اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي إطلاق نار واعتقالات واقتحامات بالضفة الغربية وإحراق مسجد في رام الله 

مقالات

 ما بعد الحرب: هل تنجح شعوب غرب آسيا في بناء نظام خارج الهيمنة؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

 ما بعد الحرب: هل تنجح شعوب غرب آسيا في بناء نظام خارج الهيمنة؟

421

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

عندما تنتهي الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الحقيقي من انتصر ومن انهزم فقط، بل أي نظام سياسي واقتصادي وثقافي سيولد من تحت الركام. هذه هي اللحظة التي تقف أمامها شعوب غرب آسيا اليوم. فالحرب الأخيرة لم تكن فقط مواجهة عسكرية هامشية بين دول وقوى متصارعة، بل كشفت أزمة أعمق تتعلق ببنية النظام الإقليمي الذي حكم المنطقة طوال القرن الماضي، وبالأسس التي قامت عليها الهيمنة الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.

على امتداد أكثر من مئة عام، جرى التعامل مع غرب آسيا باعتباره مساحة نفوذ لا باعتباره فضاءً حضاريًا يمتلك حق تقرير مصيره. كانت المنطقة تُقرأ في العواصم الغربية من خلال خرائط الطاقة والممرات البحرية والأسواق الاستراتيجية، فيما جرى تجاهل حقيقة أن هذه الجغرافيا تضم شعوبًا تمتلك تاريخًا مشتركًا وثقافات متداخلة ومصالح مترابطة. ومنذ اتفاقيات التقسيم الاستعماري الأولى، وصولًا إلى الحروب المتعاقبة التي شهدها العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن، بقي الهدف المركزي واحدًا: منع تشكل مركز إقليمي مستقل قادر على إدارة موارده وأمنه بعيدًا عن الوصاية الخارجية.

لكن التحولات التي شهدتها السنوات الأخيرة، وخصوصًا الحرب التي هزّت المنطقة وصولًا إلى عام 2026، دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في مسلمات كانت تبدو ثابتة لعقود. فقد أظهرت الأحداث حدود القوة العسكرية الغربية، وكشفت أن التفوق التكنولوجي الهائل لا يترجم بالضرورة إلى قدرة على فرض الإرادة السياسية. كما بيّنت أن المجتمعات والدول التي تتعرض للضغط والحصار تمتلك قدرة متزايدة على التكيف وإيجاد البدائل.

في هذا السياق، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بمستقبل إيران أو تركيا أو الدول العربية منفردة، بل بمستقبل المنطقة كلها. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تستطيع شعوب غرب آسيا استثمار هذه اللحظة التاريخية لبناء نظام إقليمي جديد خارج الهيمنة، أم أن المنطقة ستعود مجددًا إلى دائرة التبعية والصراعات التي صُممت لإبقائها في حالة استنزاف دائم؟

الهيمنة التي صنعت الفوضى

منذ انهيار الدولة العثمانية، لم يكن المشروع الغربي في المنطقة قائمًا على بناء الاستقرار بقدر ما كان قائمًا على إدارة عدم الاستقرار. فقد جرى رسم الحدود السياسية بما يضمن إنتاج أزمات مستمرة، وتم تأسيس كيانات سياسية ضعيفة تحتاج دائمًا إلى الحماية الخارجية، فيما زُرعت داخلها تناقضات إثنية وطائفية وقومية تحولت لاحقًا إلى أدوات ضغط دائمة.

لم يكن هذا خطأ في التخطيط، بل كان جوهر التخطيط نفسه. فالقوى الاستعمارية التقليدية أدركت أن السيطرة المباشرة مكلفة، وأن الهيمنة الأكثر فاعلية هي تلك التي تجعل المجتمعات تدير صراعاتها الداخلية بنفسها، بينما تبقى الثروة والقرار الاستراتيجي خاضعين لمراكز القوة الخارجية.

لهذا السبب، لم تكن القضية الفلسطينية مجرد قضية شعب محتل، بل كانت إحدى الركائز الأساسية في هندسة النظام الإقليمي. فوجود كيان استيطاني مدعوم غربيًا في قلب المنطقة وفر أداة دائمة لإعادة تشكيل التوازنات ومنع أي مشروع وحدوي أو تكاملي من النضوج.

لكن ما جرى خلال العقود الأخيرة كشف أيضًا حدود هذه المعادلة. فالحروب التي كان يفترض أن تعيد إنتاج الهيمنة انتهت غالبًا إلى نتائج معاكسة، وأدت إلى تآكل صورة القوة الغربية نفسها. ومع كل جولة صراع جديدة، كانت تتزايد الشكوك داخل المنطقة وخارجها حول قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على إدارة النظام الدولي بالشكل الذي فعلوه بعد الحرب الباردة.

نهاية الأحادية وبداية الفراغ

أحد أهم التحولات التي كشفتها الحرب الأخيرة يتمثل في التراجع الواضح للأحادية الغربية. فالعالم الذي تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لم يعد قائمًا بالصورة ذاتها. لقد ظهرت قوى جديدة، وتغيرت موازين الاقتصاد العالمي، وبدأت الدول المتوسطة والصاعدة تبحث عن هوامش استقلال أوسع.

في غرب آسيا تحديدًا، ظهرت مؤشرات واضحة على هذا التحول. فالدول التي كانت تعتمد بصورة شبه كاملة على المظلات الأمنية الغربية بدأت تعيد حساباتها. كما أن الاستخدام المفرط للعقوبات الاقتصادية دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل مالية وتجارية خارج المنظومة الغربية التقليدية.

وللمرة الأولى منذ عقود، باتت فكرة بناء ترتيبات إقليمية مستقلة تُطرح بوصفها خيارًا واقعيًا لا مجرد شعار أيديولوجي. لكن تراجع الهيمنة لا يعني تلقائيًا ولادة نظام جديد. فالتاريخ يعلمنا أن الفراغات الجيوسياسية غالبًا ما تكون أخطر من الهيمنة نفسها إذا لم تمتلك القوى المحلية القدرة على ملئها بمشاريع واضحة ومستقرة. وهنا تحديدًا تكمن المعضلة الأساسية أمام شعوب المنطقة.

حين فقدت القواعد الأميركية حصانتها الاستراتيجية

لم تقتصر الكلفة التي فرضتها إيران على ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق العالمية، بل امتدت إلى أحد أكثر الأسس رسوخًا في العقيدة العسكرية الأميركية: مفهوم “حماية القوة”. فالتسريبات والتقارير التي ظهرت بعد الحرب، بما فيها مراجعات داخل مؤسسات أميركية، تشير إلى أن الضربات الإيرانية لم تستهدف القواعد العسكرية بوصفها منشآت مادية فحسب، بل استهدفت المنظومة المفاهيمية التي يقوم عليها الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة. لقد تعرّضت شبكات الرادار والإنذار المبكر ومنظومات الدفاع الجوي التي كلفت مئات المليارات من الدولارات، إلى أهداف قابلة للاستنزاف والتعطيل. كما شكلت لعقود العمود الفقري للهيمنة الأميركية لاختبارات غير مسبوقة، الأمر الذي أثار نقاشًا داخل واشنطن حول جدوى الإبقاء على قواعد ثابتة في بيئة باتت فيها الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة قادرة على تهديد الأصول الاستراتيجية بكلفة منخفضة نسبيًا. وما يكتسب أهمية خاصة هنا هو أن المسألة لم تعد تتعلق بحجم الأضرار المادية بقدر ما تتعلق بتآكل صورة التفوق المطلق التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة في ردع خصومها. فعندما تتحول القواعد العسكرية من أدوات لإنتاج الأمن إلى مصادر لاستجلاب المخاطر، يصبح السؤال المطروح داخل المؤسسة الأميركية ليس كيفية إدارة الحرب فقط، بل كيفية تبرير استمرار نموذج الهيمنة العسكرية نفسه في غرب آسيا.

وتزداد أهمية هذه المعادلة إذا ما نظرنا إلى النقاش المتصاعد داخل الولايات المتحدة نفسها بشأن مستقبل انتشارها العسكري في المنطقة. فالحرب لم تطرح فقط سؤال قدرة إيران على الصمود، بل طرحت أيضًا سؤال قدرة واشنطن على الاستمرار في تحمل كلفة شبكة قواعد بُنيت على افتراضات تعود إلى مطلع القرن الحادي والعشرين. وإذا كانت الحرب قد أثبتت شيئًا، فهو أن التفوق التكنولوجي لم يعد ضمانة كافية لاحتكار الردع. وهذا ما يفسر الحذر الأميركي الحالي؛ فالمواجهة المقبلة، إذا وقعت، لن تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي يمكن إطلاقها، بل أيضًا بمدى استعداد الولايات المتحدة لتحمل مخاطر استراتيجية باتت أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة. والأهم من حجم الأضرار المادية كان انكشاف الفرضية التي قامت عليها الاستراتيجية الأميركية نفسها، أي الاعتقاد بأن التفوق التكنولوجي قادر على ضمان السيطرة الدائمة واحتكار الردع. فقد وجدت بعض الدول المستضيفة لهذه القواعد نفسها أمام معادلة معاكسة تمامًا للوعود التي رافقت الوجود العسكري الأميركي؛ فبدلًا من أن يشكل هذا الوجود مظلة حماية، أصبح عاملًا يزيد احتمالات الاستهداف ويضاعف المخاطر الأمنية والاقتصادية. وعندما تتحول القواعد التي يفترض أن تنتج الأمن إلى مصادر لاستجلاب التهديد، ينتقل السؤال من كيفية إدارة النفوذ الأميركي إلى جدوى استمرار نموذج الهيمنة ذاته. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب فكرة بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة أهمية متزايدة، ليس بوصفها مشروعًا أيديولوجيًا، بل باعتبارها استجابة عملية لتراجع فعالية النظام الأمني الذي حكم المنطقة طوال العقود الماضية.

منطق المصالح بدل منطق المحاور

لقد دفعت العقود الماضية أثمانًا هائلة نتيجة سياسات المحاور والصراعات الصفرية. فكل طرف كان ينظر إلى الآخر بوصفه تهديدًا وجوديًا، فيما كانت القوى الخارجية تستثمر هذه المخاوف لتوسيع نفوذها.

لكن التجربة أثبتت أن استمرار هذا المنطق يعني استنزاف الجميع. فلا تركيا تستطيع بناء نفوذ مستقر عبر التنافس الدائم مع محيطها، ولا الدول العربية قادرة على تحقيق التنمية في بيئة إقليمية مضطربة. من هنا تظهر الحاجة إلى الانتقال من توازن الرعب إلى توازن المصالح.

إن بناء نظام إقليمي جديد لا يتطلب تطابقًا أيديولوجيًا بين العرب وإيران والأتراك والكرد، بل يتطلب إدراكًا متبادلًا بأن المصالح المشتركة أكبر من نقاط الخلاف. فالتجارة والطاقة والمياه والممرات البحرية والنقل والبيئة والأمن الغذائي كلها ملفات تجعل التعاون ضرورة لا خيارًا.

لقد نجحت أوروبا، بعد قرون من الحروب الدموية، في تحويل الفحم والصلب إلى أساس لمشروع وحدوي. أما غرب آسيا، فيمتلك من عناصر التكامل ما هو أكبر بكثير: موقع جغرافي استثنائي، وثروات طبيعية هائلة، وكتلة بشرية ضخمة، وأسواق مترابطة بصورة طبيعية.

بلاد الشام والرافدين: القلب الجغرافي للنظام الجديد

إذا كان هناك فضاء قادر على تجسيد فكرة التكامل الإقليمي، فهو بلاد الشام والرافدين. فهذه المنطقة لم تكن تاريخيًا مجموعة دول منفصلة، بل شبكة متصلة من المدن والثقافات والطرق التجارية. وما تزال الروابط الاجتماعية والاقتصادية فيها أقوى من الحدود السياسية التي فرضتها اتفاقيات القرن الماضي.

إن أي مشروع إقليمي حقيقي سيبدأ من إعادة وصل هذه الجغرافيا ببعضها البعض. ليس عبر إلغاء الدول أو تغيير الحدود، بل من خلال تخفيف أثر الحدود وتحويلها إلى ممرات للتعاون بدلًا من كونها خطوطًا للعزل.

فالسكك الحديدية العابرة للحدود، وشبكات الكهرباء المشتركة، ومشاريع الطاقة والمياه، والأسواق الاقتصادية المفتوحة، كلها أدوات عملية يمكن أن تعيد تشكيل المنطقة بصورة تدريجية وأكثر استدامة من الشعارات السياسية الكبرى.

الدور الآسيوي الصاعد

في الوقت الذي يتراجع فيه النفوذ الغربي النسبي، تبرز آسيا باعتبارها الشريك الأكثر حضورًا في مستقبل المنطقة.

فالصين، على سبيل المثال، لا تتعامل مع غرب آسيا من منظور الهيمنة العسكرية المباشرة، بل من منظور حماية المصالح التجارية وسلاسل الإمداد. كما أن مشاريع الربط الاقتصادي الكبرى، مثل مبادرة الحزام والطريق، تمنح المنطقة فرصة للاندماج في شبكات اقتصادية عالمية جديدة. كذلك فإن توسع أطر التعاون مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون يوفر بدائل سياسية واقتصادية للدول التي تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية.

غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب الحذر من استبدال تبعية بأخرى. فالمطلوب ليس الانتقال من الهيمنة الغربية إلى هيمنة شرقية، بل بناء توازن يسمح للدول الإقليمية بالحفاظ على استقلال قرارها.

العقبة الكبرى: الانقسامات الداخلية

رغم كل الفرص المتاحة، تبقى العقبة الأكبر داخلية لا خارجية. فالانقسامات الطائفية والقومية التي غذتها عقود من الصراعات لا تزال تشكل تهديدًا جديًا لأي مشروع جامع. كما أن النخب السياسية والاقتصادية التي نشأت في ظل النظام القديم قد لا تكون متحمسة لتغييره، لأن مصالحها ارتبطت ببقائه. إضافة إلى ذلك، ما تزال بعض الأزمات المزمنة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، تمثل جرحًا مفتوحًا يمكن استخدامه لإعادة إنتاج الفوضى.

ومن دون معالجة هذه القضايا بصورة عادلة وشاملة، سيكون من الصعب بناء نظام إقليمي مستقر.

الفرصة التي قد لا تتكرر

التاريخ لا يمنح الشعوب فرصًا استثنائية كل يوم. وغرب آسيا يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يمكن أن تعيد رسم مستقبله لعقود طويلة.

لقد أظهرت الحرب الأخيرة حدود القوة الخارجية، وكشفت هشاشة نماذج الهيمنة القديمة، وأعادت طرح سؤال الاستقلال الإقليمي بصورة لم تكن مطروحة بهذا الوضوح منذ عقود. لكن نجاح هذا التحول ليس مضمونًا. فالقوى التي استفادت من تفتيت المنطقة لن تتخلى بسهولة عن امتيازاتها، وستحاول استخدام كل أدواتها السياسية والاقتصادية والإعلامية لإبقاء الانقسامات قائمة. لهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مواجهة الخارج فقط، بل في قدرة شعوب المنطقة ونخبها على تجاوز الحسابات الضيقة وبناء رؤية مشتركة للمستقبل.

إن الخيار المطروح أمام غرب آسيا اليوم ليس بين الهيمنة والفوضى، بل بين استمرار التبعية بأشكال مختلفة وبين الشروع في بناء نظام إقليمي مستقل قائم على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة والأمن الجماعي.

وإذا كانت الحرب قد كشفت حدود القوة، فإن مرحلة ما بعد الحرب ستكشف حدود الخيال السياسي. فالأمم لا تصنع مستقبلها فقط بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من قدرة على تخيّل عالم مختلف ثم العمل على تحقيقه. وفي هذه اللحظة التاريخية تحديدًا، قد يكون تخيّل نظام إقليمي خارج الهيمنة هو الخطوة الأولى نحو ولادته. 

الكلمات المفتاحية
مشاركة