اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

نقاط على الحروف

بين هيكل الصاروخ والرأس الحربي: كيف تُضلِّل الصور المتداولة الرأي العام ؟ 
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

بين هيكل الصاروخ والرأس الحربي: كيف تُضلِّل الصور المتداولة الرأي العام ؟ 

112

في خضم المواجهات العسكرية والتصعيد الإقليمي، تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو لحطام صواريخ إيرانية أو أجزاء كبيرة من أجسام معدنية سقطت في مناطق مختلفة. وغالباً ما ترفق هذه الصور بتعليقات تزعم أن الصاروخ "فشل" أو "سقط قبل أن يصيب هدفه"، بينما يكشف التحليل التقني أن كثيرًا من هذه الادعاءات تستند إلى فهم محدود لطبيعة عمل الصواريخ الباليستية الحديثة، وخصوصًا تلك التي تعتمد على رؤوس حربية منفصلة عن جسم الصاروخ.

ومن بين الأمثلة التي أثارت جدلاً واسعًا خلال الفترة الأخيرة صور لأجزاء كبيرة من صواريخ إيرانية، يعتقد أنها تعود إلى صواريخ من فئة "خرمشهر"، حيث ظهر بعض المستوطنين وهم يتجمعون حول جسم صاروخي مغروس في الأرض، متوهمين أن ذلك دليل على إسقاط الصاروخ أو فشله في الوصول إلى هدفه، غير أن المتخصصين في شأن الصواريخ يؤكدون أن هذه المشاهد قد لا تعني إطلاقًا ما يتوهمه عامة الناس.

الفرق بين هيكل الصاروخ والرأس الحربي

لفهم الصورة بشكل صحيح، لا بد أولًا من التمييز بين مكونات الصاروخ الباليستي، فالصاروخ يتكون عادة من قسمين رئيسين: الهيكل الحامل الذي يحتوي على الوقود والمحركات وأنظمة الدفع والتوجيه خلال مرحلة الطيران الأولى، والرأس الحربي الذي يحمل الحمولة القتالية والمخصص لضرب الهدف.

في العديد من الصواريخ الباليستية الحديثة، ومنها بعض النماذج الإيرانية ينفصل الرأس الحربي عن جسم الصاروخ في مرحلة معينة من الرحلة، ليواصل مساره نحو الهدف بصورة مستقلة، أما الهيكل أو الحشوة الدافعة فتتابع مسارًا مختلفًا وتسقط في منطقة أخرى نتيجة انتهاء مهمتها.

المسار الباليستي والانفصال الطبيعي للمراحل

تعمل الصواريخ الباليستية وفق مسار يشبه إلى حد كبير حركة المقذوفات التي تُطلق بزاوية محددة، ففي المرحلة الأولى تتولى المحركات دفع الصاروخ إلى ارتفاعات وسرعات كبيرة، ثم تنفصل بعض الأجزاء أو المراحل بعد استهلاك الوقود، وبعد ذلك يدخل الرأس الحربي في مرحلة التحليق الحر قبل العودة نحو الهدف بسرعات عالية.

ولهذا السبب، فإن سقوط أجزاء من الصاروخ في أماكن مختلفة يعد أمرًا متوقعاً ومخططًا له مسبقًا ضمن التصميم الهندسي، ولا يمكن اعتبار وجود هذه الأجزاء دليلًا على نجاح عملية اعتراض أو إسقاط، إلا إذا توفرت أدلة تقنية إضافية تؤكد تدمير الرأس الحربي نفسه قبل وصوله إلى هدفه .

وبالتالي، فإن العثور على هيكل صاروخي كبير الحجم على الأرض لا يشكل دليلًا  على فشل المهمة أو إسقاط الصاروخ، بل يعد جزءًا طبيعيًا من دورة عمله التشغيلية، فالرأس الحربي وهو الجزء الأكثر أهمية من الناحية العسكرية يكون قد انفصل مسبقًا وأكمل مساره نحو الهدف المحدد.

البعد الإعلامي والحرب النفسية

من هنا، يمكن استغلال الصور خارج سياقها لإيصال رسائل سياسية أو عسكرية لا تعكس بالضرورة حقيقة ما جرى في الميدان، حيث لا يقتصر الجدل حول صور هياكل الصواريخ الساقطة على الجانب التقني فحسب، بل يمتد إلى ساحة الحرب الإعلامية والنفسية التي ترافق أي مواجهة عسكرية. ففي كثير من الأحيان، تُستخدم هذه الصور لتشكيل انطباع عام بأن منظومات الدفاع الجوي نجحت في إحباط الهجمات بالكامل، أو أن الصواريخ المهاجمة فشلت في أداء مهمتها، حتى قبل ظهور معطيات ميدانية دقيقة تؤكد ذلك.

وفي السياق الإسرائيلي، تمثل هذه الصور أداة إعلامية تساعد على التخفيف من وقع الإخفاقات الأمنية أو العسكرية أمام الرأي العام الداخلي، خصوصاً عندما تتعرض مناطق حساسة أو أهداف إستراتيجية لهجمات صاروخية، فإبراز صور هياكل الصواريخ الساقطة وتقديمها على أنها "صواريخ فاشلة" يسهم في بناء رواية إعلامية تهدف إلى تعزيز الشعور بالسيطرة والنجاح الدفاعي.

كذلك، فإن بعض المنصات والقنوات العربية تتعامل أحياناً مع هذه المشاهد بالطريقة نفسها، إذ تُقدَّم صور الحطام على أنها دليل قاطع على ضعف القدرات الصاروخية الإيرانية أو محدودية فعاليتها، دون التمييز بين الهيكل الدافع والرأس الحربي أو فهم طبيعة المسار الباليستي للصاروخ. ويؤدي هذا التناول إلى نقل صورة غير مكتملة للجمهور، وإلى أحكام تستند إلى الانطباعات أكثر من استنادها إلى التحليل العسكري المتخصص.

إن تقييم القدرات الصاروخية لأي دولة لا يتم عبر صورة لحطام أو هيكل ساقط، بل من خلال دراسة الأداء العملياتي للمنظومة ككل ومدى قدرتها على تجاوز الدفاعات والوصول إلى منطقة الهدف وتحقيق الأثر العسكري المطلوب، ولذلك فإن التركيز الإعلامي على هياكل الصواريخ المنفصلة قد يكون في كثير من الأحيان جزءاً من معركة الروايات بقدر ما هو عرض لوقائع ميدانية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة