المهاجمة (كالفرقة 146 و36 و98) وتآكل قدرتها على المناورة، وانكشاف رأس الهرم القيادي (قائد المنطقة الشمالية) أمام نيران المقاومة.
في معركة «العصف المأكول 2026»، انعكست القاعدة العسكرية التي تقول إن الضابط الناجح هو من يفرض إيقاعه على العدو، إلى العكس تماماً. فقد حولت المقاومة، باستراتيجيتها، الضباط "الإسرائيليين" إلى مجرد «متلقّين»، يستيقظون يومياً ليتعاملوا مع مسيّرات تنقض على مقراتهم، أو دبابات تحترق، أو جرحى ينزفون. وبذلك، فقدت القيادة الميدانية "الإسرائيلية" زمام المبادرة بالكامل لصالح المقاومة.