مقالات
كاتب من لبنان
تبدي العديد من القوى السياسية اللبنانية مراجعة نقدية متفاوتة للمفاوضات بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني في واشنطن، مشيرة إلى تداعيات ستتركها في ما يخص سيادة لبنان على أرضه وأمنه ووحدة الموقف الداخلي.
وظهرت في هذا الإطار خلال الأيام الماضية مواقف لكل من الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ورئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية، ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل. في ما يأتي نعرض لأبرز ملامحها، بما يكشف أن الاعتراض أو التحفظ على المفاوضات أو الأداء التفاوضي الحالي لا يتوقف على فريق سياسي واحد، بل يمتد إلى قوى ذات تموضعات سياسية متنوعة.
جنبلاط: إشكالية الدور الأميركي والخوف من التوسع "الإسرائيلي"
وجّه جنبلاط في حديث لقناة "الجزيرة" الأسبوع الماضي نقدًا للبنية التي تقوم عليها المفاوضات، لجهة وجود ثلاثة لاعبين بأوزان مختلفة لكنها تتكامل للتأثير على موقف لبنان سلبًا:
1- الدور الأميركي الذي يقدم نفسه كوسيط ميسّر للمفاوضات، لكنه في العمق مجرد "وسيط ينقل رسائل إسرائيل لا أكثر ولا أقل". وفي هذه النقطة، ذهب جنبلاط إلى وصف أميركا بأنها "ملحق بـ"إسرائيل""، حيث يُمنع أي ضغط أميركي حقيقي على "تل أبيب". وانتقد مضمون التفاهم الثلاثي الذي صدر بعد جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن، معتبرًا أنه ركز على انسحاب حزب الله من مناطق وجوده دون أن يذكر انسحاب "إسرائيل" من الأراضي اللبنانية، ما يعكس انحيازًا مطلقًا أميركيًا لـ"إسرائيل".
2- الموقف "الإسرائيلي" الذي يقوم على التوسع الذي "لا حدود له". أشار جنبلاط هنا إلى "الخط الأصفر" الذي رسمه الاحتلال للفصل بين المناطق اللبنانية المحتلة والداخل، وهو خط يمتد ليصل إلى جبل الشيخ ومحيط دمشق وحوران، ما ينذر برسم خارطة جديدة للمنطقة تتجاوز الحدود اللبنانية.
3- دور بعض الأطراف اللبنانية المعادية لحزب الله، حيث قال جنبلاط إن هناك "فريقًا لبنانيًا في واشنطن "إسرائيلي" أكثر من إسرائيل"، مضيفًا أن "بعض اللبنانيين لا يعتبرون الجنوب جزءًا من لبنان"، في إشارة، كما يبدو، إلى شخصيات مرت في تاريخ لبنان تواصلت مع الكيان "الإسرائيلي" من أجل إقناعه بضم الجنوب اللبناني إليه.
أما الحل الذي يراه جنبلاط فهو العودة إلى "اتفاق الهدنة" لعام 1949 كإطار للتفاوض، بدلًا من البحث عن "سلام بارد" غير ممكن حاليًا. ودعا إلى حماية لبنان عبر تأمين "إجماع وطني، وجيش لبناني قوي، وقوات دولية (يونيفيل) تكون شاهدًا وضامنًا لمنع أي غزو أو اختراق "إسرائيلي" جديد إذا تم الانسحاب".
ويُفهم من موقف وليد جنبلاط أن البيئة اللبنانية والطبيعة العقائدية للصراع مع "إسرائيل" لا تسمحان بأي انتقال نحو تطبيع حقيقي معها، ولذلك يفضل تثبيت قواعد اشتباك واضحة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني، بدلًا من فتح الباب أمام تسويات قد تتحول إلى مدخل لاختراق أوسع للساحة اللبنانية. ويعكس انتقاده لبعض القوى اللبنانية التي يعتبرها "إسرائيلية أكثر من إسرائيل" خشية واضحة من وجود فريق داخلي يرى في الضغط الأميركي-"الإسرائيلي" فرصة لإعادة تشكيل التوازنات اللبنانية عبر استهداف حزب الله والبيئة الحاضنة له، حتى لو جاء ذلك على حساب وحدة الموقف الوطني أو السيادة اللبنانية.
صحيح أن جنبلاط لا يرفض التفاوض بالكامل، لكنه لا يوافق على تحويله إلى مسار سياسي يجعل لبنان خاضعًا للنفوذ "الإسرائيلي"، ويدعو بدلًا من ذلك إلى مقاربة أمنية مضبوطة بإجماع داخلي وجيش لبناني قوي وضمانات دولية.
باسيل: قرار الحكومة التفاوضي "ليس في يدها"
أما رئيس "تكتل لبنان القوي" جبران باسيل، فيقدم في مقابلة مع قناة تلفزة محلية طرحًا غير رافض بالكامل للمفاوضات مع "إسرائيل"، لكنه يرى أن التفاوض بالشروط الحالية لا يصب في مصلحة لبنان. فالحكومة "لم تضع ورقة موحدة" تتضمن الحد الأدنى قبل الذهاب إلى المفاوضات، كما يعتبر أن "القرار ليس بيدها" و"لا رؤية لديها وتنتظر الأجندات الخارجية". وينتقد استمرار المفاوضات اللبنانية-"الإسرائيلية" في ظل استمرار الاعتداءات "الإسرائيلية"، معتبرًا أن تجاهل الخروقات المتكررة لوقف إطلاق النار يضعف الموقف اللبناني ويمنح "صكًا من الدولة يعطي شرعية لتبرير استمرار إسرائيل بحربها". وأضاف: "أنت تقول كدولة لحزب الله اتفقتُ مع إسرائيل وتشرّع لها حق الدفاع عن النفس والتنسيق مع الدولة (اللبنانية) ضد "جماعات إرهابية"، فكيف تطالب حزب الله بتسليم السلاح؟".
وأشار إلى أن السلطة لم تحصل على أي ضمانة ولا حتى على وعد بوقف النار أو الانسحاب "الإسرائيلي"، و"تحدثوا في مذكرة التفاهم عن إنهاء حالة الحرب في وقت أن إنهاء هذه الحالة في لبنان يحتاج إلى قانون".
ومع أنه يرى أن حزب الله "أخطأ" في حرب الإسناد، لكنه يرفض تحويل هذا "الخطأ" إلى مدخل لتفكيك البيئة الشيعية أو منح "إسرائيل" شرعية الاعتداء على لبنان.
ويمكن القول إن خطاب باسيل يقوم على ركائز أساسية:
* رفض التفاوض مع "إسرائيل" من موقع الضعف.
* الدعوة إلى تبني ورقة موحدة داخل مجلس الوزراء قبل التوجه إلى المفاوضات.
* رفض إسقاط حزب الله بالقوة أو بالعزل، وكذلك رفض الاصطفاف مع القوى التي ترى في هزيمته فرصة لإعادة تشكيل التوازن الداخلي اللبناني.
* الدعوة إلى احتواء السلاح داخل الدولة تدريجيًا وضمن استراتيجية أمن قومي.
ويرى باسيل أن الحكومة التزمت إعداد هذه الاستراتيجية، لكنها لم تبادر حتى الآن إلى وضع الآليات اللازمة لإنجازها. ويدعو إلى توفير ضمانات داخلية وخارجية للبنانيين، بمن فيهم حزب الله، تحفظ الاستقرار وتحمي لبنان، بحيث يصبح السلاح جزءًا من منظومة الدولة وتحت إمرتها. ويعتبر أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة ستقود إلى حرب أهلية أو انهيار الدولة. كما يذكر بأن الحكومات اللبنانية المتعاقبة شرّعت سلاح الحزب وأن قوى مثل "القوات" و"الكتائب" شاركت في حكومات غطّت هذا الواقع، وقال إن "الشرعية لسلاح حزب الله والتسهيل أُعطيا من قيادة الجيش اللبناني ومن ضمنها جوزاف عون".
ويتبين أن جبران باسيل يعيد تعريف مفهوم السيادة في ظل حكومة تتلقى التوجيه الخارجي بدلًا من امتلاك الرؤية المعززة بتوافق عام، كما يبدي بعض التفهم لمكامن القلق حيال التغول "الإسرائيلي" على لبنان. وبذلك يحاول، لأسباب عدة، التموضع داخليًا في الوسط، لا كجزء من خط المواجهة الكاملة مع "إسرائيل" ولا كجزء من مشروع التطبيع الذي يسوق له بعضهم.
فرنجية: مفاوضات بلا أدوات ضغط ولا خبرة
أما رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية، فينطلق من منطق مختلف يقوم على فكرة مركزية: لا يمكن لأي دولة أن تفاوض من دون عناصر قوة. لذلك، يعتبر أن التخلي عن "ورقة المقاومة" قبل التفاوض أفقد لبنان أهم أدوات الضغط، مستشهدًا بالموقف "الإسرائيلي" الذي قال إن لبنان "لم يعد يملك ما يفاوض به".
في جوهر موقف فرنجية، ثمة مقارنة واضحة بين طريقة تعامل واشنطن مع إيران وتعاملها مع لبنان. فهو يرى أن إيران انتزعت تنازلات لأنها تمتلك أوراق قوة، فيما يُطلب من لبنان تقديم تنازلات مجانية مقابل وعود غير مضمونة. ومن هنا يأتي قوله إن المطلوب هو "تحجيمنا"، بينما تُمنح إيران مكاسب لأنها تفاوض من موقع قوة. وهذا الموقف يعكس رؤية سياسية تعتبر أن ميزان القوى، لا الشرعية الدولية، هو العامل الحاسم في أي مفاوضات مع "إسرائيل". ولذلك، فإن أي حديث عن نزع عناصر القوة اللبنانية قبل تثبيت الانسحاب "الإسرائيلي" الكامل يُعد، بالنسبة إلى فرنجية، خطأً استراتيجيًا.
وفي كلمة له خلال إحياء الذكرى الثامنة والأربعين لمجزرة إهدن، ألمح فرنجية إلى أن المفاوضات الجارية "تتم من خلال من لا يعرفون التاريخ ولا الجغرافيا"، ما يشير إلى افتقارهم للخبرة السياسية والاستراتيجية المطلوبة في مواجهة "إسرائيل" والولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، يشدد على وحدة اللبنانيين ورفض أي قرار منفرد بشأن السلام أو التطبيع. فهو يدرك حساسية البيئة الشعبية اللبنانية تجاه "إسرائيل"، ولذلك يذكّر بأن أي جهة توقع اتفاقًا منفردًا ستتحمل وحدها المسؤولية السياسية والشعبية.
خلاصة
تكشف هذه المواقف لقوى لها ثقلها التمثيلي وتجربتها السياسية أن الثنائي حزب الله وحركة أمل ليسا وحيدين في مقاربة موضوع المفاوضات من زاوية اعتراضية أو نقدية. وهناك اختلاف حول تعريف التفاوض نفسه: هل هو أداة لحماية لبنان؟ أم وسيلة لفرض شروط "إسرائيلية" جديدة؟ أم مدخل لإعادة ترتيب النظام السياسي اللبناني؟
فجنبلاط يخشى مشروعًا "إسرائيليًا" توسعيًا ينتقص من حدود لبنان، ويعتبر الدور الأميركي مساندًا لـ"إسرائيل".
وباسيل يدعو إلى مغادرة موقع الضعف في الموقف التفاوضي الرسمي إلى إعداد ورقة موحدة في مجلس الوزراء، إضافة إلى بناء استراتيجية أمن قومي تجمع اللبنانيين.
أما فرنجية فيرى أن لبنان الرسمي تخلى عن عناصر قوته في هذه المفاوضات، وأهمها المقاومة، ويؤكد على ضرورة إعادة الاعتبار لها.
وفي ظل هذه المواقف وأمثالها، تبدو الحكومة اللبنانية أمام مأزق صعب: فهي تفاوض تحت سقف منخفض برؤية أميركية وتحت النار "الإسرائيلية"، وتفتقد إلى توافق داخلي حول أهداف التفاوض وشكله وحدوده. وهذا يخلّف نتائج سلبية على الواقع اللبناني برمته، لا سيما في حال أدت المفاوضات إلى التزامات تُفرض على الدولة اللبنانية.