مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
لم تكن الحرب الأميركية-"الإسرائيلية" على إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية التي بشرت بها الإدارات الأميركية المتعاقبة والحكومات "الإسرائيلية" منذ عقود. فالأهداف التي رُفعت في بداية المواجهة لم تكن متواضعة أو محدودة، إذ تجاوزت مسألة البرنامج النووي إلى السعي لإخضاع دولة كاملة ونهب ثرواتها وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
في الأيام الأولى، ارتفع سقف الخطاب السياسي والإعلامي إلى حد الحديث عن إسقاط النظام الإيراني. ثم جرى التركيز على تدمير البرنامج النووي ومصادرة اليورانيوم المخصب وتجريد إيران من قدراتها الصاروخية التي تحولت إلى أحد أهم عناصر الردع في المنطقة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان الهدف الأبعد يتمثل في قطع الشرايين التي تربط طهران بحلفائها، وإنهاء ما يُعرف بمحور المقاومة الممتد من لبنان إلى فلسطين والعراق واليمن.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفًا بصورة جوهرية.
فبعد أشهر من العمليات العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية والحصار الإعلامي، لم يسقط النظام الإيراني، ولم تنهَر مؤسسات الدولة، ولم تتوقف الصناعات العسكرية، ولم تختفِ القدرات الصاروخية التي كانت تشكل أحد الأهداف الرئيسية للحرب. بل إن إيران أثبتت أنها تمتلك من عناصر التماسك الوطني والمؤسساتي ما يجعل إخضاعها بالقوة أمرًا أكثر تعقيدًا مما تخيلته دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب.
لقد تصرفت الولايات المتحدة و"إسرائيل" كما لو أن بإمكانهما فرض إرادتهما على شعوب المنطقة بالقوة العسكرية وحدها، متجاهلتين دروس العقود الماضية من أفغانستان إلى العراق، ومن لبنان إلى غزة. فالمشكلة الأساسية في العقل الاستراتيجي الأميركي-"الإسرائيلي" تكمن في اعتقاده الدائم أن التفوق العسكري قادر على إنتاج انتصار سياسي تلقائي، بينما تثبت الوقائع مرة بعد أخرى أن الشعوب والدول لا تُدار بمنطق الصواريخ والطائرات فقط.
دفعت إيران ثمنًا كبيرًا من دماء قادتها وأبنائها ومن اقتصادها ومن بنيتها التحتية، لكن الثمن الذي دفعته لم يتحول إلى استسلام. وعلى العكس، فإن استمرار الدولة ومؤسساتها وقدرتها على اتخاذ القرار المستقل شكّل بحد ذاته دليلًا على فشل الرهان على الانهيار الداخلي.
أما لبنان، فقد كان أحد أكثر الساحات التي دفعت كلفة المواجهة. قرى مدمرة، وبنية تحتية متضررة، وعائلات اقتُلعت من بيوتها، وشهداء وجرحى بالآلاف، وخسائر اقتصادية ستحتاج سنوات لمعالجتها. ومع ذلك، لم يتحقق الهدف "الإسرائيلي" المتمثل في فرض واقع سياسي جديد بالقوة أو إنهاء دور المقاومة بوصفها لاعبًا أساسيًا في المعادلة اللبنانية والإقليمية.
لقد أرادت "إسرائيل" أن تحوّل النار والدمار إلى أداة لإنتاج الاستسلام، لكنها اصطدمت مجددًا بحقيقة يعرفها اللبنانيون جيدًا منذ عقود: أن القصف قادر على تدمير الحجر، لكنه عاجز عن ضمان النتائج السياسية التي يرغب بها أصحاب القوة.
والأكثر دلالة أن الأهداف المعلنة للحرب أخذت تتقلص تدريجيًا. فبعد الحديث عن إسقاط النظام الإيراني، أصبح الحديث عن البرنامج النووي. وبعد البرنامج النووي انتقل التركيز إلى الصواريخ. وبعد الصواريخ جرى الحديث عن النفوذ الإقليمي. ثم انتهى الأمر إلى البحث عن كيفية منع توسع المواجهة وحماية المصالح الغربية في الخليج وتأمين الملاحة الدولية.
وهنا برز مضيق هرمز بوصفه العصب الاقتصادي الأهم في المنطقة. فالغرب الذي اعتاد الحديث عن القوة والهيمنة وجد نفسه أمام حقيقة استراتيجية صلبة: أن أي اضطراب واسع في هذا الممر الحيوي يمكن أن يهز أسواق الطاقة العالمية ويلحق أضرارًا جسيمة بالاقتصاد الدولي. وعند هذه النقطة تحديدًا، بدأ منطق التسويات يفرض نفسه على حساب لغة التهديدات.
إن ما تكشفه هذه الحرب ليس فقط حدود القوة "الإسرائيلية"، بل أيضًا حدود القوة الأميركية نفسها. فواشنطن التي قدمت لـ"إسرائيل" دعمًا سياسيًا وعسكريًا واستخباريًا غير مسبوق لم تتمكن من ترجمة هذا التفوق إلى انتصار استراتيجي حاسم. وقد بدا واضحًا أن القوة العظمى الأولى في العالم عاجزة عن فرض الشروط التي أعلنتها في بداية المواجهة.
لقد أثبتت التجربة مرة جديدة أن الشرق الأوسط ليس مختبرًا مفتوحًا للمشاريع الأميركية و"الإسرائيلية"، وأن الشعوب والدول التي تمتلك إرادة الصمود قادرة على تعطيل أكثر الخطط طموحًا مهما بلغت كلفة المواجهة. كما أثبتت أن الرهان على كسر إيران وعزلها وإخضاعها بالقوة لم يؤدِّ إلا إلى تعميق القناعة لدى ملايين الناس في المنطقة بأن الهيمنة العسكرية ليست قدرًا محتومًا.
صحيح أن إيران ولبنان دفعا أثمانًا باهظة، وصحيح أن حجم الخسائر الإنسانية والمادية كان هائلًا، لكن الحروب لا تُقاس فقط بحجم الدمار، بل بمدى تحقيق الأهداف السياسية التي شُنَّت من أجلها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن القول إن المشروع الذي بدأ تحت عنوان تغيير المعادلات الإقليمية انتهى إلى نتيجة معاكسة: فبدلًا من فرض الاستسلام، كرّس حقيقة أن إرادة الصمود ما زالت قادرة على إحباط مشاريع الهيمنة، وأن القوة مهما عظمت لا تستطيع وحدها أن تكتب مستقبل المنطقة.